mohammed hassan errami

أجيال إعلامية: محمد حسن الرامي .. صوت إذاعة طنجة الرخيم

12 يوليو 2020 - 22:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الروبورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطيلة أشهر فصل الصيف، تسترجع معكم جريدة “العمق” من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات يومية.

الحلقة 49: محمد حسن الرامي

على مدى عقود عديدة صدحت باقة من الأصوات الرخيمة عبر أمواج إذاعة طنجة، أجيال عدة من الإذاعيين أثثوا الفضاء السمعي لأثير إذاعة طنجة، وقد تتابع على تسيير هذه الإذاعة العتيدة أسماء ورموز إذاعية أمثال مصطفى عبد الله حميد بنزكري أحمد ريان محمد حسن الرامي خالد مشبال امحمد البوكيلي وآخرون، ومن بين الأسماء التي بصمت تاريخ هذه الإذاعة محمد حسن الرامي، الذي اشتغل بفاس مراسلا لإحدى الصحف العربية، قبل أن يستدعيه أول عامل لاقليم فاس السيد الفاطمي بن سليمان ليسلمه مفاتيح إذاعة فاس الجهوية، ولم تمر الا بضعة أشهر حتى التحق بالإذاعة الوطنية سنة 1956، وعمل بها في قسم الأخبار.

ومن بين المهام والتغطيات الإذاعية الهامة التي تكفل بإنجازها في بداية عمله الإذاعي والمغرب في بداية مرحلة جديدة من تاريخه بعد حصوله على الإستقلال، يكفي أن نذكر العمل الجبار الذي قام به الشباب المغربي سنة 1957، وهم يشقون طريق الوحدة، التي دشنها الملك الراحل المغفور له محمد الخامس مرفوقا بولي عهده آنذاك مولاي الحسن، وقد قام محمد حسن الرامي بمصاحبة الموكب الملكي لأول مرة الى المنطقة الشمالية، حيث دشن جلالة الملك الدخول الرسمي لهذه المناطق الى الوطن الأم، وبذلك تمت الوحدة الترابية بين الشمال والجنوب، ياتي بعد ذلك استقلال منطقة طرفاية سنة 1958.

وكان محمد حسن الرامي أول الصحافيين الذين ساعدهم الحظ للدخول الى منطقة طرفاية، ويرجع ذلك الى أن الصحفيين الذين كانوا يشتغلون معه في قسم الأخبار لا يتعدى عددهم رؤوس الأصابع، هذه المجموعة الشابة هي التي تحملت عبأ رسم المسار المهني للإذاعة المغربية، فعند استقلال المغرب كانت الإذاعة يسيرها أجانب، وجائت الأطر الشابة المغربية لتعويض الأطر الفرنسية التي كانت ترأس الاقسام التقنية والمنوعات والأخبار والتمثيل.

كان العمل شاقا ولكن كان يطبعه الانسجام بين هذه المجموعة الصغيرة، ومع تعاقب المسؤولين على الإذاعة التحقت بهذه الدار مجموعة أخرى من الأطر لمواصلة ما تم تحقيقه من مكتسبات في مختلف التخصصات، فمثلا في الميدان التقني لم تكن الاذاعة تتوفر الا على ثلاث تقنيين وهم عبد الرحمان النهاري في الربورطاج ومحمد الكواكبي كتقني الصوت بالأستوديو وامبارك بوربوح، هؤلاء الثلاثة كان الواحد يكمل عمل الآخر في تنسيق محكم مع الصحافيين، فالعمل الإذاعي آنذاك يفرض على العاملين فيه، تعلم وإتقان مختلف جوانب العمل الاذاعي من ربوتاج وتوضيب وإخراج.

وبعد سنوات من العمل بالرباط، تحمل محمد حسن الرامي لفترة مهمة إدارة إذاعة الدار البيضاء، لتسند له بعد ذلك مهمة تسيير إذاعة طنجة في الفترة ما بين 1972 و1982.

تقول الإذاعية زهور الغزاوي التي عايشت الراحل خلال هذه الفترة بإذاعة طنجة ”إن الراحل كان الرجل المناسب في الزمن غير المناسب، فقد كان الرامي بفعل التجربة التي اكتسبها في فاس والرباط والدار البيضاء، يريد أن يحدث ثورة من الأفكار ويطبقها باذاعة طنجة، إلا ان التعليمات التي كانت تصل من الرباط أحبطت هذه المجهودات وغالبا ما يتم توقيف برامج بعد بداية بثها على امواج اذاعة طنجة”.

