من طهران إلى سانتياغو .. في الحاجة للاستماع للشارع

17 نوفمبر 2019 - 23:23

ما يجري في الشارع من طهران إلى سانتياغو… يحمل أسئلة عميقة تحفر في بنيات السلطة المعقدة، وهي على خلاف الموجة الأولى للربيع التي كانت في أغلبيتها أقرب إلى ثورات “الفاست فود”… فإن الموجة الجديدة انطلقت بتحريض من قرارات صغيرة لكنها مستفزة…ولم تنتهي بمطالب شمولية تستهدف معالجة الخلل البنيوي الذي تعانيه السلطة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

– في السودان كان كافيا رفع أسعار الرغيف بثلاثة أضعاف وقرار الأبناك تسقيف ما يمكن أن يسحبه المواطنون من أموال، في اندلاع مظاهرات قادها الطلبة وانتهت بخروج الشعب إلى الشوارع، فانتقلت المطالب من إسقاط الزيادة في تمن الرغيف، إلى إسقاط البشير رأس النظام السوداني.

– في الجزائر شكل قرار ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، وهو رجل مقعد، استفزازا أرعن للشعب الجزائري ولنخبه المختلفة، فخرج الشعب للشارع مطالبا بإسقاط العهدة الخامسة، بل تجاوز ذلك للمطالبة بإسقاط كل أركان النظام الحاكم منذ الاستقلال ممثلا في الدولة العميقة، ورغم سحب ترشيح بوتفليقة وإلغاء الانتخابات الرئاسية، فإن الشارع رفع شعار “يتنحاو كاع”..ويرفع اليوم “مدنية مدنية ماشي عسكرية” احتجاجا على الجينرال قايد صالح الذي يسارع الزمن من أجل وضع رئيس على المقاس في قصر المرادية وهو ما يرفضه الشارع الجزائري من خلال مظاهرات متواصلة منذ فبراير الماضي.

– في العراق خرجت المظاهرات احتجاجا على البطالة وضعف الخدمات العامة خاصة الكهرباء والماء الصالح للشرب في دولة تنام على احتياطي كبير من النفط، لكن سرعان ما تحولت مطالب الشارع إلى مطالب أكبر وأعمق تتعلق بإسقاط النظام الطائفي ومعه النخبة السياسية والحزبية الفاسدة، إذ تشير مصادر مختلفة أن تكلفة الفساد في العراق بلغت أزيد من 450 مليار دولار منذ إسقاط نظام صدام حسين.

– في لبنان عمدت الحكومة إلى وضع رسوم على استخدام تطبيق “الواتساب” في نوع من العمى أو البلادة المحاسباتية التي تنظر إلى الميزانية ومالية الحكومة نظرة تقنية تسقط عنها أية مسؤولية اجتماعية وسياسية، فكانت تلك الرسوم شرارة لثورة أخرجت قرابة نصف الشعب اللبناني إلى الشارع، فتجاوز الشارع مطلب إسقاط الرسوم إلى إسقاط الطائفية والمحاصصة الطائفية التي يستثمر فيها قادة الطوائف لتأبيد سلطانهم وسطوتهم وكحصانة لهم ولأتباعهم المتورطين في قضايا فساد، لذلك توحد اللبنانيون بشكل غير مسبوق وإستثنائي رافعين شعار “كِلُّنْ يَعْني كِلُّنْ”، وهو ما يعني أن سنوات الشحن والاستقطاب الطائفي، وضعها اللبنانيون خلف ظهورهم، بل استطاعوا تحديد خصومهم بدقة وأولهم البنية الطائفية للدولة التي تمثل تحريفا لاتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية، وثانيهم النظام المصرفي الذي يمثل صورة واضحة للطابع البنيوي للفساد في لبنان.

– في إيران شكل قرار رفع أسعار البنزين الشرارة التي أخرجت المواطنين إلى شوارع أزيد من سبعين مدينة، صحيح أن المظاهرات إلى اليوم لازالت في إطار المطالب الاجتماعية والتراجع عن الزيادة في أسعار البنزين، لكن الانخراط الواسع في المظاهرات وإضراب تجار بازار طهران الذين كان لهم دور حاسم في إسقاط نظام الشاه سنة 1978، يمكن أن يشكل مؤشرا على أن مطالب الشارع قد لا تقبل بسقف التراجع عن رفع الأسعار، علما أن إيران تعاني منذ سنوات من حصار اقتصادي واسع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها ومنذ بداية حرب الخليج الأولى في مواجهة العراق، سخرت مواردها لتمويل الجهد العسكري ليس فقط لحماية حدودها، بل لتصدير الثورة و”حماية” الأقليات الشيعية ولخدمة رهاناتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أثر ويؤثر في جودة الخدمات العمومية على مدى عقود.

– في تشيلي خلف قرار الحكومة الرفع من الرسوم المفروضة على تذاكر الميترو النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة للشعب الشيلي فخرجت مظاهرات واسعة في سانتياغو لم تتوقف رغم تراجع الحكومة عن تلك الرسوم بل إن الرئيس الشيلي أقر بخطأ في الرؤية الاقتصادية ورغم أنه أعلن عن زيادة في المعاش الأساسي الشامل حوالي 20 في المائة، وتجميد الرسوم على الكهرباء واقتراح قانون يتيح للحكومة تحمل تكاليف العلاج الطبي باهظ الثمن، فإن المظاهرات لم تهدأ بل استمرت موجهة سهامها في مواجهة الرأسمالية المتوحشة التي تعاملت دائما مع أمريكا اللاتينية كحديقة خلفية رعت فيها مختلف صنوف الديكتاتوريات العسكرية، وكذلك المطالبة برحيل رئيس الدولة والحكومة احتجاجا على المنظومة السياسية ككل وضد الفوارق الإجتماعية، ورغم أن الفرقاء السياسيين اتفقوا على عرض دستور جديد على الاستفتاء الشعبي شهر أبريل المقبل، فإن المتظاهرين يرفضون مغادرة الشارع.

كل هذه الانتفاضات الشعبية كانت انطلاقتها عبارة عن شرارة صغيرة لم يكن صانعوها يعتقدون أنها ستقود إلى ما قادت إليه من تحولات نوعية في خطاب ومطالب الشارع، خاصة طرحه لإشكاليات بنيوية عميقة…إنها دروس مجانية لابد من الانتباه إليها بكثير من الوعي والحكمة.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الديكتاتوريات العربية والحركة الصهيونية وجهان لعملة واحدة

زحف كورونا على المغرب.. أمواج الخطر الداهم‎

بن زايد نتنياهو

الإمارات الإسرائيلية أو إسرائيل الإماراتية

مآل مبادرة ترامب الفشل كما فشلت صفقة القرن

“الوظيفة الإدارية” و”الكرامة الانسانية” وما بينهما..

تابعنا على