اليحياوي: خمسة تحديات أمام لجنة النموذج التنموي للنجاح في مهمتها
https://al3omk.com/483267.html

اليحياوي: خمسة تحديات أمام لجنة النموذج التنموي للنجاح في مهمتها في حوار مع "العمق"

قال أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مصطفى اليحياوي، إن المراهنة على إنجاح ورش بلورة نموذج تنموي جديد، بعد التعيين الملكي لأعضاء لجنة صياغة النموذج التنموي، تحتم استحضار مجموعة من التحديات.

وأبدى اليحياوي في حوار مع جريدة “العمق” مجموعة من الملاحظات حول اختيار أعضاء لجنة النموذج التنموي التي يرأسها شكيب بنموسى، منتقد وجود مجموعة من الأعضاء داخل اللجنة، ممن ساهموا، بشكل أو بآخر، في التنظير أو في قيادة الأوراش الإصلاحية والإستراتيجيات التنموية المعتمدة منذ إطلاق المفهوم الجديد للسلطة (أكتوبر 1999).

فيما يلي نص الحوار

انتقدت في تصريح لـ”العمق” معايير اختيار لجنة النموذج التنموي، هل تشكك في كفاءة أعضائها؟

حينما استفهمت حول معايير اختيار أعضاء اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة باقتراح النموذج التنموي، لم يكن القصد التشكيك في كفاءاتهم أو في أهليتهم أو في إخلاصهم للوطن. فالأهم بالنسبة لي في السياق الراهن هو تطوير نقاش عمومي حول هذا الورش الاستراتيجي. ولعل من بين المداخل الحاسمة لهذا النقاش أن نستفهم بدون أي حساسية حول درجة استحضار لحظة تشكيل هذه اللجنة للأفق السياسي للنموذج التنموي الذي يحتم في رأيي أن يقطع بشكل واضح مع فرضيات اشتغال النموذج الحالي سواء على المستوى الاقتصادي أم الاجتماعي أم السياسي.

وفي هذا الإطار، سيكون من غير المفيد أن يلاحظ المتتبع وجود داخل اللجنة لمجموعة من الأعضاء ممن ساهموا، بشكل أو بآخر، في التنظير أو في قيادة الأوراش الإصلاحية والإستراتيجيات التنموية المعتمدة منذ إطلاق المفهوم الجديد للسلطة (أكتوبر 1999)، ولا يتساءل حول جدوى استدعاء بروفلات كانت ولا تزال حاضرة بشكل مكثف في الأوراش الإصلاحية والدراسات الاستراتيجية للدولة على الأقل منذ أواسط التسعينات.

هل هذا يعني أن هذه اللجنة ستفشل في مهمتها؟

أظن أن وجود هؤلاء في اللجنة المعينة قد يؤدي إلى سلك منهجية تبريرية في التصور تنهل من مسلمات في البرهنة تحد من طموح تجديد النموذج التنموي بناء على إطار منطقي يوازن بين الملكية الدستورية باعتبارها الحاضنة لاستمرارية الأمة المغربية، والمسار الديمقراطي باعتباره المبرر الأوحد لشرعية المركزية السياسية للدولة وتمددها المجتمعي والترابي.

