لنا ذاكرة

صناعة السكر في عهد السعديين.. أضخم استثمارات العصرين الوسيط والحديث بالمغرب

علاقة المغاربة بالسكر أحلى منه، خصوصا الصنف المخروطي الشكل “القالب”، فهو “البياض” و”الفأل الحسن” الذي يهدى في الأفراح والمناسبات السعيدة، وهو أيضا البلسم الذي لا تخلوا منه الأحزان، كما أن “سكر القالب” أضحى ثقافة بالبلاد منذ القرن التاسع عشر، حيث شكل أحد أركان “طقس الشاي” وبطريقة تكسيره وتهشيمه تعرف كفاءة “معلم الصينية” وتمكنه من “الصنعة”، لكن هذا الذهب الأبيض شكل أحد أقوى أعمدة الاقتصاد في عهد السعديين في القرن 16 ميلادي.

يرجح أستاذ التاريخ بجامعة وجدة، محمد استيتو، في دراسة نشرت بالعدد ال49 لمجلة “التاريخ العربي” أن قصب السكر دخل إلى بلاد المغرب عامة في البدايات الأولى للفتح الإسلامي حتى قيل إن “قصب السكر اقتفى أثر القرآن”، وعرف المغرب الأقصى خاصة، زراعة هذه النبتة في العصر الوسيط. وتم إنتاج وصناعة السكر في العصرين المرابطي والموحدي، لكن السعديين في القرن 16 اتخذوه مشروعا اقتصاديا ضخما، حيث رافق تطوره تطور الدولة، نما بنموها وأفل بانتكاستها.

مشروع استراتيجي

ويحكي مارمول كربخال، في “إفريقيا”، أن الشرفاء السعديين عملوا على توسيع مجال زراعة قصب السكر بالمغرب، وشيدوا مصانع كبرى لإنتاج السكر، “مغارس عظيمة لقصب السكر وعدد من مطاحنه”، كما عمل السعديون على بناء مدن صناعية وجلب يد عاملة متخصصة.

لقد أدرك السعديون أن الانتعاش الاقتصادي هو الذي يمهد للانتصارات العسكرية، لذلك أعطوا اهتماما كبيرا لقطاع صناعة السكر لأهميته الاستراتيجية، بل إن الدولة أممت هذا القطاع واحتكرته، فشكل في عهد السلطان المنصور الذهبي، أضخم مشروع استثماري عرفه المغرب في العصرين الوسيط والحديث.

وفي سبيل هذا المشروع استغلت الدولة السعدية مساحات زراعية كثيرة وشاسعة بمناطق خصبة ومستوية، لزراعة قصب السكر وبناء المصانع، حيث بلغت مساحة أحد الحقول بسوس 15 ألف هكتار متصلة. كما تم شق قنوات ري كثيرة ولمسافات تصل لعشرات الكيلومترات لسقي المساحات المزروعة.

وتم استخدام يد عاملة كثيرة في مصانع السكر، كانت أغلبها أجنبية تضم على الخصوص العبيد والأفارقة. ويعلق عبد العزيز الفشتالي في “مناهل الصفا” بدهشة وانبهار كبيرين على العدد الغفير للعاملين بمعصرتين بشيشاوة قائلا: “إذا ألقيت عصا التسيار بمعصرة منهما رأيت مجمع الورى وأول الحشر وقرية النمل وكورة النحل ومدرج الذر لكثرة ما ضمت من العملة وحشرت من الخلق”.

وبحسب دراسة لتوفيق محمد لقبابي، نشرت في العدد الأول لمجلة “ضفاف”، فإن عدد مصانع السكر في عهد المنصور بلغ 14 مصنعا، عشرة منها بتارودانت وأربعون بالصويرة القديمة وسيدي شيكر وشيشاوة، يقول في وصفها الفشتالي “.. شأن الخوارق الخارجة عن طوق البشر جفاء وعظمة وتوطيدا أو تشييدا، ما شئت من برك رحيبة وجفان كالجوابي وقدور راسيات ولوالب فلسفيات وحركة هندسية”.

ويتكون كل مصنع من قسم مائي يحتوي على مسقط للماء بعلو 10 أمتار تقريبا وفتحة العجلة المائية وقناة التسريب ثم الصهاريج، وقسم الآليات الذي يضم أرحية طحن وقنوات ومخازن تسريب وتجميع العصير. أما القسم الثالث فهو قاعة الطبخ، وتوجد بها أحواض وقوالب مخروطية يفرغ فيها السكر بعد طبخه ليبرد ويتصلب ويأخذ شكلها.

ودأب عمال مصانع السكر في عهد السعديين، في يناير من كل سنة، على قطع قصب السكر قطعا صغيرة وسحقه وغلي العصير الذي يستخلص منه في قدور، وإفراغه في القوالب الفخارية ثم توضع بعد ذلك في الظل حتى يتصلب، ثم يسحب المنتوج من القوالب.

مردود اقتصادي

حققت صناعة السكر بالمغرب في عهد السعديين مردودا تجاريا واقتصاديا مهما جدا، وجنت الدولة منه عائدات مهمة للغاية، إ ذ احتل مكانة مهمة في المبادلات التجارية مع الخارج، خصوصا أوروبا، إذ تمت مبادلته بمواد وسلع أجنبية، كما أنه شكل سلعة إشهارية للمغرب.

وبفضل السكر استطاع المنصور الحصول على الرخام الإيطالي لبناء قصر البديع، وفي هذا الصدد يقول محمد الصغير اليفراني في “نزهة الحادي”: “جلب له الرخام من بلاد الروم (إيطاليا خاصة)، فكان يشتريه منهم بالسكر وزنا بوزن”.

وتربعت بريطانيا على أعلى قائمة الدول المستوردة للسكر المغربي، حيث توافد التجار البرطانيون لاقتناء “الذهب الأبيض” بالإضافة إلى مواد أخرى مثل الجلود والتمور والشمع والعنبر، قبل أن يؤسسوا شركة “بلاد البربر barbary company” سنة 1589، التي حازوا بفضلها امتياز احتكار التجارة بين المغرب وبريطانيا

انتكاسة

هذه الصناعة الغذائية الرائدة ستصبح في خبر كان بعد سنوات قليلة من وفاة السلطان المنصور الذهبي سنة 1603، وذلك بسب عوامل كثيرة متداخلة، أبرزها الصراع الحاد بين أبناء المنصور للاستيلاء على الحكم، والفوضى التي خلفتها بالبلاد حيث تم تخريب عدد من معاصر قصب السكر.

كما ساهمت التحولات المناخية في اندحار هذه الصناعة، حيث اختلت التوازنات المائية بسبب استنزاف زراعة قصب السكر لهذه المادة الحيوية، كما أن اجتثاث الغابات بشكل مفرط لتوفير الأخشاب للمصانع أخل بالتوازنات البيئية. بالإضافة إلى عوامل اقتصادية تمثلت في منافسة جزر الأنتيل وأمريكا خلال الاكتشافات الجغرافية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.