وجهة نظر

للأسواق قواعد: كفى من البكاء الشعبوي

رجوع المغرب إلى المنطقة السوداء!!!.GAFI

هل أسواقنا المالية و النقدية شفافتين ؟

ضد تبييض الأموال و تمويل الإرهاب

هل سننضم إلى المنطقة السوداء أم سنظل في المنطقة الرمادية في مجال محاربة تبييض الأموال؟ سؤال تردد كثيرا على الساحة الإعلامية و السياسة خلال الأيام الأخيرة.  العارفون على علم بالموضوع منذ شهور و الكثير لم يعرف أننا نتخلف عن مواعيد هامة لغرض سياساوي. التبييض جريمة  و الاغتناء غير المشروع كذلك. المشرعون في سجال عقيم و المؤسسات الدولية لا تنتظر. بلادنا تريد اجتياز المراحل لتصل إلى مرتبة الاقتصادات الصاعدة، و لكن جمود بعض العقليات يثير الكثير من التساؤلات.

مغربنا يحتاج للاستثمارات الداخلية  و الخارجية، حقيقة لا تحتاج إلى براهين و تحليلات و دراسات كلفت و قد تكلف الملايير. مغربنا يحتاج إلى نموذج تنموي جديد،  وقد سجل التاريخ المعاصر أن جميع المغاربة و مؤسساتهم اتفقوا مع عاهل البلاد على ضرورة تغيير المسار و البنيات و الحكامة. مغربنا يحتاج إلى مزيد من الشفافية في متابعة و تدبير قضايانا العامة و مؤسساتنا الإقتصادية و المالية،  و هذا ما تتطلبه منا مؤسسات دولية  و جهوية تتعامل معنا بعد أن قررنا بمحض إرادتنا أن  نتعامل معها. و لا توجد إتفاقية دولية دخلت حيز التنفيذ دون أن تنال موافقة ممثلي الأمة بناء على مقترح حكومي.

قانون المالية لسنة 2021 تخلىعن مقتضيات جباءية تحفيزية لسوق الدار البيضاء المالي و لمناطق تحفيز  التصدير،  و قال الجميع آمين دون أن يجد أحد الحجة لمواجهة الإتحاد الأوروبي و منظمة التعاون و التنمية الدولية لكي ندافع عن حق “مشروع” لجلب الإستثمار. و رفعنا مستوى الضريبة على الدخل و الشركات  لكي نتفادى عقوبات و إدخال مغربنا في دائرة الدول التى لم تنل ثقة الإتحاد الأوروبي.  نعرف أن المنظمات الدولية تخضع لسلطة من لهم تأثير دولي و تسرع في سن قوانين و آليات جديدة لتحد من أي اجتهاد للدول النامية للوصول إلى مصاف الاقتصادات الصاعدة.  و لكن حكومتنا تعرف و تعترف بكل وعي بالاطار الذي ينظم العمليات المالية،  و ليس لها الحق في  أن  تفاجأ .

و للعلم فمجموعة العمل المالية الدولية قد تم تأسيسها سنة  1989   و وزادت  حدة توصياتها و مقاييس تقييمها بعد  أحداث 11 شتنبر 2001 لتتبع حركة الأموال التي يشتبه في مصدرها  و التي يمكن ان تشكل مصدرا لتمويل الإرهاب. و يتم تقييم مستوى الشفافية لدى الدول من طرف مجموعة من دول أخرى أعضاء في المجموعة على أساس مجموعة من المعايير. و لقد سبق للمغرب أن خضع لعدة عمليات تدقيق  و تقارير في هذا الشأن منذ 2007 . و تجدر الإشارة إلى عدة دول عربية تنتمي الى المجموعة و تصدر في شأنها تقارير  دورية من بينها دولة الإمارات العربية المتحدة في أبريل 2020 و الأردن في يناير 2020  و موريطانيا  و السعودية و غيرها من الدول.  لذلك وجب التعامل مع هذه التقارير بكثير من الهدوء والمهنية.

