وجهة نظر

مخيمات تندوف و الهوية العارية

05 يناير 2021 - 14:26

يعتبر مشكل الصحراء من أقدم النزاعات في العالم، نزاع ظل معلقا لاكثر من اربعين سنة على مفاوضات لا تنتهي لاسيما في ظل تحولات عالمية متسارعة.

التدبير السياسي كان مكلفا وطويلا،طغيان التدبير السياسي أفقد المشكل كثافته،من خلال اختزاله في صراع حول الأرض . الجزائر التي نجحت و لأكثر من 40 سنة في خداع العالم ،عبر ترسيخ اعتقاد أنها مجرد دولة جوار،ومراقب لما يقع و داعم لحق الشعب في تقرير المصير.

التعامل الاختزالي و حصر القضية في البعد السياسي جعل الرؤية معتمة ،مما ساهم في تضخيم الأبعاد السياسية للنزاع ،و تغييب العنصر الأهم في القضية:البعد الإنساني و وضعية المحتجزين / اللاجئين بمخيمات تندوف.

محتجزي -مخيمات تندوف حسب تصورات ورؤية الدولة المغربية،ولاجئي تندوف حسب تصورات الدولة الجزائرية و من معها – يعيشون وضعا استثنائيا، باعتبارهم الأساس الذي اصبح غير اساسي في صراع طويل.

سكان تندوف و ضعهم شبيه بوضع الرهائن ، لا يملكون حتى الحق في الكلام عن انفسهم و عن مصالحهم ، هم فقط رهائن يخضعون للمساواة و البيع والشراء. هذا هو عمق الازمة و عمق المشكل، الموضوع ليس موضوع ارض،ومجموعة شعارات ملونة حول الوطن و الحق و الانتماء ، إنما جوهر المشكل حول إنسان يعيش بلا هوية و بكرامة و لا يملك الحق الحديث عن نفسه .

تابعت مجموعة من الأشرطة الوثائقية حول واقع المخيمات ،و قرات تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حول مخيمات تندوف لاسيما تقرير ،2018 جملة ملاحظات صادمة استوقفتني و كانت سببا في التفاعل و كتابة هذا المقال.

بنيات تحتية منعدمة , امراض واوبئة بكل مكان, اكثر من 35 ألف تلميذ لا يجدون الفضاءات الملائمة للتمدرس شروط العلاج هشة, الماء يوزع بكميات محدودة لدرجة ان كمية الماء الخاصة بكل فرد لا تتجاوز 18 لتر وهي كمية لا تكفي حتى للوضوء.

الإطار العام للحياة يكشف ان مخيمات تندوف هي إطار للموت ، بلا شك ما يقع بالمخيمات هو عملية ابادة جماعية و تحويل المواطن الصحراوي الى وسيلة للضغط والمساومة السياسية في حرب غير أخلاقية , حيث المستفيد/ التاجر يجيد الاختباء، فغياب الماء و الصحة و حقوق التمدرس و عزل المحتجزين / اللاجئين في خيم يكشف البعد الحربي و العسكري لعمليات الاحتجاز و التوطين.

ما يقع بالمخيمات هو تجريد من الانسانية اولا ، ان تجميع مجموعة من البشر في الصحراء و لمدة تزيد عن 45 سنة ، و بلا أمل في حياة عادية ، فالأمر يقود الى مسلسل القتل البطيء ،و تجريد من الهوية عبر تعرية المواطن الصحراوي و جعله عاريا يفقد علاقته بهويته و بوطنه و بكبريائه و تحويله الى مجرد متسول يعيش على الفتات و التسول و الكثير من الاهانات، و بالمقابل هناك من يتغذى على الماساة و ينتعش انهم تجار الازمات و الذين يزداد ربحهم بعمق المآسي والأزمات ،حيت استطاعوا حولوا القضية إلى صفقة تحقق عائدا ماليا او سياسيا لمن يتحكم في تمويل و صناعة المخيم .