ولكي يستقيم فهم هذا التخوف، لابد من التنبيه إلى أن ما وقع من أحداث ومن تحولات مجتمعية (بما فيها تعكر علاقة الهامش بالمركز) ما بعد حراك بداية 2011 واعتماد الوثيقة الدستورية، لم تستبقه، بما يكفي من الاحتراز، التركيبة التصورية التي اشتغل عليها المفهوم الجديد للسلطة والاسترتيجيات التنموية (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأوراش الكبرى)؛ إذ ارتكز المضمون السياسي لهذه الآليات التأطيرية على التقائية بين أطروحة التحولات القيمية غير المكلفة – سياسيا- للدولة، وبين أطروحة التدبير الإداري القائم على ثقافة المشاريع المعللة للإنفاق العمومي. الشيء الذي لم يساعد على تطوير سياسات عمومية ذات أجوبة مقنعة بما يكفي للتصدي الوقائي للتمدد المتسارع للأزمة الاجتماعية التي أخذت مناحي وسلوكات وتمثلات براغماتية للأفراد لحقوق المواطنة والكرامة، أثرت بشكل ملحوظ على علاقاتهم بالدولة وبالوسائط المؤسساتية (الأحزاب والنقابات…)؛ وهو ما يشكل في اعتقادي دليلا على فشل هذه الالتقائية التصورية في تدبير مسار التغيرات القيمية التي تؤكد أن المغرب بصدد الخروج من أطروحة إجماع وطني “قهري” مسلم بالوجاهة المبنية على “المعاودة”، والدخول في أطروحة أخرى أهم ملامحها المواطنة كقيمة محورية في التعاقد الاجتماعي.

بالمجمل، حينما نتبصر إكراهات المرحلة، نجد أن تجديد الأطروحات وتحيين معايير التنخيب، أمر لا محيد عنه.

في نظرك، كيف يمكن بلورة نموذج تنموي ناجع في ظل الواقع المغربي؟

لأن الغاية من إبداء هذا الرأي لا تطمح سوى المشاركة بروح وطنية في ورش استراتيجي حاسم في استقرار البلد، فأعتقد أن المراهنة على إنجاح هذا الورش تحتم استحضار مجموعة من التحديات، أذكر منها خمسة:

أولا؛ العمق في تحليل السببية النسقية للأزمة الاجتماعية التي زاد في حدتها فشل الدولة في التأقلم مع النقلة الديمغرافية التي عرفها الهرم السكاني مع نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، بسبب عدم قدرة الاقتصاد المغربي والسياسات العمومية القطاعية (خاصة التعليم والتكوين المهني) على مواكبة آثارها الاجتماعية.

ثانيا؛ الجرأة في اقتراح الحلول، لأنه لا يمكن أن نوفر إجابات جدية وناجعة للأزمة الراهنة بدون أن نستحضر البؤرة السياسية في المعالجة، والتي تبدأ في رأيي بالجواب صراحة عن مهمة الدولة والمدبر العمومي في السنوات المقبلة: هل هي إدارة الشؤون باللجوء إلى الإعمال الخطي للحلول التقنية؟ أم تدبير الشأن العام وفق رؤية ومسؤولية سياسية توجب المحاسبة انتخابيا؟، بمعنى آخر، هل ستشكل الديمقراطية الانتخابية الدعامة المركزية للنموذج التنموي الجديد؟ وهل سنقطع مع الريع والرشوة ومختلف أشكال الامتيازات الاقتصادية والاعتبارية غير المعللة بشكل صريح ومؤسس على ضوابط قانونية ومسطرية شفافية كفيلة بضمان تكافؤ الفرص والمعاملة المتساوية بين مختلف المبادرات الاستثمارية؟

ثالثا؛ اقتراح تصور للعدالة الاجتماعية مسنود إلى تضامن إرادي مع الأجيال المقبلة يمكن الشباب من فرص حقيقية للاستفادة من عائدات توزيع الثروات، ومن الترقي الاجتماعي في الحياة العامة، ومن تناوب جيلي غير متردد وغير مناسباتي.

رابعا؛ مراجعة مدخلات التنمية الترابية والعدالة المجالية عبر الحسم في المسار السياسي لورش الجهوية المتقدمة في ارتباطه بالديمقراطية التشاركية والحقوق الثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، والإسراع باعتماد إستراتيجية فعالة لإصلاح الإدارة الترابية.

خامسا؛ أما التحدي الخامس فمؤداه الحسم في المسافة الضرورية بين الدولة والدين، وتطوير إيجابات سياسية واضحة بشأن الحقوق الفردية والمدنية.