وجهة نظر

لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين 1/2

17 أبريل 2022 - 11:57

 اغتيال الديمقراطية بأدوات “الديمقراطية التمثيلية”…

صارت الديمقراطية في زمننا قاب قوسين أو أدنى من فقدان جوهرها، وأول مؤشر على ذلك، هذا الإجماع المزيف حولها، فالجميع يتبجح بالديمقراطية، ولا أحد يمتلك الشجاعة الكافية ليقول أنه ليس ديمقراطيا، أو أنه في حاجة إلى أن يصبح ديمقراطيا، فلو كان الجميع كذلك لما كنا أصلا في حاجة للحديث عن هذا الموضوع، وربما لن نجد أثرا لهذا المفهوم أصلا، فلو لم يكن هناك ظلام لما كنا في حاجة للحديث عن النور، و لو لم يكن هناك استبداد وظلم لما صارت الديمقراطية رهانا وتحديا وهدفا.

نسجت تعاريف متعددة حول مفهوم الديمقراطية على مر التاريخ، جرت أنهار من الدماء، ألفت آلاف الكتب، وعقد ما لا يحصى من اللقاءات والمناظرات و المؤتمرات والبرامج، تأويلات يصعب الخروج منها بتعريف موحد، بتصور مشترك، “مفهوم واحد” بدلالات وتمثلات متنوعة قد تصل حد التناقض، فالديمقراطية عند اليساري ليست كما لدى الليبرالي أو اليميني أو القومي أو المحافظ، كل واحد يعتبر نفسه ممتلكا حصريا لمفاتيحها ويستطيع بسفسطائيته أن يثبت لك أنه الأكثر ديمقراطية متى حاججته.

تفترض الديمقراطية مساواة جميع الناس وقدرتهم على ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام وتمثيل الجماهير، وبالتالي فالمستوى التعليمي ليس محددا رئيسيا للكفاءة على حساب الأمية والجهل، فالديمقراطية بطبيعتها الإجرائية ترتبط بالكم لا بالكيف، من يأخذ أكبر عدد من الأصوات من حقه توجيه التاريخ والتنمية، هنا يتم الالتفاف على الديمقراطية من داخل آلياتها، فكيف لجاهل غير ملم بالقانون و بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان أن ينتج لنا فعلا ديمقراطيا و كيف نراهن عليه للدفع بعجلة الديمقراطية إلى الأمام؟

الجميع يعرف ما يعتري العمليات الانتخابية من فساد مالي واستغلال للدين و القبيلة، في الكثير من المجتمعات، ناهيك عن عوامل أخرى لا تفرز لنا في الكثير من الأحيان تمثيلية حقيقية للمواطنين، أو بتعبير أدق تمثيلية في صالح تحقيق تطلعات الوطن والمواطنين، كما أن نسبة المشاركة لا تهم كثيرا، فلتكن 30 أو 50 في المائة لا يهم، وهنا نكون أمام مجالس تمثل الأقلية فتشرع قوانين خارج تطلعات الأغلبية الغائبة.

إن ذلك المرشح الذي وصل إلى المؤسسات التمثيلية، من خلال استعمال المال أو الدين أو القبيلة، وجد نفسه أمام بيئة مواتية سهلت عليه عملية النصب باسم الديمقراطية، هنا يتحالف الجهل والفقر ضد ذوي الكفاءة وإرادة التغيير، لفائدة أصحاب المال و الشعبوية ودغدغة العواطف، وإفساد فلسفة التباري هو خطوة أولى في الطريق لمراكمة الثروات اعتمادا على الحصانة و استشراء الريع في بنية المؤسسات التمثيلية، وهذا في النهاية ليس سوى تحصيل حاصل لتردي القيم و التطبيع السوسيوثقافي مع الفساد و الزبونية والمحسوبية من طرف شرائح واسعة في المجتمع، حيث سنكون متحاملين على المنتخبين إذا حملناهم المسؤولية حصريا على ما يقع، لأن الأمر يتعلق بثقافة راسخة تتجسد في سلوك مختلف الأفراد الذي نراه ونتعايش معه كل يوم في شتى الفضاءات و المؤسسات، لدى مختلف الشرائح الإجتماعية والمهنية، عند الطبيب والصحافي والشرطي والجزار و المدير و التاجر والقاضي وغيره، و هؤلاء جميعا ليسوا سوى نتاجا لتنشئة اجتماعية مختلة.