كانت له صداقات كبيرة مع مجموعة من الفنانين، فمثلا كانت الاذاعة المركزية تتأخر كثيرا في بعث الأغاني الى طنجة التي كانت خزانة أغانيها فقيرة جدا، واعتبارا لعلاقات محمد حسن الرامي المتميزة مع مجموعة من الفنانين، كان هؤلاء يزودون إذاعة طنجة مباشرة بجديد أغانيهم، وكان يسهل لنا عملية الإتصال بهم لتسجيل لقاءات فنية معهم وتقديمها عبر الأثير.

فمحمد حسن الرامي بالإضافة الى أخلاقه الطيبة، كان انسانا لطيفا وكان له صوت رخيم وجميل جدا، فقد قدم الأخبار ومجموعة من البرامج باذاعة الرباط، غير انه حين تحمله لمهمة تسيير اذاعة طنجة، اقتصر على بعث مراسلات اخبارية للإذاعة المركزية، قبل ان يسند هذه المهمة للصحفية زهور الغزاوي ولزملاء اذاعيين آخرين ميزوا مسار هذه الإذاعة.

فإذا استعرضنا أهم الأصوات التي ارتفع شذوها عبر أثير إذاعة طنجة، قد يكون ذلك مجحفا في حق أسماء أخرى، ربما تسقط سهوا، لكن الأكيد أن كل من قال: ”هنا إذاعة المملكة المغربية من طنجة ” في أي وقت من الأوقات، كان يقولها باحترافية بالغة، تحترم هيبة مؤسسة أكاديمية، لا مجال فيها إلا للمهنية العالية، ومع هذا تقفز إلى الذاكرة أصوات كثيرة، منها صوت قيدوم الإذاعيين الراحل مصطفى عبد الله، الذي وثق بصوته الجوهري عودة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن، بالإضافـة إلى عبد السلام المرابط ، محمد الغربي ، خالد مشبال ، أمينة السوسي ، زهور الغـزاوي ، فاطمة عيسى، شفيقة الصباح، مصطفى البشـاري، محمد العربي الزكاف، عبد اللطيف بنيحيى، محمد بن الطيب ….

قد لا يتسع المجال لاستعراض عدد أكبر من الأصوات، لكن ذاكرة المستمعين تتسع لهم جميعا، لأنهـم وان رحلوا عن الميكروفون سيظلون في قلوب المستمعين، لتظل لإذاعة طنجـة وحتى اللحظة أصواتا جميلة أخرى ، من جيل الشباب ذكرانا وإناثا، يشكلون امتدادا قويا للنبرات الرخيمة على أثيرها ، ويوثقون بدورهم لنجاحات كبيرة ، تؤكد أن التألق سيظل شرطا وجوديا في هذه المؤسسة ، كما تؤكد أن تعاقب الأجيال في الإذاعة ،هو تعاقب منتظم أيضا للنجاحات والجوائز في تاريخها.

لقد أثبتت إذاعة طنجة بسياستها الإعلامية الرصينة والجريئة، التي نهجتها وتنهجها في كل ما تنتجه من برامج، أنها مؤسسة مواطنة، مسكونة بهاجس القرب من المستمع، وهذا ما جعلها ترفع شعار هوية يؤكد ذلك: ”إذاعة طنجة العاليا صوت كل الناس”.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام” وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيذاني

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

لأول مرة في سوس.. تسجيل 32 إصابة دفعة واحدة بكورونا وعدد الحالات يصل 228

فوضى المداومة ببوزنيقة تثير استياء مساعدي الصيادلة

بؤرة عائلية ترفع عدد حالات كوفيد19 بتيزنيت إلى 12.. وعدد الحالات بسوس يقفل 200

إعلامي

أجيال إعلامية: بنعيسى الفاسي.. إذاعي خاطبه الحسن الثاني من وراء الميكروفون ووصفه عبد السلام ياسين بالفيلسوف

كورونا.. محاكمة أزيد من 6 آلاف معتقل عن بعد خلال 5 أيام

تابعنا على