لقد اخترنا أن نخضع للتقييم

قبل التطرق لما  ورد في هذه التقارير، وجب التذكير بأنه تم وضع قانون في  سنة 2017(43-05)  لمحاربة تبييض الراسميل بالإضافة إلى عدة دوريات  ونصوص تنظيمية لتقوية نظم المراقبة الداخلية داخل النظام البنكي  والرفع من مستوى اليقظة في هذا المجال.  و هكذا أصبح من الواجب أن تتحرك البنوك للتبليغ عن أية معطيات حول حركة حسابات زبناءها و التي لا تستند على أسس تضمن سلامتها و صدقية معطياتها. و يلعب بنك المغرب دورا أساسيا في مسلسل الرقابة المتعلق بمحاربة التمويلات المرتبطة بغسيل الأموال و الإرهاب.  و لهذا الغرض يقوم بإصدار دوريات كانت آخرها تلك التي تم تعميمها على الابناك و مؤسسات التمويل في نونبر 2019وقد أصبح من اللازم حسب بنك المغرب التعامل مع هذا النوع من التمويل بمقاربة تقييم المخاطر و ذلك تقسيمها

وذلك بتقسيمها حسب طبيعة الزبناء و نوعية السلع و الخدمات و طرق التسويق و الدول التي تشكل مصدر أو توجه الأموال.  ولا تستثني الأبحاث المطلوب القيام بها ما تتيحه التكنولوجيا من وساءل لتتبع إستراتيجيات محاربة الفساد و الرشوة و تجارة المخدرات.  كما أن وحدة دراسة و جمع المعلومات المالية انيط بها تقديم تقارير دورية  و متابعة تصريحات البنوك حول العمليات المشبوهة.

ولأن غسيل الأموال أصبح يشكل حوالي 5% من الناتج الإجمالي العالمي و هو  ما يقدر بأكثر من 800 مليار دولار. و تنتج هذه الأموال تجارة  المخدرات و عمليات التهريب الجمركي  و الرشوة  و السرقة  و التجارة في البشر و حتى تجارة الأعضاء البشرية.  ولأن جزءا من هذه الأموال أصبح يشكل خطرا على من يسيطرون على الإقتصاد العالمي  و على توازناتهم الإستراتيجية، فلقد وجدوا من اللازم إيجاد الآليات التي يمكن أن تحميهم من آثار ما  يدور خارج دائرة سيطرتهم المباشرة.

صحيح أن العالم لاتسيره النيات الحسنة و أن المصالح العليا للمؤسسات الإقتصادية هي صاحبة الأمر في هذا المجال،  ولكن هذا لا يعني أن الشفافية لا تفيد الاقتصادات الناشئة مثل المغرب. و لهذا أقبلت مؤسساتنا المالية و الحكومية على قبول توصيات مجموعة العمل المالية الدولية  وسعت إلى اتخاذ الإجراءات التي تضمن لبلدنا مرتبة تؤشر على قبوله لمقاييس الشفافية عن مصدر الأموال و طرق مراقبتها.

و لقد أثار التقرير الأخير حول المغرب الكثير من التعليقات و حتى بعض القراءات العاطفية و التي أدت إلى الخلط بين ما هو ضريبي  و ذو طبيعة تستهدف الحد من تنافسية المنتوج المغربي  و بين ما له علاقة بالشفافية المالية. و لقد انجرت بعض وساءل الإعلام إلى السهولة التي ترى في أي مؤشر دولي غير إيجابي بالنسبة لبلدنا نوعا من المؤامرة.  حين تغنينا و فرحنا بتقييم مجموعة العمل المالية الدولية خلال السنوات الماضية كنا نعتبر تصنيفها لنا نوعا من الإعتراف بما تم بذله من مجهودات مؤسساتية لكي نحمي بلادنا من مجرمي غسيل الأموال،  و اليوم يجب أن نحلل بكثير من الدقة ما هو مطلوب منا حتى نستعيد مكانتنا  و نؤمن اقتصادها ضد مخاطر التمويل غير المشروع.

