مجتمع

نوابغ مغربية: ميمون بن علي بن خَبَّازة.. الأديب المتدفِّق نَثْراً وشِعراً بين العُدوتَين

30 أبريل 2021 - 20:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 35: ميمون بن علي بن خَــبَّازة .. 

يَدْلف سكّان مدينة سلا المغربية مِن إحدى أعرق الأبواب التاريخية بالمدينة، يُطلقون عليه اسم “باب الخبّاز” أو “باب سيدي الخبّاز”، دونما دراية الأكثرين أنَّ البابَ يَستلْهِم اسمَه مِن عَالمٍ وشاعرٍ كان يمشي منتصب القامة بِعِلمه ونبوغه الأدبي بين المغرب والأندلس. وتقديراً لما جَلَبه للمغرب من إشعاع؛ أبى المغاربة المعروفون بتقديرهم للعلماء والأولياء إلا بتخليد اسم الرجل على باب من أبواب مدينتهم التي عجَّت ذات زمن بالأندلسيين. فمن يكون مُترجَـمُـنا ميمون بن خبازة؟ 

يُرجِع المؤرّخون والتراجمة ميلاد الأديب الأريب ميمون بن علي بن عبد الخالق الخطابي الصنهاجي إلى مدينة فاس، دونما اتِّـفاقهم ولا ذِكرهم لتاريخ مُحدَّد لميلاده، على أنَّ الراجح ميلادَه في النصف الثاني من القرن السادس الهجري. وفي فاس، مدينة العلم والعلماء؛ تلقَّى أصول التنشئة الدينية والعلمية وسْط أسرته، وبتأطير من خاله الشّاعر وجدِّه من أمّهِ الفقيه علي المهدي، قبل أنْ يَنْـتَـقل إلى الكتاتيب، ناهلا مِن المصنّفات والمخطوطات وقاطفا من حقول المعرفة أجنى الثّمار، بتوجيه من خيرة أساتذة العصر الموحدي، وعلى رأسهم العلاَّمة المغربي أبو الحسن بن حَرازِهم الذي سيصِفه ميمون لاحقا بــ”الفقيه العالم الفاضل”، والفقيه الـمحدّث محمد عبد العزيز بن علي بن زيدان.  

المسار العلمي للبحاثة ميمون الخَطّابي _ الــمُكَنّى بأبي عمرو_، تَـميَّز بالانتقال بين عُدوتيْ المغرب الأقصى والأندلس، بحثا عن جديد المعارف، وتَفَقُّهًا على يد الـجِلَّة من علماء العهد الموحِّدي، الذين ازدان بهم المغرب والأندلس، وكانت لهم حركية وإنتاجية مُلهِمة لكلِّ طالبِ مَجْدٍ عِلمي. استثمر ابن خبازة عصْر الأنوار المغربي، فارتَحل صوبَ حاضرة سَبْتة أوّلاً، للتمدرس على يد الفقيه ابن عُبيد الحَجَري، فقَرأ عليه موطّأ الإمام مالك وصحيح الإمام البخاري وكُتُب السُّنن. ثم أخَذَ عن المحدِّث أيوب بن عبد الله الفهري دُروسًا في الرسالة القُشَيْـرِية. بَعدَها؛ رحَل إلى الأندلس، فلازَم بَعض علمائها، منهم أبو الحجاج بن الشيخ، وأبو محمد بن الحسن القرطبي، وفي حاضِرة (مالقا) دَرس على الشيخ ابن عبد المؤمن المعافري مدّة من الزمن، ثم انتقل إلى (غرناطة) للدِّراسة على يد العالِم أقران بن كوثر، ومنها إلى (إشبيلية) للأخذ عن عالمها الحسن بن زرقون، ولم يكن لكتفي بما تلقّى وأخَذ من العلوم في الـمُدُن الـمذكورة؛ فَأَتَــمَّ الرحلة صوبَ (طلَبَيْرَة) للأخْذ عن الفقيه ابن خلفون، ثمَّ منها إلى (مُرسية) للدّراسة على الشيخ محمد بن حَوْط الله، وصولا إلى (شاطِبة) تَفَقُّهًا على يد الحافظ عُمر بن عَات، وغيرهم مِن أئمة اللغة والفقه والشعر والحديث. 

