مجتمع

اكتشاف جديد .. المغرب عرف أول استعمال للزيتون من قبل الإنسان العاقل قبل 100 ألف عام

20 أبريل 2022 - 07:00

تحول المغرب في العقدين الأخيرين إلى نافذة العلم على تاريخ الحضارة الإنسانية القديمة، وتوالت الاكتشافات الإيكولوجية الاستثنائية التي زعزع بعضها معتقدات راسخة في الأوساط العلمية.

فبعد اكتشاف أقدم قطع حلي في العالم يقدر عمرها بما بين 142 ألف و150 ألف عام. واكتشاف بقايا خمسة من البشر من نوع «هومو سابينس Homo Sapiens» عاشوا في شمال أفريقيا قبل 300 ألف سنة على الأقل من الآن، والتي أدت إلى إعادة كتابة التاريخ الإنساني، بإضافة 100 ألف عام أخرى لعمر العاقل، يكتشف العلماء مؤخرا أن أول استخدام للزيتون في البحر الأبيض المتوسط والقارة الأفريقية من قبل إنسان تلك الفترة كان في المغرب.

وتوصل فريق بحث دولي إلى اكتشاف أن أول استعمال لثمار وخشب الزيتون من قبل الإنسان العاقل خلال الفترة الجليدية الأخيرة يرجع إلى 100 ألف عام بمغارتي ” لمناصرة” والهرهورة 2″ نواحي العاصمة الرباط في الساحل الأطلسي للمغرب، ونشرت نتائج الدراسة بدورية “نيتشر بلانتس” (Nature Plants) بتاريخ 22 مارس/آذار الماضي، حسب الجزيرة نت.

ويتكون فريق البحث -الذي أنجز هذه الدراسة العلمية- حسب نفس المصدر، من باحثين من المغرب وفرنسا وألمانيا والنمسا، حيث عثروا على عينات من الفحم في هذين الموقعين تعود إلى العصر الحجري الوسيط العتيري، وتم تمويل هذه الأبحاث من قبل معهد الوطني لعلوم الآثار ووزارة الثقافة بالمغرب ثم متحف التاريخ الوطني بباريس.

ويقول الباحث المغربي، المشارك في الدراسة، محمد عبد الجليل الهجراوي الأستاذ بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط -للجزيرة نت- عبر البريد الإلكتروني “تتجلى أهمية هذا الاكتشاف الحالي في أن الإنسان لجأ لهذا النوع من النباتات التي تتيحها الطبيعة، واكتشف ربما قيمتها الغذائية لإيقاد النار منذ أزيد 100 ألف سنة”.

فريق البحث الذي أنجز الدراسة العلمية يتكون من باحثين من المغرب وفرنسا وألمانيا والنمسا

أول استعمال للزيتون بأفريقيا

تعتبر هذه الدراسة هي الأولى من نوعها حول اكتشاف أول استخدام للزيتون في البحر الأبيض المتوسط والقارة الأفريقية من قبل إنسان تلك الفترة. بهذا الصدد يقول الهجراوي “هذا الاكتشاف البارز يظهر لنا قدرة إنسان تلك الفترات الراسخة في القدم، وأنه كان قادرا على الإبداع والاكتشاف والابتكار والتفكير، ولا يحق لنا أن ننعته كما حدث ذلك في أكثر من محطة بالبدائي والمتهور”.

ويضيف “مما لا شك فيه أن هذا الإنسان استعمل أغصان شجر الزيتون من أجل إيقاد النار والمحافظة عليها مدة أطول وكذا زيوت الفواكه بغية المحافظة على النار لمدة أطول، وهكذا يتضح أن اكتشاف مزايا هذا الاستعمال وهذا السلوك الإنساني الذي مازال متداولا إلى يومنا هذا يرجع أصله إلى تلك العصور الغابرة”.

وأشار الهجراوي إلى أن “الإنسان بعد مروره من مرحلة الترحال إلى مرحلة الاستقرار منذ حوالي 9 آلاف سنة بات يربي الماشية ويعتني بها، وفي الوقت ذاته اكتشف الزراعة والبعض من قواعدها حتى يتسنى له الحصول على مواده النباتية التي يتغذى منها دون مشقة الرحيل والسفر ومن بينها شجرة الزيتون”.

السياق التاريخي لهذا الاكتشاف

حول هذا الانسان الذي استعمل الزيتون لأول مرة في مغارتي الرباط، يوضح الهجراوي في حديثه للجزيرة نت “كون الإنسان المسؤول عن الحضارة العتيرية هو صاحب هذا الاكتشاف، ولفهم أهمية هذا السلوك لابد من وضعه في سياقه التاريخي حتى نفهم جيدا أهميته ونتقرب أكثر من هذا الإنسان وكيف كان يعيش وكيف كان يفكر وما هو سلوكه اليومي”.