لا ديمقراطية بدون ثقافية ديمقراطية…

بإمكاننا أن نتفق جميعا  أن الديمقراطية في فلسفتها نقيض للاستبداد، تتمحور أساسا حول الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون والتسامح السياسي والفكري واحترام الكرامة الإنسانية، وتهدف إلى تحقيق المساواة بين جميع المواطنين وأخذ تصوراتهم وآرائهم بعين الاعتبار وحماية الحريات الفردية والجماعية ومبادئ حقوق الإنسان. والديمقراطية في جوهرها لا ترتبط بنظام الحكم، فالدول الأكثر ديمقراطية في العالم مثل بعض الدول الاسكندنافية هي ملكيات، بينما دول أخرى تحكمها أنظمة جمهورية تتمرغ في الاستبداد.

إن ربط الديمقراطية بالقوانين والمؤسسات حصريا، هو فهم قاصر لجوهر الموضوع، ولن يؤدي إلى دمقرطة الدولة والمجتمع، لأن الأمر يتطلب شروطا أساسية أكثر أهمية، كالوعي السياسي، المستوى التعليمي، وتطور مفهوم المواطنة بإطاره القانوني، والولاء للدولة كحاضنة للجميع، وترسيخ التآلف كثقافة تطبع مواقف المواطنين تجاه بعضهم البعض في مجتمع مستقر ينعم بالطمأنينة، إن الأمر هنا يتعلق بتجاوز مرحلة التعارف والتعايش إلى إقامة علاقات ود فيما بين المواطنين من خلال تجاوز المحظورات الأيديولوجية والدينية.

إن الديمقراطية ليست قوانين نظرية، ولا معرفة تلقن، ولا شعارات تطلق على عواهنها، إنها تترسخ أساسا عبر التنشئة والتربية، فتكوين الديمقراطيين الذين سيدافعون على الديمقراطية بعد الإيمان بتفاصيلها، أولئك القادرون على تجاوز المصلحة الفردية، والانتقال إلى طموحات فردية تتماهى مع الطموح الجماعي للوطن والمواطنين، يحتاج إلى مشروع مجتمعي متكامل واستراتيجيات فعالة قد تستغرق أجيالا قبل ترسيخها في الأفراد والمؤسسات، و لا شك أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. إن بلوغ الهدف رهين بتجاوز عدد من العوائق السوسيوثقافية، كالفكر الشمولي، والأصولية الدينية، والتقوقع العرقي، و إحلال ثقافة التفاهم والاختلاف مكان العنف والإقصاء، و تخطي النزعة الذكورية والأبوية، وثقافة الشيخ والمريد، و إصلاح مناهج التربية والتعليم التقليدية القائمة على الحفظ والمرتكزة على إيديولوجيا قد تكون دينية أو قومية، بالإضافة إلى تجويد السلوك والممارسة السياسيين وتخليق الحياة العامة، ونشر الأفكار التنويرية ضد العقلية المتحجرة والفكر الأحادي.

إن مسلسل الدمقرطة في بلد ما يتطلب توفر بيئة اجتماعية وثقافية مهيأة لقبول الفكرة الديمقراطية وترجمتها إلى سلوك على أرض الواقع، حيث أنه إذا لم تتوفر ثقافة شعبية تتصف بالانفتاح والإيمان بالاختلاف، وتعترف بأن لكل فرد في المجتمع حقوقا متساوية مع غيره من المواطنين، وتجعل جميع أفراد المجتمع يتعاملون مع بعضهم البعض على هذا الأساس، فالديمقراطية التي نختزلها في المؤسسات وطريقة الحكم، ستبقى ديمقراطية صورية تخفي داخلها سلوكات و ممارسات لا ديمقراطية، تساهم في إفشال المؤسسات و الفعل الديمقراطي باستمرار.

لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا ديمقراطيين بدون تربية ديمقراطية، وهذا ما لا يمكنه نيله سوى عبر ترسيخ القيم النبيلة عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة والتعليم والإعلام، لا بد من مباشرة ثورة ثقافية، وإصلاح ديني، وتفكيك للبنى والذهنيات الموروثة والمغلقة، ويعد التنوير والإصلاح الديني شرطان ضروريان لتحقيق الديمقراطية، لأن هذه الأخيرة لن تستطيع الاستمرار في ظل هيمنة البنى الثقافية التقليدية المعادية للحريات الجماعية والفردية، مع أنها يجب أن تتعايش مع الخصوصيات الثقافية والحضارية لكل بلد، ما لم تم تكن تتعارض مع المبادئ العليا لحقوق الإنسان.

العلمانية و “التسامح المتبادل…

لا ديمقراطية بدون علمانية، لكن العلمانية مستويات، و استنساخ نموذج علماني جاهز سيؤدي إلى الدخول في متاهات لا تحمد عقباها، خصوصا حينما تكون هناك محاولات متسرعة للانتقال الميكانيكي إلى منظومة علمانية دون تأهيل المجتمع لفهم جوهرها وتقبل مبادئها، ودون أخذ خصوصياته بعين الاعتبار، لتحقيق مبدأ الاستدامة وتفادي الفتن. هنا يبقى الانتقال التدريجي السلس والمرن شرطا أساسيا لإنجاح العملية، حيث يمكن في البداية إدماج كل الأعراف والعادات والطقوس التي لا تتعارض مع المبادئ الديمقراطية، ومحاولة خلق تماهي بين متطلبات العلمانية من جهة وخصوصيات المجتمع من جهة أخرى، هنا نتحدث عن مبدأ “التبيئة”، مع الاشتغال في نفس الوقت على مقاربتين متوازيتين، الإصلاحات القانونية والدستورية، وترسيخ القيم الجديدة من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

يجب أن نرسخ الفهم الصحيح للعلمانية، فهي لا تعني معاداة العقائد والأديان، بل تساهم في الحفاظ على استقلاليتها، وتحميها من الاستغلال السياسوي، إنها لا تتعلق بالسلوك الفردي أو الإيمان الشخصي، لا تدينا ولا إلحادا، ولا صلةَ لها لا بالرِفعة أو الوضاعة الأخلاقية للإنسان، فليس للعلمانية مضمون سلوكي أو أخلاقي محدد، حيث يعتقد البعض أن للعلمانية علاقة بالإلحاد أو بممارسات بعينها يتمثلها بشكل سلبي، إنها أيضا آلية للحفاظ على قدسية العلاقة بين الفرد وربه،”من شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر”، لذلك فعلى الدولة أن تنآى بنفسها عن الخوض في هذه العلاقة، وتؤمن بمساواة جميع الأفراد باختلاف عقائدهم وألوانهم ولغاتهم وأعراقهم أمام مؤسسات الدولة، إنها تعني الفصل بين الإيمان والمواطنة، فالدين لله والوطن للجميع، والدولة الحديثة تتعامل مع المواطن على أساس ثنائية الحق والواجب، وليس مع المؤمن عبر مقاربة الحلال والحرام، وهذا المواطن حينما يتعاقد مع حزب معين فهو يفعل ذلك لتحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية و ثقافية وبيئية دنيوية، ولا ينتظر من السياسي أن يلعب دور الوساطة بينه وبين الله أو أن يعده بالجنة، لكن إنجاز هذا الانتقال لن يكون سوى تدريجيا وقد يأخذ وقتا طويلا في بعض الدول.

