في انتظار صرخة الأقلام؛ لا أن تصبح أبواقا تُشوِّه الواقع

12 يناير 2020 - 02:09

لا شك أن فعل الكتابة ،كممارسة ثقافية و فكرية ، وباعتباره وسيلة تعبيرحضارية تؤثر على الوعي ، ساهم في تحرير عقلية شعوب كثيرة من سلطة التحكم و الدجل والأوهام ؛إضافة إلى كونه أداة للحوار والنقاش الهادئ ، إلا أنه في هذا الزمن الذي ابتذلت فيه المفاهيم و المبادئ ؛ اتخذ الكثير من الكتاب و الصحفيين الكتابة مطية لقضاء مآرب أخرى دنيئة ، فأضحت هذه الوسيلة الحضارية سلاحا للتضليل و التدمير عكس الكتابة الصادقة التي ساهمت بشكل كبير في التنوير وتقويم اعويجاجات الكثير من الشعوب ، وتهذيب نفوس الأفراد من نوازع الشر ، و المجتمعات من بؤر التطرف ايا كان مصدره و مبرراته .

لذلك حارب الانتهازيون ومصاصو دماء الشعوب الكلمة الصادقة و جاهدوا في تشويهها و ما استطاعوا في النهاية ، و التاريخ يشهد كيف أثرت الكتابة الواعية و الصادقة في الحد من تسلط الحكام و بطشهم خوفا لا طوعا . وكم من الكتاب و الشعراء والمفكرين دفعوا حياتهم لصدق أقلامهم . وهو دليل على قوة تأثيرهم في مقابل ضعف و ارتباك المستبدين و المغتصبين .

هناك كتاب في مختلف المجالات ساهموا في ذلك أداء لرسالتهم النبيلة في هذا الوجود وما بدلوا تبديلا ،دون أن ينتظروا من احد ثناء و لا شكورا ، و لم يحترفوا الكتابة عبثا أو للتعالي على باقي الناس ؛ بل نضالا ضد الظلم و القهر و الاستبداد بحثا عن الجمال و العدل و الصدق ، و قد أعطوا بذلك للكتابة معنى ذا جدوى دون الخوض في المعنى الفلسفي لذلك .

إن الكتابة الصادقة في زمننا هذا الذي استشرى فيه العبث و اللامعنى هي التي تطمح إلى المساهمة في التغيير ما دام الخلل قائما و الصمت مخيما . لأن كل كاتب يحمل بين جوانحه ” شهوة لاصلاح العالم ” كما قال احد الفلاسفة ؛إذ تصبح الكتابة هما سياسيا و وسيلة لتعرية الفضائح إلى أن ينقشع الضباب ،و يزول الاستبداد و التحكم و التضليل ، وتسود الثقة بين الحاكم و المحكوم ، و تلتئم الجراح في وطن يمنح الدفئ و الكرامة لأهله ؛ لا أن يظل مرتعا للعبث و العابثين . لذلك لا مبرر للكتاب على اختلاف أفكارهم في هذا الزمن العصيب ان ينسحبوا من مشكلات الحياة الحقيقية ، و يركنوا إلى أبراجهم العاجية بدعاوي واهية ، أو أن يتخذوا من الكتابة وسيلة للتمجيد و المداهنة لأغراض دنيئة .

إن المتأمل في مشهدنا الثقافي المغربي سيصدمه ، و لا شك ، ما يعج به من استئساد للرداءة و القبح و النفاق ، و سيادة للنميمة و الثرثرة بين كائنات هذا المجال ، رغم أن الواقع المغربي يدعو الى الصراخ و الصياح في وجه العابثين بالوطن . بل للأسف الشديد يساهم الكثير من الكتاب في التضليل و قلب الحقائق جبنا أو حفاظا على مصالح فانية …..

كتاب وصحفيون اتخذوا الكتابة مطية للارتزاق ، فراحوا يكتبون تحت الطلب مروجين ” أفكارا ” غير أفكارهم . و آخرون اتخذوا القلم وسيلة للثرثرة و كتابة أشياء مبتذلة و الهرولة الى نشرها عبر صفحات الجرائد ،التي امتلأت بأعمدة طويلة وأخرى عريضة لأسماء عديدة ؛ القليل الأقل من هذه الأعمدة يستحق القراءة .

بعض الصحفيين ظلوا لسنوات نجوما فوق العادة يوهمون الشعب أنهم يفضحون الفساد و يواجهون المفسدين ، وعندما حان وقت الجد بفضل موجة الربيع الديموقراطي انطفأوا و تراجعوا ؛ بل ان بعضهم انتقل الى صف من كان “يحاربهم ” فانكشف معدنه الزائف مهما حاول لأنه لا يمكن المقامرة بالوطن مهما اختلفنا .

و الكتابة الحقيقية في بلدي ،في هذا الوقت ، هي التي تصور الخلل و تسخر من المستحوذين لتحطم معنوياتهم وتكشف عوراتهم لأن أخطر المعارك هي معركة الوعي؛ إذ لامجال أمام هذا العبث للمهادنة أو المصالحة .

فقد علمتنا التجربة كيف احتوت السلطة الكثير من النخب؛ مسخرة إياهم في التطبيل و التزمير للأسياد ، و الضحك على ذقون الناس البسطاء، مفضلين العيش في ظل شاهقات القصور فنالوا لعنات التاريخ صبا صبا . فإما صمتوا صمت المتواطئ ، و إما تحولوا إلى أبواق تشوه الواقع . وهم كثر كالطحالب ينتعشون هنا و هناك.

لا شك ان الصدق يزعج الانتهازيين و قد يسبب المتاعب لقائليه . ولكن لا مناص من ذلك في ظل هذا الواقع الموبوء لان التاريخ لن يشفع لأحد .

فالوطن آيل للسقوط ينخره التخلف و يحكمه العبث و يعيش فيه عامة الناس عيشة ” الدبانة فالبطانة ” .فالمطلوب هو التوجه نحو الكتابة الواقعية كي تعكس على نحو سليم قضايا هذا الوطن الملحة بجرأة و وضوح ، وذلك مايرهب الفاسدين و يوقظ النائمين .فهناك فرق بين عيش البؤس و الوعي به .

لقد صدق بريخت حين قال :

يكاد الياس يقتلنا حين نرى الظلم و لا نرى احدا يثور عليه.

أليس الكتاب و الصحفيون هم الأقدر على رؤية الظلم مما لا يرى لباقي الناس ؟ فلماذا لا نرى الانتفاضة تنبع من أقلامهم؟ ما دام لا أحد ثار عليه .

فلتجهروا بالكلمة الصادقة أيها الكتاب و الصحفيين الأفاضل . وشكرا لكل المنتفضين الصارخين في وجه الظلم و العبث .

إننا في انتظارصرخة الأقلام لأنها في معركة الوعي اشد وطأة من الحسام المهند .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

جلسة مناقشة ماجستير جاك

قراءة في كتاب تنبيه معاشر المريدين على كونهم لأصناف الصحابة تابعين

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

تابعنا على