محتجزو تندوف, و اختياري لهذه الاسم ليس انحيازا غير مبرر لأطروحة بلدي، وإنما انحيازا للواقع لان مفهوم اللاجئ تقتضي عنصر القسر والإكراه في ترك الوطن ، في حين ان الوطن يرحب بجميع ابنائه تجسيدا لرؤية الملك الحسن الثاني إن الوطن غفور رحيم.

فسكان المخيمات هم كائنات معلقة ، و بلا هوية مسلوخين من واقعهم ،ومن هويتهم و من ماضييهم, يعيشون بلا دولة وبلا وطن، وبلا قيمة . والنتيجة المزيد من الانتظار في انتظار ما لا يتحقق ، لان مصيرهم ليس بايدهم ،و لكن بايدي من يتاجرون بالملف .

المقولات الملونة التي ينتجها اعلام الجزائر حول الحق في تقرير المصير،و الاشتراكية، و بناء الوطن هي مجرد تعبيرات أيديولوجية للتضليل و اخفاء الحقيقة.

الحقيقة تسكن في الواقع وليس في غيابه او تغييبه ، المناضل لا يتسول ولا يعيش على التسول و على الشفقة و مساعدات الآخرين. المناضل لا يقبل الحلول الوسطى ، و لا يقبل الشفقة ، ينتصر او يموت ،لانه يعيش من اجل المبادئ و على التسول و الاعلانات .

ان تحتجز أكثر من 120 ألف مواطن فوق رمال حارقة، و تحت شمس حارقة ، و بين الحريقين مساومات ومفاوضات للربح جعلت من الصحراوي رهينة ، أمر يكشف عمق المشكلة و تعقيداتها .

النظام الجزائري , يتاجر بالقضية بجعل المواطن المحتجز عاريا ، و تحت أشعة حارقة حتى الماء يوزع بالكوطا و ربما والزبونية ، ان يصبح المواطن الصحراوي عاريا معناه ان يفقد علاقته بالأرض والهوية و بالوطن و بثقافته التي تعتبر التسول سبة و احتقارا.

المناضل لا يتسول، و لا يسمح باستعماله كرهينة للمتاجرة و البيع و الشراء،و لا يوظف سلاحه بمقابل , لعل من أسوأ ما يقع بمخيمات تندوف ان الصحراويين يعيشون في مكان ليسوا منه و ليس لهم،مكان الإنسان الصحراوي هو الحرية و الثقافة و الشعر و النخوة والكبرياء ، التاريخ شاهد و يضمن الكثير من الشواهد ،و كيف كانت شراسة الشيخ ماء العينيين في مواجهة من تحق مواجهتهم .

الخيام هي امكنة مؤقتة , يتم بناءها على امل الرحيل يوما ، لكن في مخيمات تندوف نصبت الخيام و منذ أكثر من 45 سنة و مازلت منتصبة ، ستظل مادامت الجهة التي نصبتها لم تقبض الثمن ، او على الاقل استخلاص ثمن حراستها لكل هذه المدة .

الخيمة في المدلول السوسيولوجي هي رمز الفراغ المكاني ، وهي رمز للمؤقت ،لذا فهي هشة سريعة الزوال ، , لكن تجار الأزمات جعلوا منها عنوانا للازمة ، و فرصة للتجارة و ارتهان مواطن و عزله عن جذوره ،و هو ما عبر المفكر جورجيو اجامبيين في كتابه حالة الاستثناء و الحياة العارية : ان المخيمات هي مخلفات ما يتركه الجنود بعد المعركة.

تجربة المخيمات تجربة اليمة لأنها شكلت تجربة لتعرية مواطن يعيش بالكبرياء و حولته الى مواطن هش وعاري يعيش بالتسول .

* الفرفار العياشي أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن زهر

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الإسلاميون بين الثابت والمتحول في السياسة

وجهة نظر

السفير الأمريكي بالمغرب وكلمة الوداع

وجهة نظر

الجنرال شنقريحة وآلام الحمل

تابعنا على