جدل القاسم الانتخابي وتغيب القاسم المشترك

جدل القاسم الانتخابي وتغيب القاسم المشترك

09 أكتوبر 2020 - 14:56

النقاش السياسي و العمومي حول القاسم الانتخابي و تحضيرات وزارة الداخلية لانتخابات لسنة 2021، والتي اعتبرت بحسب بلاغ ذات الوزارة انها سنة انتخابية . فالاستعدادات انطلقت مبكرا،وهو ما يكشف اهمية المحطة الانتخابية بالنسبة للمغرب في ظل التحولات الاقليمية و الجهوية و الدولية المتسارعة.والتي تتسم بمرحلة شديدة الدقة والحساسية اظافة الى تداعيات جائجة كورنا على كافة المجالات الاقتصادية و الاجتماعية.

يمكن القبول بفكرة ان الاستعدادات لانتخابات 2021 بدأت مبكراً، وفق هندسة انتخابية طغى عليها البعد التقني،واستخدمت فيها الرياضيات و الحساب عبر الرهان على البعد العددي للانتخابات،و تغيب البعد السياسي، هو صراع من اجل التحكم في المسارات التي تقود إلى تشكيل الحكومة.

اولا :القاسم الانتخابي كنقاش غير عمومي.

غير ان النقاش الحزبي مازال ضيقا و محصورا في دوائر حزبية، هو مؤشر اضافي على فقدان العملية الانتخابية لحرارتها، هو ما يفسر استمرار موجة الجفاء و اللا-ثقة في الفعل الحزبي و الانتخابي، باستحضار التصورات الفلسفية و السياسة حول علاقة الفضاء العمومي بالديموقراطية يمكن الوقوف على فكرة ان الديمو قراطية لا تبنى في الفراغ، وانما هي فعل اجتماعي و سياسي،و النظام الديموقراطي مرتبط وظيفيا بشرط تحرير الفضاءات العمومية من كل اشكال اللاعقل و العنف و الانظمة الكليانية و الشمولية، من خلال رفع منسوب العقلانية / هابرماس، واو من خلال تحريره من كل اشكال القداسة حسب حنا ارندت.

غير الواقع الحالي بالمغرب في ظل الازمة الاقتصادية و الاجتماعية بسبب تداعيات جائحة كورونا، قد ارغمت الفاعل السياسي و الحزبي على الاختباء و التراجع والخروج من مساحات الفعل السياسي و الاجتماعي،و من التواري عن الفضاءات العمومية. وبالمقابل استرجع رجل السلطة العمومية المساحات المتروكة، إن استحضرنا مفهوم نيقولا مكيافيلي في مفهومه حول السياسة كفعل حرب و السياسي كمحارب و كجندي، فالمنتخبون اختفوا،و لعل رمزية القايدة حورية و الجيش الأبيض و غيرهم من الجنود و الفاعليين الذين صمدوا في وقت المواجهة ضد فيروس قاتل، يكشف التحولات الجديدة التي مست قيمة و فعالية الفاعل السياسي لاسيما في سياق الازمات.

جائجة كورنا رسخت واقعا يصعب انكاره، من خلال في غاية الاهمية هي تغيب الفاعل الحزبي و السياسي في لحظات الازمة عبر المؤشرات الاتية :

مركزية اعلانات وزارة الصحة حول الحالة الوبائية كوزارة تقنوقراطية.

الدعم المادي و المساعدة اشرفت عليها السلطات العمومية.

حضور الفعل الجمعوي و الاحساني بدل الفعل السياسي و الحزبي مع تسجيل ملاحظة توظيف العمل الاحساني من طرف بعض الاحزاب و الشخصيات الانتخابية .

تقليص حضور الجماعات عبر التحكم في ميزانياتها ،و جعلها تحت المراقبة و التحكم .

هيمنة القيم العدمية في شبكات التواصل الاجتماعي حول مهام و ادوار المنتخبيين و السياسيين

غياب الاحزاب عن تأطير الحركات الاحتجاجية، و التي تنامت بشكل كبير خلال الجائحة .

في ظل هذه الاجواء، اتضح ان الفضاءات العامة و مجالاتها سواء الواقعية او الافتراضية اصبحت ملكا للرافضين و المعادين للفعل السياسي و الحزبي.

فالنقاش في الموضوع مازال ضيقا، كأنه نقاش داخلي للأحزاب .و ليس نقاشا عموميا يمس مستقبل المغاربة و مستقبل المغرب .