طيلة هذا المشوار الزاخِر بالنّهل من أفواه العلماء الكبار والأخذ في شتّى فنون المعارِف، اختصَّ مُترجَمُنا في الأدب، والشِّعر، ومالَ إليهما، فأبدع وأجاد، وذاع صِيته في الأندلس، وعَلا نَجمه بين نخبة مثقفي إشبيلية، فاستدعاه والي إشبيلية أبو العلاء بن منصور الموحدي وقَـرّبه، فتفتّقت في رحاب الاستقرار النفسي والمادي عبقرية الأدب والشعر في شخصية ميمون بن علي، وانداحت مُـخَيِّلَته تأتي ببديع القصائد، حتى قال البعضُ إنها جُمِعت في ثلاثة مجلّدات، إلى جانب ما امتاز به من سرعة الحفظ والفهم والذكاء، فكان “مِن أكبَرِ أعاجِيب الدهر في سُرعة البَديهة، ناظما أو ناثرا، مع الإجادة التي لا يُجارى فيها، والتفنّن في أساليب الكلام..” و”كان ذا مُشاركة حَسنة في علم الكلام وأصول الفقه” كما ذَكَر المؤرِّخ ابن عبد الملك المراكشي في كتابه “الذّيل والتكملة لكِتابَـيْ الوَصْل والصِّلة”. إنَّ هذا النص/الشهادة يُعَرِّفنا عن قُرب على أهمّ أبواب العلم التي بَرع فيها ابن خَبَّازة، وبَـزَّ أقرانه في المغرب والأندلس على حدٍّ سواء، في سياق ثقافي وعِلمي وسِياسي كان يَصعب معه أنْ يَبرُز أحدٌ في ميدان ما إذا لم يكن متمكِّنا متفننا مُجيدا ومجدِّدا. 

كان ابن خبّازة يأتي في الإبداع الشِّعري بــ”ما لم يُسمَع ذِكره، ولا يُطمَع في لحاقه، سُرعة ارتجال، وحُسن افتتان، وبَراعة إنشاء”، كما وصَف المراكشي نَقْلاً عن المقَرِّي، بل عَدّه الباحث المعاصِر عبد الكريم التواتي مؤَسِّسَ الأشعار الدِّينية في عهد الدولة الموحدية، وذلكَ في مقاله المنشور بمجلة “دعوة الحق”، سنة 1984. وعدَّه آخَرون شاعِرَ العصر الثّالث مِن عهد دولة الموحدين. وهو وإنْ لم تَنتِشر قصائده المدحية والغزلية، وتلك التي خصَّصها لمدح خير البَرية عليه الصلاة والسلام؛ انتشارَ بُردة البوصيري، إلاَّ أنه حازَ فيها الإبداع من أطرافه، سمّاها “الميمونية”، صاغها في 200 بَيت، منها قوله: 

حقيقٌ علينا أنْ نُجيبَ المعاليا    لنُفنيَ في مدْح الحبيبِ المعانـــــــيا

لنُطلِع مِن أمداحِ أحمدَ أنجُما    تَلوحُ فتَجلو مِن سَناه الدَّيَاجيا

رسولٌ بَراه الله مِن صَفو نورِه    وأَلْبَسَه بُـــردًا مِن النُّـــــــور ضافــيا

وقدْ أوْرَدها فضيلة العلّامة عبد الله كنون كامِلةً في الجزء الثَّاني مِن كتابه النافع “ذِكريات مشاهير رجالات المغرب” واصفا ابن خَبَّازة أنه بِحقٍّ كانَ “شاعرا فَحْلًا، نهايةً في مَتانة الشِّعر وقُـوّته، كأنّما يَنحَت الكلام في صَخْر، ويُفرِغه في قالَب الإجادة والإحسان، ثم يُخرِجه وقد تَحوَّل إلى صُورٍ شعرية عالية النّظم والتركيب، سامية المغازي والمقاصد (..)، وإنّي لأُشَبِّههُ بشيخ الشعراء الـمجدِّدين في العصر العباسي، أبي تَـمّام”. 

بَعد رحلته العلمية التي نَثَر فيها بذور العلم والأدب والشعر في تلامِذته بالأندلس، أمثال أبي الحسن الرُّعَيْنِي وعبد المنعم اللواتي وأبو القاسم عمران؛ زارَ المغرب لأعوام، ثم عاد إلى الأندلس سنة 620 كما يؤكدّ ذلك المراكشي. وهو بَين العُدوتين؛ لا يَنفكُّ يتدفَّقُ علما وأدباً ومُشاركةً في المعارِف، وإنْ لم يُحصِ له المؤرِّخون مُصنّفاتٍ بخطّ يده، إلاَّ أن غزارة إنتاجه الشِّعري وبعض نصوصه التي كَتَبها في أخريات أيامه، تَدلُّ على مكانته وعُلوّ كعبه في النَّثر والشِّعر. مِن ذلك؛ مدحُه لوزير إشبيلية وعظيمها آنذئذ محمد عبد الله بن أبي بكر

هو القضاءُ أبا بَكْرٍ أُصِبتَ بهِ   فاصبِر وسَلّؤمْ له تَسليم مأجورِ

والله يحرُس عَلْيَاءكم ويَدفع عن  سامـي معَـــاليكَ أنْــــواعَ المحــــاذيــــرِ

وهي القصيدة التي قال عنها الرحالة المغربي ابن رُشَـيْد رحمه الله “من قَصائدهِ _ أيْ يَقصِد ابن خبَّازة _ الـمشهورة، بل مِن عَجائبه الـمأثورة”.

