مجتمع

نوابغ مغربية: محمد بن سليمان الرّوداني.. نَجمُ المُصنَّفات الفَلَكِية ورائد المُختَرَعات الوقْتِية

03 سبتمبر 2021 - 20:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 39: محمد بن سليمان الرّوداني.. نَـجمُ الـمُصنَّفات الـفَلَكِية ورائد الـمُختَرَعات الوقْـــتِــية

سَعِدَت حاضِرَةُ تارودانت سنة 1037 هجرية، الموافق لسنة 1628؛ بميلادِ نَـجْمِ العلوم وحكيمِ الفقهاء محمد بن سليمان الروداني، وهْيَ يومئذٍ أهم قواعد المغرب الأقصى، ومَهْد الدولة السعدية، فعاشَ سنواتٍ في ظِلال حُكم أقوى سلاطينها، وألْمع محطات انتصاراتها وتمدّداتها الإفريقية، كما عاصر لاحقاً أخطر اللّحظات والأزمات التي عَصفت بها، فكان أنْ عانى من اختلال الوضع السياسي في البلاد وتفرُّق الكلمة واندلاع الانتفاضات المحلية، وكثْرة الإمارات الحاكمة، أو ما يُطلِق عليه المؤرخون “ظاهِرة الإقليمية”، وفي ذلك الجو المشحون الذي يَطير بلُبِّ العاقل والعالم، انتحى العلامة الروداني جانبا، وواصَل انكبابه على العلوم المعارف، والتنقيب عن إرث السابقين، والنَّهْل مِن مَعين علماء تارودانت الذين عاصروه وأولائك الذين قضوا نحبهم قبل مولده.

كانت حياة مُـتَرْجمنا حافلة متوثِّبة مُتْعَـــبَةً في آنٍ، ففي كتاتيب تارودانت حَفِظَ القرآن الكريم، وتلقَّى تعليمه الأوَّلي في اللغة العربية والفقه والتفسير، كما دَرَس بالجامع الأعظم العريق في تارودانت. ويَذهب الدكتور مصطفى بن عمر إلى القول بأنَّ ابن سليمان الروداني غادَر بلدته تارودانت في سنٍّ مبكّرة جدا، منتقِلاً إلى مراكش وهو ابن 11 سنة لتلقِّي العلم، وكان هذا دخوله الأول إليها. ولما بَلغ سِن الرشد، انتقل إلى درعة، ولازَمَ أصلَحَ علمائِها وأفقههم سيدي محمد بن ناصر الدّرعي مدة أربع سنوات. وكانت له عودة إلى مراكش مرتين أخريتين. ثم ارتحل إلى سجلماسة، مركز العلوم في العصر السعدي، ومنها إلى تادلا التي كرَع من رياض شيخِها المربِّي محمد بن الحسن الدّادْسي التربيةَ والتصوّف، ولازَم الشيخَ متعبِّداً طالِباً بَــرَكَــتَهُ. صُعُداً إلى الزّاوية الدّلائية البَكْرية العريقة، التي لقِيَ بها جَمْعا من علماء الوقت، وتتلمذ على يد الشيخ الدرّاكة محمد بن محمد المرابط سيدّ قَومه في مجال اللغة والبلاغة والنحو. وعدَّد العلّامةُ محمد الحُضيكي في “طبقاته”؛ من شيوخِ العلّامة الروداني: القاضي الفاضل عبد الرحمن التمنارتي، والفقيه بلقاسم بن أحمد الهُزالي، والفقيه يحيى بن سعيد الحاحي، وشيخ الجماعة عيسى السّكتاني وغيرهم، ممن ازدهرت بفضل جهودهم الحركة العلمية والأدبية والشّرعية في الطّور الأول من عُمْرِ الدولة السّعدية. 