فالتعامل البارد مع الموضوع يكشف ا ن الانتخابات لا تشكل مركز اهتمام و ليست اولوية، لانه بالرجوع الى حركية الشارع يتضح ان اهتمامات المغاربة محصورة في :

تامين مصادر الرزق – الاحتجاج – المدرسة – غلاء الاسعار – الهجرة – البطالة.

ثانيا : نقاش حول القاسم المشترك برغماتية الفعل الحزبي.

المتتبع للنقاش الحزبي حول القاسم الانتخابي يكشف بسهولة برغماتية الخطاب الحزبي ، اي مناقشة الموضوع بناءا على مؤشرات الربح و الخسارة، اي انه نقاش من اجل الذات ومن اجل الحزب، و ليس نقاشا من اجل المصلحة العامة، و مراعاة الظروف العامة التي يمر منها المغرب.

فجوهر الصراع هو الدفاع عن القاسم الانتخابي هو صراع من اجل الربح ،و هو ما يعني ان كل فريق يؤسس رؤيته على منطق برغماتي، من خلال الدفاع عن القاسم الذي يتيح له تحقيق المصلحة، و هو ما يعني ان اختلاف المصالح يقود حتما الى اختلاف التصورات حول القاسم الانتخابي الجديد ( الرفض – القبول – الصمت ).

حزب العدالة يدرك جيدا ان اعتماد القاسم الانتخابي بناء على عدد المسجلين معناه توسيع دائرة المشاركة السياسية، وهوما يعني انتفاء الشرط الضامن للفوز. هنا تكمن مقاومة الحزب لهذا الاقتراح ليس دفاعا عن الديمقراطية، و لكن دفاعا عن الصدارة . و بالتالي تأمين الطريق الموصل الى رئاسة الحكومة. في حين باقي الاحزاب تدرك ان منع تصدر العدالة و التنمية للمشهد الانتخابي مشروط بعملية تقنية و ليست سياسية عبر حرمان الحزب من احواضه الانتخابية الكبرى، و التي يصعب التحكم في توجهات الناخبيين بها.

ثالثا : غياب القاسم المشترك.

إن حزب العدالة والتنمية يريد أن يُؤمن مسارات تصدر المشهد الانتخابي المقبل، بالاعتماد على أنصاره الذين يعتبرون التصويت لمصلحة الحزب واجباً دينياً، ولا يقيمونه بناء على العائد التدبيري للحكومة التي يرأسها، حزب الاصالة مازال يراهن على الماكينات الانتخابية،مع الابقاء على فرضية دعم الادارة الخفي و ان كان مستبعدا.
اما التيار الرافض للقاسم الانتخابي الجديد من حزب الاصالة و المعاصرة، فربما الفرضية الاقرب لتفسير الرفض هو فعل تكتيكي موجه ضد العدالة و التنمية، حتى يتم حرمان الحزب من الاستفادة من خطاب المظلومية التي يجيدها مسيرة ولد زروال نموذجا .

وزارة الداخلية في تدبيرها للانتخابات المقبلة سيكون تدبيرا هندسيا و ليس سياسيا،مادامت اجواء اللا- تقة،و العزوف هي السائدة و التي ازدادت مفاعيلها مع جائحة كورونا.

التدبير الهندسي لوزارة الداخلية يعني تحويل العملية الانتخابية الى فعل رياضي دقيق،وهو تحول نوعي. لانه اول مرة في تاريخ وزارة الداخلية يشرف مهندس على العملية اي التعامل مع الانتخابات بمنطق هندسي اي تدبير الانتخابات عبر المسطرة و البركار، وان التقسيم سيكون دقيقا و لا مجال فيه للخطأ او المفاجأة، تحت هاجس عدم القدرة على تكرار تجربة 2016.

ما يلاحظ في موقف الاحزاب الكبرى لاسيما العدالة و التنمية و الاصالة و المعاصرة هو تغيب النقاش الجوهري حول الديموقراطية و رهاناتها الكبرى، من خلال تحويل الانتخابات الى فعل تقني و عددي يضمن تشكيل الحكومة و ما يرتبط بها من امتيازات.

فالنقاش ركز على القاسم الانتخابي و تجاهل القاسم المشترك المفروض توفره في كل عملية ديموقراطية.

بدون الخوض في تعريف الديموقراطية كمفهوم و كنظام رغم اهمية الموضوع،فانه يمكن اعتبار ان قيمة الديموقراطية تكمن في تنمية القواسم المشتركة داخل المجتمع، و ليس الغائها او تدميرها.