وقوله في أبي العلاء المنصور السّابق ذِكره: 

حاز العُمومة مِن عدنان مفتخِرا   إلى الخـُــــؤُولة مِن قحطان فاكتَمَـــلا

وقوله في مَطلع قصيدة يتغنّى بجمال وطبيعة إحدى حواضر الأندلس: 

هَب النّسيم ضُحًى ففاح الـمندَلُ     وتَأرَّجَـــت مِنه الصِّــــبا والشَّمـْــأَلُ

ويُهانُ مُرسَــلُ ناظِـــــــــــــري في حُــبِّها    ومِــن التَّــناصُفِ أنْ يُعَزُّ الـمُرسَلُ

وقد تَـميّز أيضاً بنوع مِن الكتابةِ في مجال النَّــثر “مُبتَكر، لا هو بالخُطبة ولا هو بالمقامة”، مسكونةٍ بــ”الروح الصّوفية”، على حدّ تعبير الأستاذ عبد الله كنون. وهو ما أكّد السادة العلماء الذي تَرجموا لشخصية ابن خبّازة، أمثال ابن القاضي في “جذوة الاقتباس”، وابن عبد الملك الأنصاري المراكشي في “الذَّيل التَّكملة لكتابيْ الموصول والصِّلة”؛ واصفَيْن إيّاه بأنّه كان جيِّد الخط، قويّ الأعضاء، معتدِل التركيب، متمكِّن الصحة، جهوري الصوت، شاعراً مُرهفاً، وأديباً بارعاً. وسيدي عبد الله كنون فالذي ترجَم له في كتابه الفريد “ذكريات مشاهير رجال المغرب في العلم والأدب والسياسة”، في الجزء الثاني الذي خصَّصه لرجالات الأدب، فعرَّف به على امتداد الصفحات من 893 إلى الصفحة  932، مُعِدّاً نَثْرَ ميمونٍ يقومُ دليلاً على أنَّ الرجل كان على جانبٍ كبير من “القُدرة والتمكُّنِ من تَصريفِ الكلام في شتّى الوجوه، وتَقليبِه على مختلِف الأنحاء”، فضلاً عن أنه “شاعر موهوب متفوّق، ذو نَفَسٍ ممتَدّ وطَبْعٍ متَدَفِّق”.

 إنّ الأديب العالِم سيدي ميمون بن الخطابي إلى جانب هذا كلّه؛ لم يُفتَـتَن بإغراءات الدّنيا والقرب من السلطة، ولا امتلأ عُجْبا وكِبرا بوافِر علْمه وغزير شعره؛ بل كان دوما ميالاً إلى التزكية والتصوف، مُحبا لجَناب رسول الإسلام، متقلّلا، ورعا، شغوفا بالفقه وعلوم الشريعة، فكان بحق الرجل الذي باع قَلبه مِن ربه كما وَصَف نفسه في إحدى كنّاشاته. وتعلُّقاً لكتاب الله وحديث رسوله وكلام العلماء؛ مارس ابن خبازة الوعظ والإرشاد، ودَلّ الناس على الله، وسَلك في أخريات حياته طريق أهل الإحسان.

وبَعد سفَر مُضْنٍ في سبيل العلم، مُورقٍ بالأدب والشِّعر؛ قفَل عائدا إلى بلده المغرب سنة 625 فأقام لسنوات في عاصمة الدّولة الموحدية، مراكش، حيث زاول مَهمة محتسِب بإحدى أسواق المدينة، أيْ مكلَّفا بشؤون التَّموين بالتعبير المعاصِر. وبقيَ في منصبه؛ إلى أنْ كَبُرَ وضعُفَ حاله، وانتقل إلى سلا، حيث وافَـتْه الـمنية سنة 637 هجرية الموافق لـ 1239 في عصر الخليفد الرشيد الموحِّدي. فيما ذَكَر أحمد بن محمد المقري التلمساني في “أزهار الرّياض في أخبار عياض” أنّ ابن خبازة توفي بمدينة الرباط، وبها دفن. 

رحمه الله ونَفع بعلمه. 

الصويرة المحروسة

في: 16 رمضان 1442 الموافق لــ: 29 أبريل 2021

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

ترقية رجال ونساء التعليم.. الوزارة تفرج عن نتائج امتحانات الكفاءة المهنية

مجتمع

دراسة: 67 بالمائة من المهاجرين يعتبرون تعامل المغاربة معهم “إيجابيا”

مجتمع

رفع عقوبة “عصابة الصحافيين” إلى 3 سنوات سجنا مع الحرمان من مزاولة الصحافة لـ5 سنوات

تابعنا على