منذ هذه الرحلات الأُوَل؛ صارت حياة عالِم تارودانت على جَواده، مرتحلاً متنقِّلاً طالبا ومطلوبا، رحل صوبَ فاس العالِمة، حيث شاءت له الأقدار أن يلتقِيَ بمن سيكون له أعظم الأثر عليه من ناحية إتقان العلوم العقلية والمنطق، نقصد الشيخَ محمد بن سعيد الـمِـيرغتي الخصاصي. وبَعد غَيبةٍ دامت ثمانية أعوام في سبيل طلب العلم والتربية والتزكية؛ عاد إلى مسقط رأسه، ومراتع صباه مدة وجيزة، ثم ارتحل عنها ارتحاله الأخيرَ صوب مراكش، ومنها إلى المشرق العربي، مارّاً بالمغرب الأوسط (الجزائر)، حيث قضى بها نحو عامين، تلاها بدخول إفريقيةَ (تونس)، وعَبَر منها راكِباً البحر إلى عاصمة الخلافة العثمانية إسطنبول، وحدثت له هنالك حكايات ومواقِف تطرَّق لتفصيلها العلّامة أبو سالم العياشي في رحلته “ماء الموائد”، والدكتور مصطفى بن عمر المسلوتي في كتابه الصادر عن الرابطة المحمدية للعلماء بعنوان “محمد بن سليمان الروداني؛ حكيم الإسلام ومَفخرة المغرب”. 

خريطةُ تنقُّلِ العالِم ابن سليمان لم تتوقَّف في الأستانة؛ بل امتدّت جنوباً تلقاءَ مصر، فدخلها طالِباً مُلاقاة عُلماء الأزهر الشّريف ونيل الإجازات منهم، واتّجه إلى الصعيد، فتزوّج ورُزِق خَمسة أبناء، واستقرَّ مدة يسيرة من الزمن، إلى أنْ واتَــته فُرصة عُبور البحر الأحمر باتّجاه بلاد الحجاز. فدخل مكة حاجًّا، وقَصَد المدينة المنوّرة سنة 1068 هجرية، وقَطن في رواق “منعزِلاً عن النّاس لا يخرُج إلا ليلا” كما ذكر صاحِب كتاب “صَفوة من انتَشَر..”، وبَقي نسْله في مكة المكرمة إلى يومنا هذا.

بَعد مدةٍ مِن مجاوَرة الحرمين الشّريفين اللذين استحوذَا على قلبه وشُغِف بهما حُبًّا؛ زاول التدريس، واشتغل بالتصنيف والكتابة، إلى جانبِ مُزاولة بعض الأعمال اليدوية لتحصيل الكَسب ولقمة العيش. وفي مكة أيضا؛ تَولّى مهام اجتماعية وإصلاحية لفائدة شريف مكّة، إلى جانب الفتوى والإمامة. ومن شيوخه الذين أخذ عنهم في تلك الرحلة العلمية الطويلة وكان لهم بالغ التأثير في تكوين شخصيته العلمية، نذكر: أحمد بن عبد الحميد المُريد المراكشي (تـ1048 هج)، وأبو عبد الله مَعْن الأندلسي (تـ1062 هج)، وشهاب الدين القلْيوبي (تـ1069 هج)، والشيخ سُلطان بن أحمد الـمزّاحي (تـ1075 هج)، والإمام بُرهان الدِّين الميموني (تـ1079 هج)، والفقيه عبد الرحمن الزّناتي المحجوب (تـ1085 هج)..، وتقديرا لمشايخه في المغرب والمشرق وأرض الكنانة، خصَّهم لاحقا بفهرست هامٍّ وَضَعَه تحتَ عنوان “صِلة الخَلف بموصول السَّلَف”، وهو مطبوع ومحقَّق من لدن البحاثة الراحل محمد حجي رحمه الله. 

دخَل الرّوداني القسطنطينية عاصمة السلطنة العثمانية سنة 1671 وحظِيَ بمنزلة كريمة لدى النخبة السياسية والدينية بالمدينة. ثم في سنة 1081 هجرية؛ عَقَد العَزم على زيارة ثانية لإسطنبول، فمرَّ بدمشق والرّملة، قاصدا الباب العالي لوضْع شكاية ضدّ شريف مكة سعد، والمطالبة بعزله واستبداله بشريف آخر. ومكثَ سنة كاملة في ضيافة الوزير مصطفى بيك، محاطاً بالحُظوة والاهتمام من لدن العلماء والنخبة العثمانية. وتحقّق له ما أراد، فَصَدَر أمْر سلطاني بعَزل الشريف سعد وتعيين السيّد بَركات شريفا جديدا لمكة المكرّمة، وبتولية العلامة الروداني مقاليد الحرمين الشّريفين، شرع في إدخال عدة إصلاحات طالَت ميدان الوَقف والـحِسْبة والتعليم والتربية _بتنشيط الحركية التعليمية في الحرمين_، والمجال العُمراني والإداري والسِّياسي، كإصلاح القضاء والنّظارة. وكان العلامة الروداني على رأسِ الشّخصيات العلمية الرّفيعة الدّائمة الحضور في المناسبات الدِّينية والسياسية والاستقبالات الرسمية ووفود الحجّاج، وكذا المجال الاجتماعي.

