وجهة نظر

الحرية الشخصية والإرادة الحرة وقرار منع البرقع

22 يناير 2017 - 00:55

الستر قناعة واختيار والتعري قناعة واختيار. وحرية الاختيار مناط التكليف والمسؤولية والاستخلاف الرباني في الأرض .

والله الذي خلق فسوى وقدر فهدى عزز هذه الحرية حتى في مقصدنا من الخلق. والقاعدة الفقهية تقول”جاءت الشريعة الاسلامية لإخراج الانسان من داعية هواه ليكون لله عبدا اختيارا كما هو له عبد اضطرارا ” .

فالاسلام كرسالة إلاهية ربانية جاءت وهدفها تحويل القناعةـ لا فرض التعاليم ـ بالحكمة والموعظة الحسنة ليختار الانسان الاقتناع بالسير على هداها لما فيها من مصلحة له دنيا وآخرة فردا وجماعة. وجاء قرار الله محكما “فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر”. وهو يدعو عباده من خلال وحيه لنبيه بأن يعبدوه ولا يشركوا به. بل عاتب رسوله عتابا لطيفا لمجرد حرصه على أن يومن من يحب فقال تعالى”إنك لا تهدي من أحببت”الآية وأخص سبحانه ذلك بنفسه لكي لا تصبح مسألة الارادة الحرة خاضعة للضغوطات الخارجية ولو بحسن نية. أو يترتب على اختيار البعض الخيار المخالف (الكفر) مواقف قاهرة وظالمة.

وعليه، لم أر تقديرا للإرادة الحرة والحرية الشخصية اقوى وأكبر من هذا، بل وقفت على تعد سافر عليها وتعسف مقيت من أدعياء حمايتها وصونها في تشريعات وقوانين ومراسيم وقرارات. و قرار داخليتنا في منع البرقع مندرج في هذا السياق، فقد هبطت من اعلى وظيفتها لتناقش قماشا على وجه.

إنه تعد سافرعلى الحرية الشخصية وعلى قرينة البراءة كقاعدة دستورية باتهام اصحاب هذا الخيار والباسهم كل ايحاءات الاحداث الارهابية عن سبق اصرار وترصد وتجريم لجزئية عاداتية خارج اولويات الدولة وخارج الجهات القضائية والمؤسسة التشريعية المختصتين بالتجريم. وهذا أشد علي وأنكى من القرار وتداعياته. إنه ليس دفاعا عن البرقع وانما استغرابا من منهج عمل وزارة موكل لها الحفاظ على أمننا الاجتماعي في كل أبعاده. 

هذا في جوهر الموضوع، أما في تعليلات القرار فهي أخرى تبين عن السطحية والمجازفة من منطلق المناكفة السياسية، بعيدا عن مقاربة شمولية واعية بخصوصية الظواهر الانسانية ، وأبعاد خيارات المقاربة العلاجية.

وفي غياب أي قياس للآثار السلبية للقرار على البنيات الاجتماعية. ومثال ذلك تجاوز بعض المسؤولين بالمؤسسات العمومية لحدود القرار بمطالبة بعض التلميذات من نزع الخمار(زيف) او تقليص رقعته استجابة لنزوة ايديولوجية مسلحة بقرار وزارة داخلية المغاربة جميعهم.

ثم انتقادا لتلك التعليلات نلحظ أن المجرمين يتقمصون كل الأشكال والصفات واحوال الاشخاص والفئات و الاطياف في كل العالم. ولم نسمع أن داخلية دولة جرمت لباس “بابانويل” لان مجرما لبسه، ولا جرمت إطالة شعر الرأس وحلقت رؤوس العباد لان مجرما أخفى ملامحه وهويته بشعر مستعار، ولا جرمت أنثوية الإناث لان مجرما تقمص ملامح ولباس أنثى أو الذكورية لان مجرمة انتحلت صفة رجل.

ان حشر النفس في منزلقات يطيح بالهيبة ويعكر صفو الانجازات المهمة التي حققها حراس أمننا ليل نهار.. بعض القرارات السياسوية بالدرجة الأولى تسيء لمؤسساتنا قبل ان تلاحق البرقع وتغفل عن التهديدات الحقيقية لامننا القومي. وإن قواعد التحري والإثبات كفيلة بضبط المجرمين. لا للإدانة المسبقة ودفع البريء ليثبت براءته.

أنا لا اومن بالبرقع وضد ان ترتديه أنثى من أسرتي. لكن لكل ما سبق ودفاعا عن الوطن واسهاما في مقاربة خلق التوازن الاجتماعي يدفع للكتابة في الموضوع رغم ان المسألة جزئية وعرفية.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

أهمية الخيال في التفاعل الاجتماعي

وجهة نظر

“الحروب الطاحنة” الوهمية في الصحراء المغربية

وجهة نظر

التعاون المغاربي: بين الحلم والمزاجية والواقع والتحدي

تابعنا على