إننا هنا لا نتحدث عن “القطيعة” بين الدين والدولة لأنه بإمكان المؤسستين التعايش بطريقة أخرى، من خلال ما يسميه عالم الاجتماع الأمريكي ألفريد ستيبان ب”التسامح المتبادل”، فلا تسعى المؤسسات الدينية إلى السيطرة على الدولة، وتقبل بشرعيتها، وفى المقابل لا تسعى الدولة إلى السيطرة على العقائد الدينية للأفراد، وتقبل بحقها في التعبير عن أفكارها على ألا تكون محرضة على العنف والتمييز أو تهدد السيادة والأمن القومي والاستقرار. لا بد أن نشير هنا إلى أن الكثير من الدول الغربية لم تتبنى مقاربة “القطيعة” بل فضلت ذلك “التسامح المتبادل” و تلك “العلاقة الودية بين الدين والدولة”، فاعتبارا من عام 1999 أنشأت 5 من أصل 15 بلدا في الاتحاد الأوروبي وهي الدانمارك، فنلندا، اليونان، السويد، والمملكة المتحدة (انجلترا واسكتلندا) كنائس خاصة بها، فما بالك ببعض الدول التي يعتبر فيها الدين متوغلا في اللاوعي الجماعي.

في الدول الإسلامية مثلا، لا يمكن الوصول إلى العلمانية، سوى عبر إعادة النظر في مفهومها حتى تكون قابلة للتطبيق في هذا السياق، فتنامي مشكل التطرف والإرهاب مثلا يجعل من العلاقة الودية بين الدولة والمؤسسات الدينية، عامل قوة لمحاصرة هذا المد عبر مساهمة الدولة في ترسيخ نموذج ديني وسطي معتدل، كما هو الأمر بالنسبة للمغرب، حيث تلعب إمارة المؤمنين دورا محوريا في مواجهة التطرف من جهة، و في الحيلولة دون ركوب الأحزاب و مختلف التنظيمات على الدين واستغلاله في السياسة بالشكل الذي يتوافق مع أجنداتها، وربما استغلال مكانة الدين لدى الأغلبية بفهم متفاوت، لهضم حقوق الأقليات الدينية والحريات الفردية، وربما الوقوع في الطائفية المذهبية والدينية، والتدخل الخارجي عبر تنظيمات ذو امتدادات دولية (ذات توجه شيعي، سلفي، إخوان مسلمين…)، وهنا تكمن أهمية إمارة المؤمنين في ضمان الأمن الروحي والحيلولة دون التشرذم المذهبي وتداعياته على الإستقرار، والمؤمنون هنا هم المنتمون لجميع الديانات و ليس للإسلام فقط، ومن جهة أخرى فالقوانين يمكن أن تتطور بشكل تدريجي في اتجاه مساواة الجميع أمام القانون بغض النظر عن الانتماء العقدي، وتجاوز بعض القوانين المستمدة من الدين.

لا بد من إعادة النظر في مفهوم العلمانية في علاقة الدولة بالدين، فهناك دول علمانية ديمقراطية كما هناك دول علمانية غير ديمقراطية، هناك ديمقراطيات عريقة تضم كنائس راسخة، وأيضا ديمقراطيات مع “قطيعة غير ودية” بين المؤسسات الدينية والدولة، هنا تحتاج الدول إلى نماذج علمانية بشراكة ودية بين المؤسستين أو من خلال بناء التسامح المتبادل بينهما.

