ملف الصحراء... والحاجة لاستكمال الربيع الديمقراطي لدورته

ملف الصحراء... والحاجة لاستكمال الربيع الديمقراطي لدورته

30 نوفمبر 2015 - 23:23

لم يعد محل جدال كبير اليوم واقع الجمود الذي يعرفه ملف الصحراء الغربية المغربية، وهو ما يؤشر عليه الأفق المسدود الذي وصلت إليه اليوم المفاوضات بين أطراف النزاع سواء الرسمي منها والمباشر أو غير المباشر، وهو أيضا ما عبر عنه “كريستوف روس” المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في ملف الصحراء، عقب اللقاء الأخير وقبله في جولته للدول العظمى.

فضلا عن مواقف الأطراف التي لم تتململ قيد أنملة خاصة من طرف جبهة البوليساريو ومن يقف وراءها، عكس المغرب الذي يتحدث المنتظم الدولي اليوم عن جديته وواقعية مقترحاته ورغبته في حل سياسي متوافق حوله لهذا النزاع الذي طال أمده.

نزاع الصحراء ولغة المصالح

لقد ارتبط مشكل الصحراء المغربية أساسا ومنذ نشأته إلى اليوم، بأمرين أساسيين الأول: يرتبط بلغة المصالح سواء تعلق الأمر بالدول الكبرى أو بعض الأجندات السياسة والإيديولوجية والقبلية والانتهازية، والأمر الثاني: يتعلق بالحسابات الشخصية بين الأنظمة العربية وأحيانا بين أمزجة الحكام والتي تتحكم في كثير من الأحيان في القرارات الخاطئة والسلبية والمعاكسة لمصالح الأوطان والشعوب، هكذا وبنوع من التكثيف سنجد أن النزاع حول الصحراء هو نتاج ومن مخلفات الاستعمار، الذي استعمر أساسا لتلبية متطلباته وتحقيق مصالحه، هكذا بحث الاستعمار أثناء تواجده وبعد خروجه عن كل الأسباب التي ستضمن بقاء المصالح وحرصها وتنميتها وذلك بأساليب عدة منها، تكوين نسخ منه من الحكام والمثقفين والإعلاميين والفنانيين…، وأيضا من خلال التمكين للغته وثقافته وخلق القلاقل والتوترات والنزاعات وكل ما يضمن استمرار الاستغلال بعد الخروج المقنع له. كما أن لغة المصالح تلك تفسر أيضا جزأ مهم من تعمير الملف في دهاليز وأروقة المؤسسات الدولية ومنها مجلس الأمن والأمم المتحدة.
كما نجد قبل الاستعمار الحرب الباردة، واصطفافات المعسكرين الشرقي والغربي (أمريكا) وما نتج عن ذلك من تحالفات وحروب دفعت لتكون قضية الصحراء أحد مخلفاتها.

بعد ذلك سنجد أخطاء النظام المغربي في تدبير الملف والتي انطلقت بالتخلي عن التحرير بالسلاح ثم القمع الشديد للشباب الذي خالف القصر وعدد من الأحزاب آنذاك في موضوع التحرير بالتفاوض، إلى الانسحاب من الاتحاد الإفريقي، وهناك من يضيف التخلي عن موريتانيا، كل ذلك إلى جانب الاستفراد بالقرار واحتكار التدبير.

بعد العوامل الثلاثة الأولى سيظهر عامل رابع وهو المرتبط بالدعم المادي واللوجستيكي والتزويد بالسلاح لمجموعات من أبناء الصحراء من طرف ليبيا امعمر القدافي وفق نزوعات مرضية أكثر منها سياسية وضمن سياق إقليمي بقيادة جما عبد الناصر كان يروج لمفهوم خاص وضيق للوحدة.

أما الطرف والعامل الخامس الذي حركته لغة المصالح فأصبح مساهما في تأجيج هذا النزاع وإطالة عمره فهو الاحتضان السياسي من طرف الجزائر لمصالح مختلفة (منها الانتقام لهزيمة حرب الرمال والبحث عن منفذ على المحيط الأطلسي والرد على المسيرة الخضراء والبحث عن دور الشرطي بالمنطقة…،

هل بعد الحكم الذاتي إلا “الانفصال”

على هذا المستوى سيلاحظ المتتبع للملف كيف تحول المغرب في مقترحاته من خطاب اللاتفاوض والاستعداد الكامل للتضحية وشن الحروب دون التفريط من حبة رمل واحدة، إلى الموافقة على مبادرة الاستفتاء والشروع في تنفيذها، في حين ظل الطرف الآخر يتحدث عن تقرير المصير المفضي إلى الاستقلال، وتحول المغرب خطوة أخرى اتجاه الحل السياسي ودخل في عملية تفاوضية بعد سنوات من عدم الاعتراف بجبهة البوليساريو، وبقيت الأخيرة مرة أخرى على مطلب تقرير المصير المفضي إلى الاستقلال، ثم قدم المغرب تنازلا ثالثا وعرض مقترح الحكم الذاتي كأرضية للنقاش في اتجاه حل القضية سنة 2005 في ما ظلت البوليساريو ترفض هذه المبادرات وتناور المنتظم الدولي بما لا يجعلها محل إدانة شاملة، لكن ظلت في ذات الوقت متشبثة بمطلب تقرير المصير المفضي إلى الاستقلال، هنا يطرح سؤال بملحاحية هل بعد الحكم الذاتي إلا الانفصال والاستقلال المزعوم والواهم، خاصة إذا علمنا أن الحكم الذاتي هو آخر المقترحات والتنازلات التي يمكن للمغرب أن يتقدم بها كما هو في العالم ككل.

