ذكرياتي مع البكالوريا بثانوية بومالن دادس

28 مايو 2020 - 16:39

هذه الذكريات من نسج الواقع وأي تشابه بينها وبين أحداث من الخيال فهي من وقع الواقع ونتحمل فيه كامل المسؤولية. على بركة الله:

في السنة الدراسية 2008/2009 كانت أول سنة لي سلك البكالوريا بثانوية بومالن دادس التأهيلية، حينها لم يكن لدي هدف من الدراسة كنت فقط أدخل وأخرج من القسم جزافا، والحديث عن آفاق الدراسة كان غائبا عن اهتماماتي، لأختتم هذه السنة بالغياب عن الامتحان الوطني، نعم بملء إرادي لم أذهب لاجتياز الامتحان ولم أحمّل نفسي عناء المراجعة له، كان أبي أيضا قد تفهم الوضع فلم يضغط علي ولم يعاتبني فقط قالي لي: “افعل ما تراه مناسبا”، كانت هذه قولته الشهيرة في كثير من المواقف ولم يحاول أن يفرض عليّ الأمر بل تركني لحال سبيلي.

مر ذاك العام والتحقنا بالدراسة في الموسم المقبل وكنت أحس بأني أدرس في البكالوريا لأول مرة فلا معلومات عندي عن المقررات ولا عن الدروس وذلك ناتج عن اللامبالاة التي سايرت بها العام الماضي، خصوصا وأن شعبة العلوم التجريبية التي اخترتها في التوجيه لم تكن مناسبة مع ميولاتي ولم أكن متمكنا منها بالقدر الذي يمكنني من مسايرة الدراسة فيها فلا رياضيات أتقنها ولا فيزياء أعرفها، أما الفرنسية فليس بيني وبينها إلا الخير والإحسان، سوى ما كان من مادة علوم الحياة والأرض التي كنت أرى فيها بصيص ضوء، خصوصا وأن أستاذنا فيها كان الأسطورة سي الحسين الذي نُكنّ له كل الود والاحترام، (وأفتح قوسا هنا لأبعث برسالة من القلب لكل المتعلمين والمتعلمات فيما يتعلق بمسألة التوجيه ومدى أهميتها في التأثير على المسار الدراسي في قابل السنوات، حاول أن تختار الشعبة التي تميل إليها وترتاح فيها وترى أنك قادر على الاستمرار فيها والعطاء فيها فنجاحك رهين بمدى عطائك وجِدّك واجتهادك).

مرت الأسابيع والشهور والامتحان يقترب رويدا رويدا، أحسست بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، فليس لدي عذر هذه المرة، بل من الواجب عليّ أن اجتاز الامتحان بنجاح، فعملت جاهدا على كسب الرهان، اجتزنا الامتحان في ظروف أقل ما يمكن القول عنها أنها شبه غير صحية، فالذي قاسى ظروف العيش في القسم الداخلي ببومالن دادس يعرف ما أتحدث عنه جيدا فلا فطور صحي ولا غذاء في المستوى، أتذكر أول أيام الامتحان كنت قد تناولت وجبة الفطور في الداخلية وهي عبارة عن قهوة أقرب ما تكون إلى لون واد دادس في موسم فيضانه .. كانت هذه القهوة كفيلة بأن تسبب لي قرحة في المعدة لأقاطع بعدها وجبة الفطور فيما تبقى من أيام الامتحان الوطني وأكتفي بتناول وجبة الغداء فقط.