الانتقال الديمقراطي ومنطق التراكم…

إن مفهوم “الانتقال الديمقراطي” يعني مجمل التفاعلات والعمليات المرتبطة بالانتقال من صيغة نظام حكم غير ديمقراطي إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي، لكن كذلك من مجتمع متشبع بثقافة تقليدية ترسخ في جوانب منها التمييز والإقصاء، إلى مجتمع يتملك ثقافة ديمقراطية حداثية، ومن المعروف أنه لا يوجد شكل واحد وموحد للأنظمة الديمقراطية، بل هناك مستويات متعددة، وتعتبر عملية الانتقال الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية بما يضمن الاستقرار، عملية معقدة تستغرق فترة زمنية طويلة نسبيا، لأن الأمر لا يتعلق بانتقال ميكانيكي بل بتراكم وإنضاج عدد من الشروط ذات الطابع المؤسساتي و القانوني وتلك المرتبطة بثقافة المجتمع و”حداثته”، فالرهان هنا لا يرتكز فقط على تحقيق الانتقال الديمقراطي بشكله المؤسساتي، بل بكيفية إنجاز ذلك بهدوء وثبات، مع الحفاظ على استمرارية الدولة واستقرارها ووحدة الشعب وتقوية “التآلف” بين مختلف مكوناته، كما أن ذلك يتطلب بالموازاة مع ذلك، تراكما توعويا ومراحل عديدة حتى تقتحم “الثقافة الديمقراطية” النسيج الاجتماعي وتترسخ قيمها في وجدان أفراد المجتمع. دون أن ننسى دروس ما وقع في ليبيا وتونس، التي أثبتت عدم فعالية الاختيارات الثورية والتغيير الجذري في مجتمعات غير متشبعة بالثقافة الديمقراطية، وبالتالي فالحل الأكثر نجاعة هو التوافقات السلمية والنضال الديمقراطي والدمقرطة التدريجية مؤسساتيا ومجتمعيا.

غالبا ما نصف هذه الدولة ب”الديمقراطية” وتلك ب”غير الديمقراطية”، من خلال تمثل مقارنات لا تصح بين الدول، حيت نغفل الكثير من المعطيات والمؤشرات الأساسية في مثل هذه المقارنات، مثل ما يتعلق بسياق كل دولة على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وخصوصيات المجتمع ومدى تشبعه وقابليته لتملك القيم الديمقراطية، و الزمن  والبناء الديمقراطي الذي راكمه هذا البلد، وتماسك وصلابة إجراءات الانتقال الديمقراطي، ومدى توفر شروطه الذاتية والموضوعية لتقعيد مبادئ الديمقراطية.

فحينما نتحدث عن المغرب مثلا و نتمثل “السويد” في إطار مقارنة فورية في وعينا أو لا وعينا، فنحكم من خلالها على أوضاعنا، فهذا الأمر ليس سويا، لا بد من التحلي بالموضوعية و العقلانية والإنصاف، فالمنظومة السوسيوثقافية والسياق التاريخي مختلفان تماما، وسيرورة التطور الديمقراطي والثقافة الديمقراطية مختلفان أيضا، فإذا كانت السويد قد دونت قانون حرية الطباعة وحرية التعبير سنة 1766، قبل نسج أول دستور للبلاد سنة 1809، كإجراءات قانونية ومؤسساتية، واكبتها الدولة بإصلاح مؤسسات التنشئة الاجتماعية لترسيخ الثقافة الديمقراطية مجتمعيا، انطلاقا من 1842 حينما تم السماح لجميع الأطفال للذهاب إلى المدرسة، ثم إدخال المدارس الشعبية الإلزامية حتى يستفيد جميع الأطفال من تعليم مجاني، مرورا بمراحل ومحطات تاريخية متعددة، فنحن هنا نتحدث عن سيرورة ديمقراطية انطلقت، بشكلها الحديث، منذ قرنين من الزمن، وتمحورت بشكل أساسي على تأهيل الإنسان قيميا وثقافيا.

