منتدى القراء

خسارة العدالة والتنمية: انهيار مدبر أم مبرر ؟

19 سبتمبر 2021 - 13:05

خسر حزب العدالة و التنمية إذن، خسر بشكل لم يتوقعه أشد المتفائلين من خصوم الحزب، ولم يخطر في كوابيس أشد المتشائمين من المتعاطفين معه، لقد توقع العديدون أن يمر الحزب من عملية تخسيس ستفقده شيئا من وزنه فإذا به يفقد وزنه كاملا في العملية السياسة وفي ضربة واحدة، فعمليا مر الحزب من المرتبة الأولى بعدد قياسي من المقاعد بما فيها مقاعد مجمعة بأغلبية مريحة في مجموعة من المدن الكبرى إلى “دزينة” فقيرة من المقاعد لا تمكنه حتى من تشكيل فريق برلماني حصل عليها عن طريق البواقي مستفيدا من القاسم الانتخابي تارة ومن اللوائح الجهوية تارة أخرى، خسارة الحزب إذن ليست في الكم فقط إنما في الكيف أيضا، هذه الخسارة لطمة أفقدت بعض أبناء الحزب وبشكل طبيعي نظرا لهولها توازنهم وأيقظت البعض الآخر أخيرا، وهكذا توالت التفسيرات والأطروحات حول سبب الخسارة.

أولى الأطروحات وأبسطها: التلاعب بالنتائج والاستعمال المكثف للمال سبب الخسارة  والذين يروجون لهذه الأطروحة للأسف الشديد من الذين لم يستيقظوا بعد من أثر اللطمة أو من الذين انفصلوا عن الواقع بعد عشر سنوات من المشاركة الحكومية، والحقيقة أن التلاعب بنتائج الانتخابات في المغرب لا يكون بشكل مباشر على العموم، إنما يكون بشكل قبلي عبر تغيير في قواعد اللعبة لصالح طرف مرغوب فيه على حساب طرف آخر، والحال أن التغيير هذه المرة مر عبر قناتين أولاهما القاسم الانتخابي والذي وقف الحزب عاجزا أمام وقف تمريره، وثانيهما تنظيم الانتخابات التشريعية والجماعية في يوم واحد وهو الأمر الذي لم يرفضه الحزب، وقبل هذا وذاك، فشل الحزب بل لم يحاول حتى سحب بساط تنظيم الانتخابات من وزارة الداخلية عبر خلق لجنة مستقلة، وزارة بالمناسبة تنازل عنها الحزب طواعية وألحقها بالوزارات السيادية، أي أن من يروج لهذه الأطروحة يجب على الأقل أن يقبل أن للحزب مسؤولية فيما جرى إذا قبلنا جدلا أن هذا فعلا ما حصل.

لنعد إذن إلى سؤالنا، هل أدى تغيير قواعد اللعبة إلى خسارة العدالة و التنمية؟ يظهر من النتائج أن القاسم الانتخابي في نهاية المطاف لعب لصالح البيجيدي من حيث لم يحتسب، إنما فعلا لعبت مسألة دمج الجماعي بالتشريعي لعبتها في تقوية الأحزاب المسلحة بالأعيان والمال، إنما إذا قبلنا أن هذه النقطة بالذات ساهمت في خسارة الحزب فإنه سيكون من الصعب تحميل هذه اللعبة المسؤولية الكاملة في خسارة الحزب لأكثر من 90% من مقاعده ولا بد أن أعرج بسرعة على نقطة استعمال المال قبل المرور إلى أطروحات أكثر جدية، فاستعمال المال ثابتة في كل الانتخابات المغربية، ثابتة لم تهزم الحزب فيما سبق، بل انتصر عليها بشكل لا غبار عليه في استحقاقين متتاليين، الذي حصل هذه المرة هو أن المال عاد و انتصر لأن ما قدمه الحزب للمواطن البسيط كبديل عن المال كان أطروحة مبنية على أمل تبدد وهو ما ينقلنا إلى الأطروحة التالية: هل خذل الناخبون حزب العدالة و التنمية ؟  للإجابة عن هذا السؤال لنعد إلى الاستحقاقات السابقة ونبحث عمن صوت للحزب، الملاحظون سيتفقون أن للحزب كتلة انتخابية ثابتة تتقاسم مع الحزب مرجعيته الدينية المحافظة، ثم إن للحزب جمهور من الطبقة المتوسطة رأى فيه حزبا يمثلهم على المستوى السوسيوثقافي تحالف الطبقة المتوسطة مع الكتلة الناخبة الثابتة ساعد الحزب على اكتساح الاستحقاقات السابقة، إنما الذي حصل هو أن الحكومة الأولى مررت من القرارات التي لا تصب في مصلحة الطبقة المتوسطة على الأمد القريب ما لم تمرره حكومة فيما قبل، إنما بقيادة تواصلية رهيبة تمكن بنكيران من الحفاظ على أصوات هذه الطبقة من أجل حكومة ثانية، هذه الأخيرة التي كانت من المفترض أن تخنق التحكم، انصهرت معه، بل وفقدت بنكيران نفسه كوحش تواصلي أولا وسياسي ثانيا بشكل جعل الحزب يظهر فاشلا على كل المستويات دون أن يكون له أي تواصل حقيقي وفعال يضمن له على الأقل تثمين الإنجازات على قلتها وقليل الإخفاقات عبر تدافع سياسي كان يجيده الزعيم الأسبق وأخفق فيه العثماني وزملاءه.

إذا كان الداخل الحزبي للعدالة والتنمية كان مدركا إلى حد ما بأن أصوات الطبقة المتوسطة قد تتحول إلى خصومه أو إلى مقاطعة للعملية الانتخابية، فإنه لا يبدوا أن هناك من توقع أن تخذل الكتلة الناخبة الثابتة الحزب الذي يدافع عن مرجعيتها وأفكارها، والحقيقة أن مسألة الدفاع عن المرجعية هي من غيرت معطى ثبات الكتلة إلى متغير، فبتورط الحزب في مسألة التطبيع، في مسألة الكيف، ثم قبلهما بعجزه عن الوقوف أمام تراجع التعريب، أظهر الحزب أنه مدافع ضعيف عن القضايا الأساسية التي تهم هذه الكتلة الناخبة بمرجعية دينية محافظة، الحزب إذن خذل كتلته الناخبة بطرفيها معا قبل أن يخذله ناخبيه، بل إن عدم التصويت له لم يكن خذلانا بقدر ما كان رد فعل طبيعي على ما أظهره الحزب من عجز واستسلام على كل المستويات، الاجتماعية منها و الإيديولوجية، ولعل خذلان أبناء الحركة الإسلامية ممن آمنوا بمشروع الحزب كان أشد إيلاما على الحزب من خذلان الطبقة المتوسطة.

السؤال الذي يطرح نفسه أخيرا، هل كتبت شهادة وفاة الحزب أم أنه لا يزال هناك أمل في إعادة الثقة وكسب الحاضنة الشعبية من جديد؟ الأكيد أنه ما دامت قيادة الحزب لم تخرج من حالة الإنكار التي تعيشها اليوم عوض الانكباب على دراسة الأخطاء الجمة التي وقعت فيها في المرحلة السابقة فإن مسألة الوفاة ستكون من تحصيل حاصل، لقد تخلى الحزب عن كل أسباب نجاحه فيما سبق، واليوم لا محيد من اختيار طريق الصراحة عوض طريق التبرير، من أجل كسب معركة التغيير من داخل الداخل قبل الدخول في معركة التغيير من الداخل.

* حمزة الشرقاني / مهندس مغربي مقيم بفرنسا

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

منتدى القراء

الرد على شبهة جذور البيدوفيليا في الفقه الإسلامي

منتدى القراء

مدينة ميدلت في حاجة إلى حافلات للنقل الحضري

منتدى القراء

البلدان الغربية تتقدّم والبلدان العربيّة تتأخّر !

تابعنا على