علماء الفيسبوك

علماء الفيسبوك

11 يناير 2017 - 00:18

يبدو أن ثقافة الفيسبوك قد أثرت بغثها حتى على بعض العلماء والأساتذة الكبار، ومنهم، كما يبدو، المتشبعين بالفقه الإسلامي والعلوم الشرعية، فتشابه البقر عليهم، حيث راح بعضهم يبدي إعجابه بإعادة النشر لقصاصة غريبة يدعي ناشرها أنها أثارت نقاشا وجدالا في أحد مستشفيات أمريكا، وذلك على إثر حادثة وقعت لسيدتين في جناح الولادة إذ ولدت الأولى ذكرا والثانية أنثى، ولكن عن طريق خطأ صدر عن الممرضات لم يتبين لمن الولد ولمن البنت، مما دفع بكل امرأة أن تدعي أن الابن من نصيبها، وحتى عملية فحص الدم لم تزد الوضع إلا ارتباكا نظرا لتشابه النتائج.

وبعدما استسلم الأطباء اتصلوا بالمسؤولين لكي يجدوا حلا ويضعوا حدا لهذه الحرب المستعرة بين السيدتين، فاتصل أحدهم بأحد مشايخ السعودية سائلا له حلا لهذه المعضلة مادام المسلمون يدعون أن في دينهم حلا لكل مشكلة، وما كان على الشيخ إلا أن أجاب بسرعة البرق ولم يكن يحتاج إلى تفكير وتمعن في القضية حيث اعتبر الأمر في غاية البساطة، وما على الأطباء إلا فحص حليب المرأتين فأم الولد سيجدون أن حليبها يحتوي على مواد أكثر غنى من حيث التغذية بعكس حليب الأم صاحبة البنت لأن حليبها سيكون أقل جودة من حليب الأولى، وكان تعليل الشيخ بقوله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين).

فمبجرد قراءتي لهذه الجزعبلة الظالمة التي تقوم على توظيف أعرج للآية الكريمة بل وتقوم بليها ليا حتى تنسجم مع قضية لها حلول أخرى طبية وعلمية، ومن صلب الإسلام الذي يستطيع أن يجيب على كل مسألة أنه دعا للعلم كالطب والتحليلات وتمييز الإنسان عن أخيه الإنسان بمسائل شتى منها DNA على سبيل المثال.

وبغض الطرف عن كون الآية الكريمة واضحة وصريحة في كونها جاءت في سياق الحديث عن الإرث ولمقاصد رائعة وجميلة ومنصفة والتي قد تفرع عنها علم كامل هو علم المواريث.

فأن يقول الإسلام بتخصيص حليب خاص بالذكر يختلف عن حليب الأنثى فهو أمر خطير وفضيع لأنه سيترتب عنه مجموعة أحكام سترافق الإنسان بنوعيه مدى الحياة. وطبعا إن الله تعالى عندما قال في سورة آل عمران (ليس الذكر كالأنثى) فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجابت عن هذه الاختلافات التي زكاها العلم ولا تنقص من قدر المرأة شيئا، لأنها اختلافات منسجمة مع طبيعة الوظائف التي سيتحملها كل من الرجل والمرأة وكل واحد منهما ميسر لما خلق له وفق تكوين لا يمكن أن يشمل الاختلاف في الغذاء وإلا وجد جميع الآباء مبررات كافية للتمييز بين أبنائهم الذكور والإناث وتفضيل الذكر عن الأنثى وهو الشيء الذي لا يرد إطلاقا في الدين، وبل وهو منهي عنه شرعا.

إن الإسلام جعل النساء شقائق للرجال، والمؤمنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينتهون عن المنكر، وما فرض على الرجل فرض على المرأة، ولا اختلاف في الأجر ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) ولو كان االله تعالى قد فضل غذاء الذكر عن غذاء الأنثى لما استطاعت الأنثى التي تعتني بجسمها رياضيا أن تبلغ أشدها ولا كانت أقوى من الرجل أبدا حتى لا تتعارض مع إرادة الله التي أرادت أن يكون نمو المرأة أقل وأضعف من نمو الرجل، لكن الله تعالى خلق الإنسان بذكره وأنثاه ضعيفا ( خلق الإنسان ضعيفا)، فأعطاه الله إرادة الفعل فإذا تعلمت المرأة وبلغت من العلم درجات كانت أقوى من الرجل إذا تكاسل هذا الأخير وتقاعس وانزوى إلى الظل يبتغي الراحة والخمول. ثم ما الإجابة الإسلامية التي يمكن أن تصدر عن هذا الشيخ في حالة إذا أنجبت المرأة توأمين ذكرا وأنثى؟ فكيف سيكون حليبها حينها؟

إن الذي نأسف له هو العلم بدون فقه، والتعامل مع الأخبار والإشاعات والطراهات بعقل لا يرضى به الإسلام، لأن ديننا دين الوعي الكامل بالأشياء والفهم العميق والجيد للدين، وسنحمد الله تعالى الذي جعل المتصدين للفتوى يعدون على رؤوس الأصابع من العلماء الأجلاء الراسخين في العلم، ولو تركت الفتوى ليتصدى لها كل من هب وذب، لأصبحت الأمة تعيش حياة الفتن والنتشار الخرافات والطراهات ولاتخذت من الفيسبوك إماما ومرجعا وحجة.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

متى يبلغ البناء الديمقراطي تمامه؟

الشيكات المحررة بتيفيناغ الأمازيغية تمتحن الأبناك

الموسم الدراسي.. إغلاق الارتباك وجائحة فرصة الإصلاح

تابعنا على