وجهة نظر

فيلم “أخبار العالم الجديد”: مخاض قبل ولادة أمريكا

06 مايو 2021 - 10:19

ليس من عادة الممثل الشهير توم هانكس أن يشارك في فيلم من نوع رعاة البقر “الويسترن”، ولذا سيعتبر تمثيله في فيلم “أخبار العالم الجديد” صيحة سينمائية تثير المشاهدين والنقاد على السواء مما سيسهم في نجاح الفيلم وانتشاره.

فيلم “أخبار العالم الجديد” من نوع الدراما والمغامرة، عنوانه يحمل نفس اسم القصة المقتبس منها للكاتبة بوليت جيليز التي نشرتها سنة 2016، وهو من إخراج بول غرينغراس الذي سبق له وأخرج أفلاما عالمية كبيرة ك “الكابتن فيليبس” والذي لعب فيه دول البطولة نفس البطل أي توم هانكس وسلسلة “بورن سيبريماسي” الذي لعب فيه دول البطولة الممثل المقتدر مات ديمون.

تم عرض الفيلم إبان الحجر الصحي يوم 25 دجنبر2020، كما تم تقديمه عبر المشباك “الانترنت” يوم 12 فبراير 2021. تدور قصة الفيلم، زمنيا، بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية بخمس سنوات، أي سنة 1870 وتتمحور حول النقيب جوفرسون كايد كيد العسكري المخضرم الذي شارك في ثلاثة حروب، منها أساسا الحرب الأهلية في ولايات الجنوب التي هزم فيها النقيب وأصحابه، والطفلة الألمانية الأصل التي تم اختطافها من طرف الهنود الحمر هيلينا زينغل، لتنطلق رحلة حول “البيت”/ “الوطن” /”السكن” على بعد مائات الكيلومترات وسط مناطق تعج بمختلف المخاطر تذكرنا بعالم الغرب المتوحش التي كنا نراها في أفلام الستينات والسبعينات حيث قطاع الطرق والرغبة في القتل لأتفه الأسباب، مع الغياب الكلي للقانون، والتنكيل بالهنود الحمر وإيجاد المتعة في سلخ جلودهم…

فيلم أخبار العالم الجديد خليط من الأحاسيس والمشاعر والقلق والتوثر والخوف والأمل، كما يتداخل فيه الفرار من الماضي والرغبة في المستقبل. وقد نسجت كل هذه التقسيمات وفق مشاهد عالية الجودة داخل أو قرب مدن بدائية صممت بدقة، وحياة سكانها وملابسهم كل ذلك كان متسقا ومنتقى بعناية فائقة.

الشيء البارز والقوي في الفيلم هو أن النقيب كيد والطفلة لا تجمع بينهما أية صلة قرابة ولا حتى اللغة مما سيجعل من العسير تحقيق تواصل بينهما، ولكن مشاق الرحلة وأحداثها وطولها سيفرض على كليهما بذل الوسع في إيجاد صيغة للتعارف والحوار، إلى أن يتم تبادل عملية تعليم اللغات في لوحات فنية أخاذة ملأى بمشاعر الأبوة والسكن وإعادة إحياء الذات.

بعد نهاية الحرب يجد النقيب كيد نفسه يعيش جوالا بين المدن ويقتات من حلقات أخبار العالم التي يقصها على الناس في القرى المعزولة التي لا إعلام فيها ولا قطار يمر منها، مقابل مبلغ زهيد جدا، وتبدأ الطفلة جوانا في حب هذه الأخبار والقصص مما يجعلها تبادر للمساعدة وتقديم العون ولو بجمع السنتات التي يقدمها الحاضرون.

لقد بدا النقيب جيفرسون كيد مولعا بإلقاء هذه الأخبار، مما جعله يبدع في آليات الإلقاء وإدارة النقاش أحيانا، فهو يهيئ مادته بشغف وحب، وخبرته جعلته يؤمن بأن أفضل الأخبار هي ما يريد الناس سماعه ومن الأفضل أن لا تكون محلية.