إلى جانب هذا؛ عُرِف السيد الروداني بالعصامية والكفاح في سبيل العلم والعمل، والوقوف عند الحقّ والجهر به، والدّفاع عما يَعتقده صوابا، والزُّهد، والابتعاد عن الشُّهرة والتكلُّف، وكان جليلَ المكانةِ والحضورِ بين أهْل بَلده وعامة المشرق وعلماءه.

أما الجانِب العلمي في سيرة الرجل فيرتقي لمراقي النبوغ، تَشهد له بذلك مؤلَّفاته العديدة، كــ”جَمع الفوائد من جامِع الأصول ومَجْمع الزوائد”، وكتاب “الجمْع بين الكتب الخمسة والموطّأ”، و”أوائل كتب الحديث”، و”مائة حديثٍ في التّرغيب في اصطناع المعروف”، و”حاشية على تسهيل ابن مالك”، و”جدول العروض”، و”بهجة الطّلاب في العمل بالأسطرلاب”، و”تُحفة أولي الألباب في العمل بالأسطرلاب”، و”رسالة في رسْم الإسطرلاب بالهندسة في الهـيئة”، و”قلائد اللّآلي في عمل الأيام والليالي” وهي منظومة شِعرية في علم الفلك، وكتاب “تبصرة الإخوان في الهيئة”، مع تميُّز واضح ورائد في مجال الفلك، الذي أتى فيه بما فاق الإبداع _ وِفق مقاييس عصره _، يَومَ صَنَع الإسطرلاب والآلات الوقتية في جنوبِ المتوسط بالتّوازي مع انطلاق عالِـمِ الرياضيات الفرنسي باسكال في شمال المتوسط في صناعة الآلة الحاسبة. 

جَمع الرُّوداني بين العِلم والعمل، فكان يَخترع ما يَقرأ عنه ويُطبِّق النظريات التي يَـتوصّل إليها، لا سيما في الفلك. فَصنع إسطرلابات وساعات وأرباع ودوائر الأوقات وغيرها، فضْلًا عن اختراعِه للكُرة الفَلكية التي أتَى فيها بالعَجب العجاب، فَــنًّا وضَبطا وإخراجا، أطلَق عليها “الآلة الجامِعة”، “تُغني عن كُل آلةٍ تُستَعمَل في فَنَّـيْ التوقيت والهَـيئة” على حدّ تَعبير أبي سالم العياشي في الجزء الثاني من رحلتِه (ماء الموائد).

كان ابن سليمان صاحبَ ذهنية علمية فذة، اعتمَدَ النقد العلمي والمنهجي في التعاطي مع علم الفلك وتُراث العرب واليونان فيه، وانكبَّ بهمّة الباحث الشَّغوف على قراءة أعمال حكماء اليونان وفلاسفته المترجَمة إلى العربية، مع إيلاء كبيرِ العناية بــ”المعقولات”، التي كانت هي “التّخصص الدّقيق للعلّامة الرُّوداني” حسب رأي المؤرِّخ الراحل محمد حجّي.

وكعالِـمٍ مُشاركٍ بعلومه؛ لم يَـبخل ابن سليمان على الأجيال تَلقينَها طرائق اختراعة لآلة التوقيت، بل وَضَع كتابا للناس تستفيد منه عَنونه بــ”مقدّمة النافعة على الآلة الجامعة”، صدَر في طَبعته العربية لأول مرة سنة 1973 بدمشق، واعتنى به ونقله إلى الفرنسية الباحث شارل بيلا.