وحول الإنسان العتيري يقول إنه “عاش بمنطقة المغرب العربي ما بين 160 ألف سنة إلى حوالي 80 ألف سنة، ويعتبر إنسان مدينة تمارة أول من استعمل واستغل مميزات شجر الزيتون بأفريقيا، علاوة على ذلك فهو مكتشف الحلي منذ حوالي 140 ألف سنة، ومن بين المواقع المهمة نجد موقع بنزيمون بمنطقة الصويرة وموقع لمناصرة والمهربين والهرهورة بمنطقة الرباط-تمارة”.

كما يعتبر من بين من الأوائل الذين تفننوا وأبدعوا في تنويع تقنيات النحت وتطويع مواد أولية مختلفة (الأحجار والعظام) للحصول على أدوات مختلفة شكلا وحجما، كما سعى إلى تنويع شكل وأحجام الأفران داخل المغارة.

الحفريات التي أنجزت في هذه المغارات أوضحت وجود عدة مخلفات أثرية (الجزيرة)

وقد أوضحت الحفريات التي أنجزت في هذه المغارات وجود عدة مخلفات أثرية كالحلي المصنوعة من أصداف البحر وعددها فاق 350 قطعة وبقايا الصباغة الحمراء، وبموقع المهربين القريب منه وجدت إبر لخياطة الجلد وتعتبر الأقدم على الصعيد العالمي.

ويوضح الهجراوي أن “هذا يعني أن الإنسان العتيري كان يتزين ويعتني بهيئته وبمظهره الخارجي كارتداء الملابس والتزين بالحلي وطلاء الصباغة بهدف التباهي والزينة، وبذلك يتضح نشوء روابط معنوية ووجود رسائل مشفرة بين أفراد الجماعة وإلا ستفقد هذه القطع وهاته السلوكيات كل قيمتها المعنوية والرمزية”.

ويضيف “هذا النوع من التواصل يعد أعلى مراتب التواصل بين الإنسان إلى يومنا هذا، كما أن استعمال الصباغة يعني خلط مادتين أوليتين مختلفتين ونعني بذلك خلط الطين الطبيعي والماء ليتوصل إلى مادة ثالثة مختلفة تماما عن سابقاتها، وهذا ما يدل على أن الإنسان اكتشف المبادئ الأولية للكيمياء خلال هاته الفترات الغابرة، كما أنه قام بتدجين وترويض النار وبات قادرا على التغلب على بعض الظواهر الطبيعية”.

جمجمة الإنسان العتيري التي عثر عليها بمغارة دار السلطان نواحي مدينة الرباط (الجزيرة)

نتائج مهمة

خلال إجراء الأبحاث، واجهت فريق الدراسة تحديات كبيرة مرتبطة بعامل الوقت، ويوضح ذلك الهجراوي قائلا “لأن عملية التنقيب وإن كانت ضرورية للتوصل إلى آثار ومخلفات من سبقونا، إلا أنها تعتبر في الوقت ذاته عملية هدم لأن أي قطعة أثرية استخرجت وأزيلت من محلها الأصلي حيث تركها الإنسان منذ ما يناهز 100 ألف سنة لا يمكن إعادتها إليه، لذا يستوجب أخذ كل الاحتياطات اللازمة أثناء التنقيب حتى لا تضيع أي معلومة قد نحتاجها مستقبلا ولا يمكن استدراكها، لذلك فهاته العملية تتطلب الكثير من الوقت والحيطة والجهد”.

ومن المقرر أن يواصل فريق البحث المغربي مع نظيره الفرنسي الأبحاث الأركولوجية فيما يخص سلوك الإنسان العتيري في مغارات نواحي مدينة الرباط ومنها مغارة “لمناصرة” والهرهورة 2″ بالإضافة إلى مغارة “دار السلطان 1” ومغارة “دار السلطان 2” ومغارة “المهربين” في إطار اتفاقية جديدة.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

جمعيات النقل المدرسي بشفشاون تجمد عملها بسبب أسعار المحروقات وغياب الدعم

مجتمع

“سر مهني”.. وسم يفضح غش شركات ومؤسسات مغربية ومطالب بفتح تحقيق

مجتمع

بعد عامين من الإغلاق.. إسبانيا تقرر منح تأشيرات استثنائية لعمال سبتة القانونيين

تابعنا على