الأستاذ هو الأوتاد ...

25 أبريل 2020 - 16:52

سبق للشاعر المصري الكبير أحمد شوقي الذي يحمل لقب أمير الشعراء، وأن أشار في قصيدة شعرية مشهورة له إلى المعلم أو الأستاذ ومجده فيها واعتبره العمود الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، بل وسوى منزلته بالمكانة السامية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفضله على جميع الشرائح الاجتماعية الأخرى، إذ هو الذي يقود الأمة نحو طريق الفلاح والصلاح، والذي يرتقي بها إلى الأفضل والأحسن، وهذا ما يبدو لنا واضحا في الأبيات الشعرية الأولى من القصيدة التي يقول فيها ممجدا المعلم، ورافعا من قيمة العلم:

قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا.
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا.
سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى.

والأستاذ هو ما شكل الرهان الأساس للفنان والملحن المغربي نعمان لحلو في سلسلة ” كورونيات”، بأغنية ثالثة له ” بعنوان ” الأستاذ هو الأوتاد”

في زمن كورونا، صرخة تلميذ في زمن كورونا، وهي في الأصل قصيدة شعرية زجلية للشاعر والزجال المغربي سعيد المتوكل، بتوزيع وتنفيذ يونس الخزان، وغناء التلميذ آدم بلمقدم، خريج برنامج المواهب العربي (ذو فويس كيدز) في دورته الأخيرة.

فبعد أغنيته الأولى بعنوان كورونا صبحت عنوان، التي دعها فيها المغاربة إلى إشاعة التضامن والتآزر بين أفراد المجتمع، في زمن عسير وصعب انتشر فيها فيروس كورونا في كل أنحاء العالم. نعود وللمرة الثانية إلى نعمان لحلو، لكن هذه المرة مع أغنية جديدة يتذكر فيها المعلم مربي الأجيال، ويمجده فيها وكافة رجال التعليم ونسائه في عز مرحلة ذيوع وباء كورونا، وأكد بنفسه أن رمزية الأستاذ وعظامته باعتباره عنصرا حيويا يقدم خدمات للمجتمع، بل هو الذي يزرع الأمل ويعيد الحياة لأبناء الوطن ويحيها ويبعثها من جديد، هو الداعي إلى التغني به.

والقصيدة التي نحن بصدد دراستها كتبت باللغة المغربية الدارجة، وتلقها معظم المغاربة عن طريق انفتاحهم ومتابعتهم لما ينشر ويروج في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في فترة الجائحة التي كثرت حولها الحديث والكتابة فالتدوين، أضف إلى ذلك أن القصيدة كتب بلغة تفهمها كل الفئات الاجتماعية في المغرب، ويعزى ذلك أيضا كون القصيدة ارتبطت بالموسيقى ارتباطا وثيقا ولم تبقى عند حدود الكتابة فقط، بقدر ما حولت من قبل الملحن نعمان لحلو إلى أغنية عشق المغاربة الاستماع إليها؛ لأنها تعترف بالأستاذ العظيم وبدوره الفعال في تثقيف الناشئة وتربيتها، مع العلم أن قضية الاعتراف بقيمة الأستاذ لم تكن حديثة العهد في زمن كورونا، فقد سبق لأدباء وفلاسفة وكذا شعراء وأن تحدثوا عنه، فيكفينا هنا أن نستحضر ما قاله الأديب الروائي المصري نجيب محفوظ عن المعلم اعترافا بالمهنة العظيمة التي يمتهنها، يقول في تأكيد ذلك: “يمتلك المعلم أعظم مهنة، إذ تتخرج على يديه جميع المهن الأخرى”، ومن هنا يحق لنا أن نتساءل ما الداعي إلى التغني بالأستاذ في زمن الجائحة؟ لا شك أن هناك أمرا جعل المتوكل يكتب عن المعلم، وإذا تأملنا آخر عبارة من القصيدة (الحاسوب يصبح معطوب) سنلاحظ أنها تشير إلى أحد وأهم الوسائط الإعلامية التي أضحت مهمة لدى الطلاب والمتعلمين في الدراسة والتعلم، وخاصة التعليم الافتراضي أو التعليم عن بعد الذي حل محل التعليم الحضوري بالمدارس في الفترة الراهنة التي انتشر فيها الوباء، والأغنية أكدت وبشكل صريح أن هذا النوع الجديد من التعليم لا يمكنه أن يعوض المدرسة المعهودة بأنشطتها الصفية في الفصل الدراسي بين الأستاذ والتلميذ، وقد يكون هذا المعطى الدافع على الحديث عن الأستاذ من قبل الشاعر المتوكل. فقصيدته منذ عنوانها (الأستاذ هو الأوتاد) تتضمن أسلوبا بلاغيا يتمثل في تشبيه الأستاذ بالوتد رغبة في إقرار مركزيته وأهميته الرئيسة في الحياة، إذ هو الأساس الذي يتأسس به المجتمع، والحكيم الذي يقدم الزاد العلمي والأخلاقي للأجيال الصاعدة، وعبارة (وجميع تحت الخيمة ) بمعنى أن الأستاذ هو الأصل والجوهر الذي ينتج كل الأجيال المستقبلية الناجحة في المجتمع، وبدونه لن يعرف المجتمع معنى الثقافة والتحضر والازدهار، ولذا فحان الوقت للاحتفاء به، ومنحه القيمة التي يحظى بها في المجتمع؛ لأنه السبيل المنير نحو الأحسن والأفضل، وفي غيابه يقول الشاعر أبو فراس الحمداني:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

ختاما تمكنت زجلية الشاعر سعيد المتوكل، التي لحنها الفنان نعمان لحلو، من ترسيخ ثقافة الاعتراف بالأستاذ وبخدماته الجليلة ومجهوداته الجبارة التي يسديها لأفراد مجتمعه، في زمن غاب فيها عن المدارس. والقصيدة أيضا أشارت إلى قضية جوهرية أساسية هي أن التعليم التقني لا يمكنه بأي وجه من الأوجه أن يكون في مكان التعليم الأستاذي الذي يدرس في الفصل الدراسي.

* أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي، لمادة اللغة العربية، مديرية الصويرة

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

تابعنا على