انتهى الامتحان ولممت أغراضي مودعا أسرتي، توجهت إلى مدينة سطات للعمل كحال أغلب تلاميذ الجنوب الشرقي كي أوفر ما أواجه به الحياة الجامعية في حال النجاح.. وأثناء عملنا هناك في ورشة البناء كان رئيس العمل (بلقايد محمد) الذي كان سببا في استفاقتي من جديد من خلال قولة خالدة شنف بها أسماعي ذات مرة في العمل حيث وجدني وقد أمسكت المعول بطريقة خاطئة وضرباتي إلى حد ما كانت ضعيفة، فرقّ قلبه لي وخاطبني من أعماق قلبه قائلا باللغة الأمازيغية (jamal ino do atvrt imma aydv at ortgit wins ola iga wink) يعني: “جمالينو اذهب للدراسة أما هذا العمل فلست أهلا له وليس أهلا لك”، لم تمض إلا أسابيع في العمل حتى اتصل بي أبي مخبرا إياي بأني من زمرة المستدركين في الامتحان، صراحة لم أستغرب الخبر فلقد كنت أتوقع السقوط كما كنت أتوقع النجاح.. أبي كان قد أصر هذه المرة على أن أعود كي اجتاز الامتحان الاستدراكي، ومع أني لم اتحمس للموضوع فقد عدت واجتزت من جديد الامتحان وعدت سريعا للعمل، ماهي إلا أسابيع حتى جاء الخبر اليقين بأني سقطت من البكالوريا وسقطت معها من الدراسة نهائيا فقد كان القانون أن من رسب في البكالوريا مرتين يفصل، واصلت عملي هناك وكأن شيئا لم يحدث لكن في الحقيقة صدمت وأحسست بالغبن وكرهت العالم من حولي وتمنيت لو انشقت الأرض وغصت فيها، فكنت أذهب إلى سكة الحديد وأعد عربات القطار التي تمر كل ساعة وأخاطب نفسي: أنت لا تتقن أي شيء آخر فكيف تخونك الدراسة، جالت بخاطري العديد من الأسئلة والاحتمالات. (وأستغل الفرصة هنا لأوجه نداء إلى التلاميذ الذين همم بصدد الدراسة أن يستغلوا فرصة العطل ويتعلموا حرفة أو صنعة موازاة مع الدراسة كي لا يُصدموا في نهاية المطاف) أصحبت أنظر إلى الدراسة الجامعية كنوع من المستحيلات السبع وانقطع أملي في الالتحاق بالجامعة، كنت أرى نسبة الالتحاق بالجامعة 0.001%.

مع بداية السنة الجديدة كانت مفاوضات أبي حفظه الله مع مدير المؤسسة قد أفضت إلى إمكانية العودة للدراسة كفرصة أخيرة .. عرض عليّ أبي الفكرة إلا أني لم أكن متحمسا لها فقررت عدم العودة للدراسة. في الوقت نفسه قررت خوض تجربة جديدة وهي “تجربة باك حر” تحمست للفكرة فجمعت وثائقي ودفعتها في النيابة بعد أن غيرت الشعبة التي سأجتاز فيها الامتحان، جمعت المقرر لتبدأ سنة جديدة لكن بدون أستاذ ولا مؤسسة ولا حارس عام ولا داخلية، إنها تجربة الدراسة في المنزل. بدأ الوقت يمر جمعت المقرر والكتب وكل ما من شأنه مساعدتي وانطلقت في تدريس نفسي بنفسي، ساعدني والدي كثيرا سواء بشرح بعض المواد أو بالدعم النفسي الذي لم تبخل به عليّ أمي أيضا. كنت أكبر إخوتي فأحسست بمسؤولية عظمى ملقاة على كاهلي فلم أرد أن يبدأ مسلسل الفشل على يدي، فقررت أن أنجح هذه السنة، مرت شهور تلتها شهور، كانت أطول سنة بالنسبة لي فكنت انتظر الامتحان بفارغ الصبر.

أخيرا اقترب الموعد المنتظر وذهبت إلى مدينة ورزازات حيث سأجتاز الامتحان هناك، ولأن الامتحان يجمع نوعين “الجهوي والوطني” فكانت مدته خمسة أيام. انتهت الخمسة أيام وانتهى معها الامتحان وكنت متأكدا بأني قد أجبت عنه إلى حد ما، عدت إلى المنزل وكلي أمل في النجاح كنت أنتظر النتيجة ومعي أسرتي وأصدقائي مرت تلك المدة الفاصلة بين الامتحان وبين الإعلان عن النتائج كسنين طوال لا يعمل عددها إلا الرب المتعال..

ظهرت النتيجة وكان أبي أول من علم بها لا أخفيكم كانت النتيجة 9.98 لا أدري كيف استطاع أبي أن يتمالك نفسه وأخبرني على الهاتف: لا عليك بُني لقد اقتربت من تحقيق النجاح ينقصك فقط 0.02 وأنا على يقين أنك ستحققها في الدورة الاستدراكية فما عليك سوى بذل مجهود قليل” بهذه الكلمات حدثني والدي حفظه الله لم يعاتبني لم يصرخ في وجهي.