سواء تعلق الأمر بالنسبة للنقيب كيد أو بالطفلة جوانا، فكلاهما وجد ما كان ينقصه في الآخر فالنقيب تحركت في داخله عاطفة الأبوة التي حرم منها، ومن خلالها اكتشف ذاته فرغب في الحياة من جديد بعدما انقطعت به كل السبل بعد وفاة زوجته التي لم يكن حاضرا أثناء وفاتها، وجوانا التي تيتمت مرتين وذلك بمقتل والديها الأصليين ووفاة أبويها المتبنيين، وبعدما تاهت في عالم لا تعرفه ولا تعرف عنه أي شيء، وهو عالم خطير مليء بالقتل والرعب واستغلال الأطفال في الدعارة، ستجد في النقيب البيت والسكن والحياة.

كم كان جميلا ذاك الحوار اللامفهوم الذي دار بينهما في المراحل الأولى من الالتقاء، حيث برع توم هانكس بتعبيرات وجهه وحركاته التي كانت وحدها كافية لتشعر الطفلة بأنها أمام رجل طيب ونبيل ولا يريد بها شرا. ولعل من سقطات الفيلم أنه قدم ترجمة لما كانت تقوله الطفلة بلغة هنود “كيوا”، فأفسد علينا الاستمتاع بما كان يشعر به النقيب وهو ينظر إلى قسمات وجهها وحركاتها دون أن يفهم اي كلمة من كلماتها، أحسب أننا كجمهور لا يحق لنا أن نعرف ما لا يعرفه البطل، ولذا كان من الأفضل أن يتركنا المخرج نتقاسم معه ذاك الغموض الماتع الذي كان يشعر به البطل وهو يحاول قراءة حركات الطفلة وقسمات وجهها.

لقد أسمينا العنوان مخاضا لولادة الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأن هذه المرحلة التي تناولها الفيلم هي مرحلة استكمال دورة التوتر والعاصفة، وبدايات التقنين والدسترة، وإن كان القانون في هذه المرحلة يسير ببطئ ولا يطبق جله، ولا يجد إجماعا خصوصا فيما له علاقة بالمساواة وتسوية أوضاع العبيد بإلغاء العبودية نهائيا، فالعصابة التي تتاجر في الأطفال والتي أرادت أن تشتري الطفلة جوانا من النقيب عنوة، وبعد تدخل الجنود رأينا كيف تم إيقافهم شكليا وتم سريحهم فورا، بل وصرحوا جهرا للنقيب بأنهم سيلحقون به بعدما ينتهوا من تحقيق الجنود…وذلك ما كان.

كما أن من علامات هذا المخاض وجود ثروات متفرقة في أنحاء أمريكا، ومن خلال جولات النقيب وما تلاه من أخبار علمنا أن بعض المناطق غنية بالفحم الحجري وأخرى غنية بالفلاحة كأرض خالة وعم جوانا وثالثة غنية بالجلود…كما تم اكتشاف الذهب في كاليفورنيا قبل هذه المرحلة بعشرين سنة أي سنة 849، إذن كانت أمريكا في هذه المرحلة في أمس الحاجة لدولة مهيكلة تستفيد من خيرات البلاد يضبطها قانون موحد وهياكل منتخبة حتى لا يطول عمر الفوضى وقانون الغاب فتفنى الدولة قبل تأسيسها.

إن قصة الفيلم، في الحقيقة، لها مغزى ليس ببعيد عن تحقيق الوحدة الوطنية والائتلاف بين مختلف الفصائل والشعوب المتناحرة والمختلفة لغة وعرفا ولونا وحضارة.

فبول غرينغراس يقدم في فيلمه نموذجا من الوحدة والائتلاف رغم الاختلاف في اللغة والأعراف واللباس، وحتى في طبيعة الأكل والنظرة إلى الأشياء، وذلك متجسد في النقيب جيفرسون كيد والطفلة جوانا اللذين يختلفان في كل شيء ولكن لا شيء منع من أن يحققا الانسجام والوحدة والعيش معا في بيت واحد الذي يقابله الوطن الواحد بالنسبة لمختلف الشعوب حتى تصير ولايات متحدة أمريكية.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

أفخر ببلادي رغم كل شيء .. ورغم كيد الاعادي محيط لا يريد دائما الخير لبلادنا

وجهة نظر

قانون تصفية معاشات البرلمان: قراءة في قرار المحكمة الدستورية ورفض مجلس النواب

وجهة نظر

رأي حول نقاش النموذج التنموي والبرامج الانتخابية

تابعنا على