بينما المغرب كان قبل الحماية مجتمعا تقليديا ذو طابع قبلي وقروي في أغلبه، قبل أن يخضع للحماية الفرنسية والإسبانية والدولية (طنجة) منذ سنة 1912 إلى غاية 1956، وبعد الاستقلال الجزئي (تمت مواصلة تحرير أراضي الجنوب إلى غاية 1975)، كان هناك صراع مرير على السلطة، أدى إلى سنوات الرصاص التي عرفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، والبوادر الأولى للتحول الديمقراطي لم تظهر سوى في تسعينيات القرن الماضي، ومن جهة أخرى فالمنظومة التعليمية لم تكن بمنآى عن هذا الصراع، إننا هنا أمام تجربة للانتقال الديمقراطي لا تتعدى ربع قرن، وللحقيقة والتاريخ فالمسلسل الديمقراطي الذي انطلق فعليا سنة 1999، أتى بثمار كثيرة، و الإنجازات الكبرى لا يتجاهلها سوى الجاحد أو المصاب بعمى الألوان، أو الذي ينخرط في مقارنات مختلة تفسد منطق وسيرورة تطور الدول والمجتمعات، طبعا مع التأكيد على وقوع مد وجزر وثغرات صاحبت هذا المسلسل مما يستدعي المزيد من الجهود لتسريع التحول الديمقراطي، وتجاوز بعض مظاهر الريع والفساد والبيروقراطية في العديد من المؤسسات، وعلى رأسها الأحزاب السياسية التي فقدت ثقتها الشعبية بشكل كبير.

هنا لا بد أن نشير إلى أن بنيوية الفساد والريع كانا من بين العوائق الأساسية أمام هذا المسار، لكن بنفس أهمية وجود عوائق سوسيوثقافية تناهض التوجه نحو دولة المؤسسات والحداثة والديمقراطية والمساواة، ولن ننسى ما وقع عند الإعلان عن الإصلاح التاريخي لمدونة الأسرة و إصلاحات أخرى جوبهت بالرفض من طرف شرائح من المجتمع، لذلك قلنا منذ البداية أن الإصلاحات المؤسساتية والقانونية دون إنضاج الشرط الأساسي المتعلق بترسيخ الثقافة الديمقراطية مجتمعيا، هو فعل ميكانيكي مفروغ من مضمونه.

هنا نخرج بخلاصة مفادها، أن حديث البعض عن كون المغرب ليس بلدا ديمقراطيا من خلال إجراء مقارنات مع دول راكمت مسلسلا ديمقراطيا طويلا، أمر لا يستوي، فلكل بلد سياقه المتعلق بتراكم الإصلاحات المؤسساتية و تراكم الثقافة الديمقراطية، و كذلك بالمجهودات الهادفة إلى الخروج من الثقافة التقليدية المعادية للحريات وللديمقراطية بشكلها المعاصر. فحينما نود مقارنة دولة مع أخرى فلنأخذ هذه الشروط و هذه المعايير وأخرى لم أذكرها، بعين الإعتبار، حتى نكون أمام مقارنات منطقية، فإذا قارننا سرعة تطور الديمقراطية المغربية بطابعها المؤسساتي، سنقول بدون مواربة أن ما تحقق في 20 سنة الأخيرة، لم يتحقق خلال قرون، أوعلى الأقل خلال ما يزيد عن 40 سنة من استقلال الوطن، فالأمر يتعلق بمسار بإيجابيات كثيرة، دون إغفال وجود خروقات وتراجعات و مراحل مد وجزر، و دون تجاهل بطء الانتقال في جانبه المؤسساتي كما في جانبه المرتبط بترسيخ الثقافة الديمقراطية مجتمعيا، وهذه مهمة جماعية يجب أن تنجز انطلاقا من مقاربة تشاركية، كما يجب أن تنطلق وجوبا من إصلاح عميق لمؤسسات التنشئة الاجتماعية وعلى رأسها التعليم حتى نتمكن من بناء المواطن الديمقراطي الذي يستطيع المساهمة في تقوية المسار الديمقراطي.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

المالية العامة: الكلام المباح وغيره.. قواعد التدبير وقواعد العدالة والفرق بينهما كبير

وجهة نظر

“المنصة الرقمية للحديث النبوي الشريف” إضافة نوعية في مسار إصلاح الحقل الديني

وجهة نظر

إشكالية اللجان البرلمانية الدائمة بين السرية والعلنية

تابعنا على