ربما بكلماته هذه استطعت أن اجتاز مرحلة نفسية عصيبة وانهيارا نفسيا كان قد بدأ قبل سماعي لكلماته تلك، تمالكت نفسي وجررت خطاي وجلست بهدوء أتأمل نفسي وأتأمل في اللحظات التي أعيشها، وتساءلت حينها، ربما حظي ليس في الدراسة؟ ليتني خرجت من ذي قبل وبحثت عن ذاتي في مجالات أخرى. لأعود وأتذكر كلمات أبي وأتساءل مرة أخرى: ربما قد أحققها بقيت لدي فرصة واحدة وعليّ التمسك بها.

كل تلك المدة التي تفصلني عن الدورة الاستدراكية قضيتها شارد الذهن أقلب صفحات الكتب والدفاتر ولا أرى إلا بياضا في بياض، أبي وأمي لم يتوقفا لحظة عن تشجيعي وبث روح الأمل في نفسي ..

جاء الوقت الموعود وانطلقت من جديد إلى ورزازات واعتبرت هذه الفرصة مسألة حياة أو موت إما أن أكون أو لا أكون.. دهشت حين وجدت 4 مترشحين فقط في تلك الشعبة هم من رجعوا إلى الاستدراكية وأخبروني أنه لم ينجح أحد في العادية (كان عددنا في العادية 60 مترشحا)، لَكَم كنت محظوظا إذن إذ حظيت بهذه الفرصة مرّ الامتحان بسرعة وعدت إلى المنزل في انتظار النتيجة ..

جاءت اللحظة الحاسمة ما زلت أتذكر كنت خارج الدوار في وليمة عرس كنت قد دعيت لها وقبل تناول وجبة الغداء رن هاتفي كان المتصل “سليمان كورو” صديق عزيز كان يتواجد حينها في مدينة تطوان، زف إليّ من خلاله خبر نجاحي بعدها لم أع ما كنت أقوله له فقد كنت مصدوما. اتصلت بأبي وأمي وأخبرتهما فقد كانا مهتمين بأمري وكأنهما من اجتاز الامتحان وليس أنا، ربي اغفر لأبي وأمي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، رب بارك لهما في عمرهما واجعلهما من عبادك الصالحين ومن أهل جناتك وجميع المؤمنين آمين.

لقد نجحت كانت هذه الجملة تتكرر في ذهني مرات ومرات نسبة الالتحاق بالجامعة كنت قد حصرتها في 0.001% والآن بإذن الله ومشيئته طارت إلى 100%، فعلا الله على كل شيء قدير.

كانت هذه قصتي مع البكالوريا، والحمد لله التحقت بالجامعة سنة 2011 واخترت الشعبة التي أميل إليها وأرتاح فيها وأجد ذاتي فيها (شعبة الشريعة والقانون بجامعة القرويين بفـاس) وحصلت فيها على الإجازة بميزة “حسن” سنة 2014 بعدها التحقت بسلك الماستر (شعبة القضاء والتوثيق بنفس الجامعة) ثم التحق بسلك التدريس سنة 2016 بمدينة دمنات وقضيت هناك 3 سنوات، كانت بمثابة حجر أساس في مسيرتي المهنية فقد وجدت هناك أساتذة أكفاء تعلمت منهم أصول المهنة وأخذت عنهم أبجديات التعامل مع المتعلمين، فلهم كل الشكر والتقدير. وعملا بمقولة “الرجوع إلى الأصل أصل” فقد عدت إلى الثانوية التي درست فيها (ثانوية بومالن دادس) وانتقلت إليها هذا الموسم 2019/2020 عازما على ردّ بعض الجميل وخدمة للمنطقة وتلامذتها.

وللحاصلين على شهادة البكالوريا والمقبلين على الحصول عليها لا تستمعوا للمشوشين الذين يحدثونكم عن الجامعة بأنها الجحيم بل أنت تصنع جامعتك بنفسك إن كنت مستعدا لتحقيق هدفك فستكون الجامعة بفضل إصرارك شاهدا لك على تحقيق هدفك.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

لحاق

التعددية الحزبية بالمغرب من النعمة إلى النقمة

جانب من معاناة الفائزين بقرعة أمريكا 2020

الكنيسة والعلم .. صراع العقل الديني والعقل العلمي في أوروبا العصر الحديث

تابعنا على