تصريحات بالشبهة ضئيلة في ظل واقع ثقيل

التقرير الذي صدر في نونبر 2020  يؤكد أن المغرب يمضي في معركته ضد تبييض الأموال  و أنه يستجيب بشكل كلي أو جزئي لأغلب التوصيات.  و لكن هل نستجيب لكافة التوصبات؟ هل هناك  تنسيق فعلي بين السلطات و النظام البنكي حول متابعة دقيقة لحسابات الزبناء و مصدر مواردها و إتخاذ الإجراءات في حالة ظهور مؤشرات عن مستوى ما تشكله من مخاطر؟

وبالرجوع إلى التقرير السنوي الأخير لوحدة معالجة المعلومة المالية  و الذي يهم سنة 2019  نجد أن ألوف المغربي الذي شارك في الإجتماع التقييمي “وجها لوجه ” في 2018   و الذي ضم ممثلين عن المجلس الأعلى للسلطة  القضائية  و رئاسة النيابة العامة و سلطات الرقابة على القطاع المالي قد دافع باستماتة  على ترتيب المغرب و حاول إقناع لجنة التقييم للرفع من التنقيط التقييمي الذي تضمنه تقرير الأولى للتقييم. و قد نال المغرب، حسب التقرير السنوي  المشار  إليه، صفة “جوهري بالنسبة لمؤشر محاربة الإرهاب  و وساءل تمويله.  و أعترف التقرير بضرورة إستمرار المجهودات للاستجابة لمعايير التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالية الدولية.  وتتطلب هذه المجهودات رفع فاعلية المراقبة الفنية التقنية و تقوية الجانب القانوني  بالإضافة إلى ضبط آليات الرقابة بمنهجية دراسة المخاطر وذلك لضمان النجاح في محاربة الجرائم المالية المنظمة. و قد تلقت وحدة معالجة المعلومات المالية في عام 2019 عددا من التصاريح لم يتجاوز 1737 أغلبها تم إدراجه في خانة العمليات المشبوهة. و يمكن للمتتبع الشأن المالي و البنكي أن يرى في هذا الرقم نوعا من الضعف في وسائل تتبع الجرائم المتعلقة بتبييض الأموال.  و لا زال مستوى التصريحات المقدمة من طرف وزارة  المالية  و الإدارة العامة للجمارك و بنك المغرب ضعيفا بالنسبة التصاريح المقدمة من طرف وزارة الخارجية  و مكتب  الصرف.

و لأن أرقام التصريحات التي يمكن أن تفتح الطريق لضبط عمليات تبييض الأموال لا زالت ضعيفة بالنسبة للحجم الإجمالي للوداءع البنكية، فإنه من الضروري أن تقوم وحدة معالجة المعلومات المالية بجهد أكبر لدفع النظام البنكي إلى تتبع منهجي لحسابات الزبناء حسب خريطة مخاطر واقعية.

و حتى لا ننسى أن للسياسة يد كبيرة في تحسين مستوى ترتيب المغرب في مجال الشفافية المالية  و محاربة التمويلات ذات الطابع الإجرامي، فإن تأخر المشرع في إخراج مشروع القانون الاغتناء غير المشروع  و تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم تبييض الأموال لا تخدم المصالح الإقتصادية  و السياسية لبلادنا.  و هنا بطل العجب بعد أن ظهر السبب. بدون محاسبة عن تراكم ثروات البعض  و بدون محاسبة المسؤولين و بدون رقابة مسؤولة و مهنية و مستفيدة من نظم المعلومات الحديثة، لا  يجب أن نحزن إذا ما تراجع ترتيبنا لدى مجموعة العمل المالية الدولية و لدى غيرها من المؤسسات التي اخترنا أن نكون اعضاءا فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *