وجهة نظر

ثلاثة تحديات كبرى لتجاوز بطء تنزيل الجهوية المتقدمة

04 أكتوبر 2021 - 19:27

بالرغم من نص دستور 2011  في فصله الأول على أن ” التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة “. وبالرغم من توفر الجهات، منذ يوليو 2015، على قانون تنظيمي متقدم مقارنة بما سبقه من قوانين، فمازال  تنزيل الجهوية المتقدمة متعثرا ببلدنا، مما جعلنا نهدر الكثير من زمن التنمية الشاملة، ولم نستطع لحد الآن تقليص التفاوتات الصارخة بين جهات المملكة. واليوم، سؤال الساعة هو: كيف للمغرب أن يتفادى مزيدا من هدر الزمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على مستوى كل جهة؟ لتحقيق التنمية الجهوية التي من دونها لن تتحقق التنمية على مستوى التراب الوطني، خاصة أن الوعود التي قدمها الحزب المتصدر للانتخابات الأخيرة عالية السقف.

وبعيدا عن المنطلقات الايديولوجية، وانطلاقا من نبض المجتمع المغربي الذي تطمح كل مكوناته إلى إحداث تغييرات ملموسة لدى المواطن(ة) البسيط(ة) في المدن والقرى والجبال والصحاري، يبدو أن هناك ثلاثة تحديات كبرى لتجاوز بطء تنزيل الجهوية المتقدمة.

التحدي الأول: حرية حقيقية للمجالس الجهوية في تدبير شؤونها واتخاذ مقراراتها وتنفيذها

ولماذا حرية حقيقية؟ الجواب، إذا كان دستور المملكة المغربية ينص على حرية المجالس الجهوية في تدبير شؤونها واتخاذ مقرراتها وتنفيذها وتتبعها، وإذا كان القانون التنظيمي للجهات يؤكد ذلك، فإن هناك من يرى أننا لم نخرج بعد من عهد ” الوصاية ” على أعمال المجالس الجهوية.

حدد دستور 2011 في بابه التاسع المبادئ الكبرى للجهوية المتقدمة بالمغرب. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار ” التدبير الحر” مبدأ من هذه المبادئ التي يتوخى منها المشرع إحداث ثورة في التدبير الجهوي، ويكمن جوهره في تمتيع الجهات بصلاحيات تسمح لها بإدارة وتدبير أمورها الإدارية والمالية، بهامش كبير من الحرية والاستقلالية والتي لا تكون فيها خاضعة للوصاية كنظام إداري مغلق بل تخضع للمراقبة الإدارية التي يحددها القانون بشكل واضح.

وفيما يتعلق بمضمون هذا المبدأ والإجراءات التي يجب اتخاذها منذ انتخاب المجالس الجهوية ليصبح قابلا للتطبيق، فإن القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14 يوضح أن تدبير الجهة لشؤونها يرتكز على مبدأ التدبير الحر الذي يخول بمقتضاه لكل جهة في حدود اختصاصاتها أمران: سلطة التداول بكيفية ديمقراطية.، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها. ويعد التصويت العلني قاعدة لاتخاذ جميع مقررات المجلس الجهوي.

ونقف عند مجموعة من التفاصيل والإجراءات المحددة في المواد من 29 إلى 34 من القانون التنظيمي للجهات، التي توضح أن المشرع يهدف من خلالها إلى جعل التدبير الحر، فعليا لا صوريا. وهو إعلان رسمي وواضح للدولة منذ يوليو 2015 عن بداية تمرين جديد في مجال التدبير الجهوي من المفروض أن يجعل كل مجلس جهوي، سيد نفسه، يتداول بحرية واستقلالية في شؤون جهته مع احترام مقتضيات النصوص القانونية والتشريعية بعيدا عن كل الإملاءات الخارجية. ويمتلك سلطة تنفيذ مقرراته ومداولاته، وتتبع إنجازات المشاريع والبرامج التي ينجزها فوق تراب الجهة.

ونعتقد أن أول اختبار حقيقي لكل مجلس جهوي فيما يخص التدبير الحر لشؤون الجهة يتمثل في قدرته على تجسيد هذا المبدأ من خلال وضعه خلال السنة الأولى من مدة انتدابه ل ” برنامج التنمية الجهوية “، والعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه، بكل حرية واستقلالية، مع احترام كل المقتضيات التي ينص عليها القانون التنظيمي للجهات في هذا الشأن.

إن واقع الحال، يؤكد أن التدبير الحر والمستقل مازال موضوع نقاش بين من يرى أن التنصيص القانوني عليه كمبدأ، مكن المجالس الجهوية من جزء من استقلاليتها ولو أنه ضيق. ومن يرى أن ” الوصاية ” على المجالس الجهوية مازالت مستمرة.  ويستدل هذا الفريق الثاني، بأن المراقبة الإدارية الموكولة تطبيقا للفصل 145 من الدستور لوالي الجهة على شرعية قرارات رئيس المجلس ومقررات مجلس الجهة، ما هي إلا وصاية على أعمال المجالس الجهوية.  كما يستدل بما وقع، ويقع، في مرحلة كورونا، حيث هناك غياب شبه تام لدور الجهات. وهو ما يدفع هذا الفريق إلى طرح مجموعة من الأسئلة منها على سبيل المثال:

– هل حالة الاستثناء، بسبب الظرفية الصعبة الناجمة عن كورونا، هي التي دفعت الحكومة السابقة إلى إصدار التوجيهات في شكل أمر بالتنفيذ بدليل أن الدوريات الوزارية الصادرة في شأن حالة الطوارئ وإعداد الميزانيات دعت السادة ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم إلى الحرص الشديد على تنفيذ مقتضياتها؟

– هل في حالة استثنائية أخرى، إذا قدر الله ذلك، سيتم إصدار توجيهات مماثلة من طرف الحكومة الموالية؟

– وإذا استمر الأمر كذلك، فما الجدوى من دسترة مبدأ التدبير الحر والتنصيص عليه في القانون التنظيمي للجهات والقانونين التنظيميين المتعلقين بالعمالات والأقاليم والجماعات؟

التحدي الثاني: تمكين الجهات من الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ المشاريع التنموية

تحتاج الجهات إلى الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريعها وبرامجها التنموية. كما تحتاج إلى العدد الكافي، كما وكيفا، من الموارد البشرية. وتحتاج أكثر إلى الاستقلالية المالية لتتمكن المجالس الجهوية من اتخاذ مقرراتها، بدون قيد أو شرط إلا فيما ينص عليه القانون.

بداية ماذا عن الموارد المالية؟ وأين المشكل؟

تتوفر الجهات على قانون تنظيمي متقدم مقارنة بما سبقه من قوانين. وأفرد هذا القانون القسم الخامس منه للنظام المالي للجهة ومصادر مواردها المالية. وفي هذا الصدد، تنص المادة 186 منه على أن الجهة تتوفر لممارسة اختصاصاتها على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية ترصدها لها الدولة، وحصيلة الاقتراضات. وبناء على المادة 187 من القانون ذاته، فتطبيقا لأحكام الفصل 141 من دستور 2011، يتعين على الدولة أن تقوم بموجب قوانين المالية برصد موارد مالية قارة وكافية للجهات، من أجل تمكينها من ممارسة الاختصاصات الذاتية الموكولة لها، بموجب أحكام هذا القانون التنظيمي، وبتحويل الموارد المالية المطابقة لممارسة الاختصاصات المنقولة إليها من الدولة .

وتطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 141 من الدستور، تنص المادة 188 من القانون التنظيمي للجهات على أن الدولة ترصد للجهات، بموجب قوانين المالية، بصفة تدريجية، نسبا محددة في: 5 بالمائة من حصيلة الضريبة على الشركات.، و 5 بالمائة من حصيلة الضريبة على الدخل.، و 20 بالمائة من حصيلة الرسم على عقود التأمين. وتضاف إلى هذه الموارد اعتمادات مالية من الميزانية العامة للدولة في أفق بلوغ سقف 10 ملايير درهم سنة 2021.

ومن بين موارد الجهة: حصيلة الضرائب أو حصص ضرائب الدولة المخصصة للجهة بمقتضى قوانين المالية، ولا سيما فيما يتعلق بالضريبة على الشركات وبالضريبة على الدخل، والرسم على عقود التأمين، طبقا لأحكام المادة السابقة الذكر (188).، حصيلة الضرائب والرسوم المأذون للجهة في تحصيلها.، حصيلة الأتاوى المحدثة.، حصيلة الاقتراضات المرخص لها(…). كما يمكن للجهة أن تستفيد من تسبيقات تقدمها لها الدولة في شكل تسهيلات مالية  في انتظار استخلاص المداخيل الواجب تحصيلها برسم الموارد الضريبية وبرسم حصتها من ضرائب الدولة.  وقد تم تحديد كيفيات تقديم منح هذه التسبيقات وتسديدها قانونيا.

لكن إذا كان المشكل في بداية الأمر، قد تعلق بتأخر كبير في إصدار المراسيم التي توضح مقتضيات القانون التنظيمي للجهات وتشرحها. وكنتيجة لذلك، لم تتمكن الجهات من إعداد ” برامج التنمية الجهوية ” التي تحدد لمدة ست سنوات  الأعمال التنموية المقرر برمجتها أو إنجازها بتراب كل جهة  في الوقت المحدد قانونيا. وهو ما ترتب عنه تأخر كبير في تنزيل الجهوية المتقدمة.

إذا كان كذلك، فإن جائحة كورونا كشفت عن نقائص وثغرات القانون التنظيمي للجهات. وعلاقة بماليتها، سجل الإعلاميون والباحثون مدى هيمنة السلطات العمومية على التدبير المالي لهذه الجائحة. وفي المقابل، سجلوا الغياب التام للتنصيص الصريح على دور الجهات( وباقي الجماعات الترابية) في هذه الظرفية. كما سجلوا ضعف الإمكانيات المالية للجهات لتدبير ومواجهة آثار كورونا. وذلك علاوة على عدم التنصيص في القانون التنظيمي للجهات على الإجراءات الكفيلة بمواجهة حالة الطوارئ، وكيفية تعبئة الموارد المالية لمواجهة مثل هذه الحالات، مما جعل تدبير الجهات للجائحة يتسم بنوع من عدم الحرفية.  ودفع البعض إلى القول، إن الجائحة كرست العلاقة المختلة بين الدولة والجهات، حيث طغت على السطح بشكل بارز أزمة الجهات إذ بقيت أدوارها وتدخلاتها في مواجهة الجائحة محتشمة، مقابل عودة قوية لتدخل الدولة المركزية في انتشار الوباء والبحث عن الحلول لتداعياته المتفاقمة.

أما عن الموارد البشرية، فإنه باختصار شديد يمكن القول إن كل جهات المملكة في حاجة ماسة إلى عدد كبير من الأطر والكفاءات العلمية لتسريع وثيرة تنزيل الجهوية المتقدمة. وهو الشرط الأساسي الذي لا يتوفر لحد الآن. ويستدعي الأمر دراسات علمية رصينة في هذا الصدد، تنطلق من تحديد الحاجيات الحقيقية من الموارد البشرية، لكل جهة على حدة.

ونقترح إحداث مديريات جهوية للتكوين والتشغيل يشرف عليها كفاءات تتميز بالنزاهة وروح المواطنة، لأن ورش الجهوية المتقدمة يفرض توفر الجهات وباقي الجماعات الترابية على الموارد البشرية ذات الكفاءة العلمية.

التحدي الثالث:  رهان الالتقائية

من بين الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الترابية باعتبارها بعدا استراتيجيا للجهوية المتقدمة: القطع النهائي مع السياسة القطاعية واعتماد السياسة الالتقائية. والالتقائية تعني، بحث الفاعلين وكل المتدخلين المعنيين بإنجاز أشغال ورش الجهوية المتقدمة في التقاطعات التي تجمع بينهم فيما يخص البرامج والمشاريع التنموية التي يرغب كل فاعل في إنجازها فوق تراب الجهة، و تبنيهم للعمل بعقلية تشاركية من أجل تحقيق التنمية الجهوية. وتعني الالتقائية كذلك تجاوز مرحلة فرض السياسات العمومية من أعلى.

ونعتقد، أن من بين الأسباب التي أدت إلى تأخر العديد من الأوراش على مستوى جل الجهات هو: ضعف الالتقائية، فكل قطاع ” يغني على ليلاه”. لكن ما يبعث عن الأمل، هو إحداث آلية جديدة لتجسيد هذه الالتقائية وهي ما يسمى: ” العقود – البرامج ” بين الجهات والدولة ممثلة بمختلف القطاعات الوزارية.

يضم ” العقد – البرنامج ” الشروط المالية والإجرائية  لضمان تنفيذ مجموع المشاريع ذات الأولوية المسطرة في برنامج التنمية الجهوية في إطار تشاركي بين الجهة المعنية والدولة. وقد تم تكليف السادة ولاة الجهات بالإشراف والسهر على تنفيذ هذه ” العقود – البرامج “.

وفي حدود علمنا، فقد تمكنت جهتان من إنهاء مسلسل المفاوضات مع القطاعات الحكومية لتمويل ” العقد – البرنامج ” المتعلق بكل منهما.  وسيمكن ذلك، من الرفع من جاذبية المجال الترابي لكل منهما وجعله أكثر تنافسية مع الجهات الأخرى وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل والتنمية.

نخلص مما تقدم إلى مجموعة من الاستنتاجات نقتصر على أهمها:

– من دون حرية المجالس الجهوية في اتخاذ مقرراتها وتنفيذها، ومن دون تحقيق الاستقلالية المالية التامة للجهات، ستتفاقم تبعية مالية الجهات للدولة. وبالتالي، لا يمكن بناء جهوية متقدمة فعلية.

– حاجة الجهات ماسة إلى الكفاءات العلمية الإدارية والقانونية والاقتصادية والمالية والتقنية. ويجب تنميتها من خلال التكوين المستمر.

– تدعيم الموارد المالية للجهات عبر مراجعة نظام جباياتها. وفي هذا الصدد، من بين توصيات اللجنة المعدة للنموذج التنموي الجديد يتعين الرفع من الموارد الذاتية للجهات ( وباقي الجماعات الترابية) من خلال تبسيط وتحسين الجبايات المحلية، وعبر اللجوء الممنهج إلى التشارك بينها بهدف الاستغلال الأمثل للوسائل وتوفير خدمات ذات جودة عالية بدعم من القطاعات التقنية التابعة للدولة.

– ضرورة  تحقيق العدالة الضريبية.

– وحسب والي بنك المغرب السيد الجواهري، هناك إصلاحات هيكلية عديدة في المغرب تحتاج التنزيل من بينها الإطار المتعلق بتوصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات.

وأخيرا، هل ستلتفت حكومة السيد أخنوش إلى هذه التحديات وغيرها، لأن تنزيل الجهوية المتقدمة هو المدخل الحقيقي للإجابة على العديد من أسئلة المواطنين في المدن والقرى والجبال والصحاري؟

وبالمقابل، أليست الحاجة ملحة إلى مجالس جهوية قوية بكفاءاتها السياسية والعلمية؟

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

“التكركير” فيه وفيه

وجهة نظر

تقارُب بالمُرٍّ مَشْرُوب

وجهة نظر

التعليم والموارد البشرية.. إصلاح يحتاج للحسم الممنطق!‎‎

تابعنا على