النظام الديموقراطي الفعال هو النظام الذي يتيح فضاءات مفتوحة للتعايش بين مختلف التوجهات والمرجعيات،وهو ما يتيح بناء ديموقراطي مفتوح و تنافسي بدل نظام محصن و مغلق و اقصائي. يجعل من الفعل السياسي حلبة صراع بين حزبين مما يضع باقي الاحزاب،لاسيما الصغيرة منها في دائرة اللا – فعل.

التوثرحول القاسم الانتخابي سيزول لو ان الحزبين الكبيرين تخليا عن فكرة التنافس الثنائي و القطبية الحزبية،و هو ما يعني تجاوز فكرة التعالي و الاستقواء بمنطق العدد و الكثرة و الانتصار للبعد الرقمي و العددي للديموقراطية على حساب البعد الكيفي و النوعي .

التقوقع داخل هذه الفكرة –فكرة الحزبين القويين – والانحسار فيها يؤسس لسلوك دوغمائي يرسخ منطق الانغلاق و التعالي عن باقي الاحزاب، و هو ما يرسخ فكرة الاستقواء بالعدد، و ما ينتج عنه من معاداة للاقليات وتهميش للاحزاب الصغيرة حتى لو كانت تزخر بالمئات من الكفاءات و القوى الفاعلة.

موقف العدالة و التنمية و الاصالة و المعاصرة هو اختزال الديموقراطية كاداة للممارسة السلطة فقط،واعتبار القاسم الانتخابي الجديد عائق امام الاحتفاظ بالامتيازات و ترسيخ ديكتاتورية العدد.

ان الانحباز الى السلوك الديموقراطي يقتضي تشجيع و تنمبة القواسم المشتركة بين المغاربة،وفتح المجال السياسي و الحزبي كما رسخ ذلك المنظر و الفيلسوف هابرماس ،و ليس اغلاقه و تحصينه من خلال الاستثمار في مناخ اللا- تقة،مما يتيح تصدر نتائج الانتخابات عبر تقنية العزوف المنتج.

الرهان الاساسي ليس هو اختزال الانتخابات في بعدد عددي يجعل منها طريقا للسلطة و تثبيت ثننائية حزبية، بين حزبين يبنيان مشروعيتها على اساس ديني / العدالة،و على القرب من الادارة / الاصالة و المعاصرة. فالدين و السلطة كعنصري اسناد بالنسبة للحزبين الكبيرين يفقدان الممارسة السياسية قيمتها و حياديتها نظرا لحجم التاثير الكبير على مسارات الفعل الانتخابي و نتائجه.

الديموقراطية هي نضال من اجل التعدد و الانفتاح و فسح المجالات لكي يشارك الجميع في ممارسة السلطة تدبير و اقتراحا و نقدا،و يتحقق ذلك عبر تقوية و تطعيم مشروعية الحضور الايجابي للمواطن،وللاحزاب عبر فعل المشاركة رغم اختلاف الحساسيات و تعدد المرجعيات. و يتحقق ذلك عبرتنمية القواسم المشتركة بين المغاربة و ليس تغيبها أي عبر دمقرطة الفعل السياسي و الانتخابي و جعله مفتوحا امامك الجميع و ليس الاستفادة من الاغلاق المتحكم فيه .

العالم العربي يعيش حالة انهيار الديموقراطية و على الاقل محاصرة كل المحاولات لبناء فعل ديموقراطي : مصر – ليبيا – تونس – اليمن – العراق و غيرها .

لذا فالوضعية في المغرب في غاية الدقة و الحساسية في ظل سياق اقليمي و جهوي و عالمي متوثر، هو ما يقتضي اليقظة و تجاوز الانغلاق المدمر، و الانحياز الى المصلحة الخاصة،و استدعاء روية شمولية تراعي رهانات الحاضر و تستشرف المستقبل ،و هو ما يتحقق عبر بناء تنمية الفعل الديموقراطي و ليس اغتياله،لان الديمقراطية تنمو و تزدهر حين يختفي التعصب و الانغلاق، وحين ينتصر الديموقراطيون على خصومهم، أي افول أعداء الديمقراطية الذين يجعلون من الديموقراطية طريقا للسلطة و ليس اطارا للتعايش و الاختلاف.

* دكتوراه في علم الاجتماع السياسي 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

نصائح للمقبلين على الامتحان الشفوي

إلى ضيوف مهنة التعليم الجدد.. رسالة أمل

أسئلة حول “مبادرة النقد والتقييم” داخل حزب العدالة والتنمية

تابعنا على