الحل رهين بارتفاع قيمة وحجم تداول عملة الديمقراطية بالمنطقة

بداية حل كل القضايا الشاكة والنزاعات العالقة بالمنطقة اليوم رهين بإسقاط الاستبداد وتفكيك بنية الفساد وباسترجاع الشعوب لقراراتها الإستراتيجية والمصيرية. الاستبداد بما يعنيه من تحكم في مصائر العباد ومن الظلم التسلط القهر والانفراد بالقرار ومختلف أصناف الديكتاتورية، والفساد بما يعنيه من إنتاج وتوزيع غير عادل للثروة القيمية والثقافية والمادية والذي هو نتيجة استبداد الأقلية واستحواذها على خيرات الوطن في مهمة دنيئة تستكمل أدوار المستعمر في تخريب الوطن وبيعه واستهداف قيمه وبياته وإنسانه وهو ما يعني استهداف حاضره ومستقبله.

وثالثا هي دورة شعبية للتحرر أيضا من التبعية بما تعنيه من إلحاق بالسياسات الخارجية والارتهان للمؤسسات الدولية وتهريب القرارات الشعبية والإستراتيجية والخضوع المستمر للاستعمار الجديد وأساليبه المختلفة. وعليه لا يمكن المراهنة على حل مثل هذه النزاعات دون استكمال الربيع الديمقراطي لدورته والشعوب لزحفها ضد الفساد والاستبداد والتبعية خاصة في دول مثل الجزائر التي لم تنل بعد القليل أو الكثير من هذا الربيع. ومنه فمستقبل قضية الصحراء رهين بارتفاع قيمة وحجم تداول عملة الديمقراطية في الوطن العربية والمنطقة المغاربية تحديدا، فالربيع الديمقراطي الذي حرك الشعوب أساسا في دورة تحرر ثانية من ثلاثية الاستبداد والفساد والتبعية.

مستقبل قضية الصحراء أيضا مرهون باستعادة كرامة الإنسان المهضومة والمهدورة، الإنسان الذي كرمه الله عز وجل وخلقه في أحسن تقويم وأسجد له الملائكة وسخر له الكون ووفر له كل مسالك العيش الآمن والعزة في الدنيا والآخرة، لأن خسران معركة الإنسان يعني بالتبع خسران التراب وخسران الوطن وخسران كل المعارك كبيرة كانت أم صغيرة. ولذلك لا مناص من اخترام الإنسان للإنسان ومن توفير عناصر كرامته والتي منها توفير المقومات الأساسية للعيش والاحترام التام لحقوق الإنسان في معناها الشمولي وبأبعادها الثلاثة. ولذلك فتحرير الإنسان سيؤدي حتما لتحرير الوطن، ومن مدخلات ذلك الحرية: حرية التفكر حرية التعبير حرية المبادرة المقرونة بالمسؤولية. فالكرامة والحرية والديمقراطية تعني بالضرورة استعادة الشعوب للمبادرة،/ وأخذ الشعوب للمبادرة يعني تحقيق مطالب عدة كانت تنادي بها كل الشعوب وكان الحائل الرئيسي هم الأنظمة والمصالح الشخصية. اليوم تحقق بعض مما تنشده الشعوب لكن المسيرة لم تكتمل بعد والتقدم في تحقيق هذه المطالب يكون على قدر التضحيات وعلى قدر المكاسب المنتزعة المحصلة والمحصنة “فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”

لا تنمية دون وحدة ولا مكان للكائنات الميكروسكوبية

التنمية اليوم رهينة بالتكثل والاتحاد وبالقوة ويكفي ما عنيناه من كلفة اللاوحدة وما نتج عن ذلك من عجز وتخلف وفقر وجهل وإلا فإن التشردم والتجزيء والصراع لا يمكن إلا أن يكون لصالح العدو والمتستفيدين والمستغلين، وواهم من يعتقد أن الميزانيات والأظرفة المالية مهما بلغت ستحقق أي تنمية في غياب اتحاد مندمج وتكامل، كما لا يمكن للانفصال أن يكون خيارا الباب المسدود وأنه سيعني بالضرورة القتل الحضاري لأصحاب هذا الخيار.

في تونس إرادة الشعب ماضية وتعبيرات الرئيس التونسي بهذا الخصوص واضحة ليبيا كذلك على الرغم من الصعوبات المطروحة لكن المآل لانتصار إرادة الشعب المغرب تفاعل بطريقته مع الربيع وما يزال يحتاج سنوات من الاشتغال وان يستمر الضغط واليقظة ودعم كل جهود الإصلاح، بموريتانيا خرج الشعب ورفع شعار إرحل فهو في الطريق الإصلاح الذي اكدت المعرضة انه لا محيد عن التحول من دولة الانقلابات العسكرية إلى دولة مدنية ديمقراطية. الجزائر لم تنل حتى الآن نصيبها من الربيع ولكنه الأفق البادي، وواهم اليوم من يعتقد أنه يمكن أن يخادع أو يناور أو يجدد أقنعة وأشكال الفساد والاستبداد لتفادي زحف الربيع، فلا خيار اليوم غير الإصلاح والاحتكام لإرادة الشعوب وأن يكون الشعب هو مرجع الحكم والسياسات وإلا فإن الخيارات الأخرى مظلمة ومكلفة ومفتوحة على كل الاحتمالات. ونختم بمثلة مغربية عميقة الدلالة والتي تقول “عما بن عما ليشوف لغمامة ويدير حوايجوا فالما”.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

تعتبر الأعلى بشمال إفريقيا.. مناظر خلابة من بحيرة تامدة نواحي ورزازات

عظام زائدة تنخر جسدها.. قصة محزنة لطفلة أنهكها المرض بتاونات (فيديو وصور)

ألف مستفيد بقافلة صحية متعددة الإختصاصات بدواوير تازارين بإقليم تازة(صور)

تابعنا على