وتَشهد له أيضا بهذا النبوغ ألْسِنة مَن عرفوه ووصفوه في أقوالهم وكُتُبهم، فهذا محمد الصّغير الفاسي في “الـمِـنَح البادِية في الأسَانيد العالية” يصِفه بـــــ”الشَّيخ العالِـمِ، حكيم الفقهاء”، فيما رَفَعَه إلى مقام الطبقة الثانية والعشرين ضِمن أعلام المالكية المغاربة المشهودِ لهم بالكفاءة، الشيخُ محمد بن مخلوف في مرجعه المعروف “شَجرة النّور الزكية في طبقات المالكية” (انظر ترجمته في الكتاب، تحت رقم 1231). ووصفَه الأديبُ العلّامة عبد الله كنون بــ”الفيلسوف الفَلكي البارع”، وحَلَّاهُ المختار السوسي في “رجالات العلم العربي في سوس” بـــــ”مفخرة المغرب (..)، ألّف النفائس (..)، وروى عن الكبار”، وقال عنه الدكتور مصطفى المسلوتي “أنتج الكتب والمصنَّـفات، وأبدَعَ أروعَ الصَّنائع والـمخترَعات، وتَـرَك في مجالات الإصلاح كثيرا من البصَمات”، فيما خَصَّتْهُ مَوسوعة “معلمة المغرب” بترجمة في الصفحة 4466 جَمعت فيها ما تناثَر مِن تراجِم وشهادات في مصادر المغرب الوسيط والمعاصر، وكلُّها تؤكِّدُ أنّ الرُّوداني بَلغ في كثير مِن العُلوم حَدَّ البَراعة، وجَـمَع بين المنطق والفَلَك والكيمياء والحِكمة والحديث وتراجم الأعلام وعِلم الحديث والتفسير وأنواع الحساب. 

أمّا مَن تَــتَلْمَذُوا على يَديْ العلّامة الروداني فهُم أبْلَغ في الشهادة على تفوّق الرجل ونبوغه، وهُم تَلامِذةٌ كُثُرُ، يَضيق المقام عن ذِكر أسمائهم، نستحضِرُ من بَـينهم: أبو بكر الشلّي، وأحمد بن تاج الدين الدمشقي، وعبد الله بن سالم البصري، وإبراهيم الكوراني، وأحمد الحبشي، وأحمد النّخلي المكي، وإدريس بن صالح الخطيب، وخير الدّين المدني، وعبد الرحمن الفاسي، وعثمان النّحاس، وابنه الذكي النبيه محمد الروداني. وعدد آخَرُ من أشهر تلامذته النبغاء على طول الخريطة العربية الإسلامية. 

ومِن أبرز الشّخصيات التي عاصَرت والتقَتْ مَفخرة الإسلام الروداني في المشرق وحاوَرته وعَرفته عن قُرب وعرَّفَتنا بِـه؛ العلّامة الرحالة المغربي الشهير أبو سالم العياشي، الذي أكَّد لنا تضلُّع الروداني في علوم عديدة، وَوَصَفَه بــ”حكيم الإسلام”، و”أحد العلماء الأعلام”، “المتوقِّد فِـطنةً والمتوهِّج ذكاءً، والممتلئ حكمةً وإيمانا (..)، حَقَّق علم التنجيم (..) والحساب، وله قصيدة في علم التوقيت، أتقن فيها الفن غاية الإتقان”. 

في كلٍّ عِلم تراه فَرْداً ** أدْرَك آحـــــادَهُ وجَـــــــدَّدْ

إنّ الفقيهَ المستوعِبَ للمذاهبِ الأربعةِ، والمختصّ في الصناعة الحديثية، والعالم المهتمِّ بالكيمياء والفلك، والرّحالة الجوّاب للآفاق، والأديب النّاظم للأرجُوزات والقصائد، والصُّوفي الإصلاحي السَّمح؛ خَليقٌ بأنْ يَعتَزَّ به كل مُسلم، وكل مغربي، وأنْ تَفْخَر بكتاباته وجهوده التجريبية والعلمية بلاد العرب. 

أدْرَكتِ الوفاةُ ابنَ سليمانَ يوم 31 أكتوبر 1683، مغترِبا عن أرض الوطن، فدُفِن أسفل جبل قاسيون، بسوريا، كما وصّى بذلك رحمه الله. 

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

الإبراهيمي: عدم تخفيف القيود رغم تحسن الحالة الوبائية يطعن في مصداقيتنا العلمية

مجتمع

حملة طبية تستهدف 460 شخصا بضواحي أزيلال

مجتمع

عناصر الوقاية المدنية تسيطر على حريق مهول شب بمستودع قرب مطار طنجة (فيديو)

تابعنا على