منوعات

لغة العيون .. العلم يفسر حب النظرة الأولى

من الراجح أن تكون قد عشت تجربة التقت فيها نظرتك بنظرة شخص آخر وسط عشرات الأشخاص، وتولد لديكما شعور ما تجاه بعضكما البعض. أو تكون قد شاهدت قصة سنيمائية بدأ كل شيء فيها بلحظة تبادل فيها شخصين النظرات لأول مرة. أو تكون قد سمعت قصة صديق يحكي لك كيف عاش قصة كاملة بدأت بتلك اللحظة الحاسمة.

بالطبع ليست كل النظرات تولد نفس الأحاسيس وتبني نفس القصص، فبينما تؤدي نظرات إلى بناء علاقة عاطفية تكون هي اللبنة الأولى لأسرة سعيدة، تؤدي نظرات أخرى إلى انبثاق كابوس قد يطارد المرء طوال حياته، ويبقيه في عذاب المعاناة الطويل.

الكمياء التي تولدها النظرة الأولى في أدمغتنا، أخرجها العلماء من عالم الإثارة والغموض في الثقافة الشعبية، إلى عالم التجارب والتفسير العلمي.

وتفسير الاستجابة العصبية لنظرات تولد تفاعلا اجتماعيا جاء في دراسة جديدة من “جامعة ييل” الأميركية.

وحسب العربية نت، أعطت تلك الدراسة تفسيرا علميا للاستجابة العصبية واسعة الانتشار في مناطق متعددة من الدماغ والتي تحدث عندما تلتقي أعين شخصين ويحدث بينهما تفاعل اجتماعي، سواء صداقة أو ارتباط عاطفي أو حتى شعور بعدم الارتياح، وفقًا لما نشره موقع “نيوروساينس نيوز” Neuroscience News.

وحسب نفس المصدر، قال ستيف تشانغ من “جامعة ييل”، أستاذ مساعد في علم النفس وعلم الأعصاب، وعضو معهد وو تساي ومعهد كافلي لعلم الأعصاب، وكبير الباحثين في الدراسة، إن “هناك إشارات قوية للغاية في الدماغ ترتبط بالنظرة الاجتماعية التفاعلية”.

وتم توثيق ظاهرة استخراج المعنى في النظرة بين شخصين في الفن والأدب لآلاف السنين، لكن العلماء واجهوا صعوبة في الكشف عن كيفية تحقيق الدماغ لمثل هذه العملية الفذة.

وسبق أن تم إجراء دراسات على نطاق واسع حول البيولوجيا العصبية للإدراك الاجتماعي، التي تتم عادةً عن طريق إجراء مسح لدماغ الأفراد، حيث يتم تقديمهم بصور ثابتة محددة، مثل الوجوه الغاضبة أو السعيدة أو النظرات المباشرة أو تجنب النظر إلى الآخر. ولكن، كان يصعب التعامل مع تفاعلات عقلين فرديين لأنهما يستخرجان المعلومات بشكل ديناميكي ومتبادل من أعين بعضهما بعضا.

والجديد هو أن باحثي مختبر تشانغ نجحوا في التغلب على هذه العقبة من خلال مراقبة نشاط دماغ القرود مع تتبع أوضاع العين لحيوان في نفس الوقت، مما مكّنهم من تسجيل مجموعة كبيرة من الخلايا العصبية بينما كانت الحيوانات تحدق في بعضها بشكل تلقائي.

وقال تشانغ: “إن الحيوانات كانت تشارك بشكل عفوي في التفاعلات الاجتماعية أثناء فحص الباحثين لإطلاق الأعصاب. بل وتعد النقطة الأهم هي أنه لم يتم فرض أي مهام، لذا كان الأمر متروكًا لهم ليقرروا كيف ومتى سيتفاعلون”.

نظرة من طرف واحد.. وتبادل النظرات

واكتشف الباحثون أن مجموعات محددة من الخلايا العصبية المضبوطة اجتماعيًا أطلقت عبر مناطق دماغية متعددة في أوقات مختلفة أثناء الاتصال المتبادل بالعين.

فعلى سبيل المثال، أطلقت مجموعة واحدة من الخلايا العصبية عندما بدأ أحد الأفراد الاتصال المتبادل بالعين، ولكن ليس عندما يتبع ذلك الفرد نظرة الآخر.

فيما كانت مجموعة أخرى من الخلايا العصبية نشطة عندما كانت القردة بصدد تحديد ما إذا كانت ستستكمل اتصال العين المتبادل الذي بدأه الآخر.

ومن المثير للاهتمام، عند تثبيت النظرة على فرد آخر، حددت بعض الخلايا العصبية المسافة بالنسبة إلى عيون شخص آخر، ولكن عند تلقي نظرة، أشارت مجموعة أخرى من الخلايا العصبية إلى مدى قرب الفرد الآخر.

قشرة الفص الجبهي واللوزة

وقدمت مناطق الدماغ، التي حدث فيها التنشيط العصبي، تلميحات حول كيفية تقييم الدماغ لمعنى النظرة. والمثير للدهشة أن جزءًا من الشبكة، الذي تم تنشيطه أثناء تفاعل النظرة الاجتماعية، شمل قشرة الفص الجبهي، ومقر التعلم عالي المستوى واتخاذ القرار، بالإضافة إلى اللوزة، مركز العاطفة والتقييم.

وقال تشانغ: “يتم تجنيد مناطق متعددة داخل قشرة الفص الجبهي، بالإضافة إلى اللوزة الدماغية، لحساب الجوانب الانتقائية للنظرة الاجتماعية التفاعلية، مما يشير إلى أهمية دور أكثر تأملاً أثناء تفاعل النظرة الاجتماعية”.

الترابط الاجتماعي

من المعروف أيضًا أن هذه المناطق في شبكات الفص الجبهي واللوزة، التي يتم تنشيطها أثناء معالجة تفاعل النظرة الاجتماعية، تتعطل في حالات الظروف الاجتماعية غير النمطية، مثل التوحد، مما يؤكد أهميتهما في تحقيق مشاعر الترابط الاجتماعي.

وأضاف تشانغ أن تفاعل النظرة الاجتماعية يلعب على الأرجح دورًا حاسمًا في تشكيل الترابط الاجتماعي، وربما تؤدي شبكات الفص الجبهي واللوزة إلى تحقيق ذلك، موضحًا أن “حقيقة أن الخلايا العصبية التفاعلية للنظرة الاجتماعية توجد على نطاق واسع في الدماغ تتحدث أيضًا عن الأهمية الأخلاقية لتفاعل النظرة الاجتماعية”.

رأي علم النفس والأعصاب

حسب بي بي سي عربي، توصلت دراسات عديدة إلى أن النظر مباشرة في العين يلفت الانتباه أكثر ولمدة أطول، ويجعلنا أقل إدراكا لما يجري حولنا، كما أن التقاء النظر بشكل شبه فوري يُحدث مجموعة من العمليات في الدماغ، إذ ندرك أننا بصدد ذهن شخص آخر ينظر إلينا مليا، ونتيجة لذلك نصبح أكثر وعيا بحضور هذا الشخص بذهنه ونظره، وبالمثل نصبح أكثر إدراكا لأنفسنا واحتياجاتنا.

وفي الواقع، ثبت أن مجرد النظر في لوحة زيتية تبدو عيونها شاخصة، يثير الكثير من النشاط المتعلق بالمدارك الاجتماعية في الدماغ، وهو نشاط تشهده أجزاء بالدماغ تختص بالتفكير في النفس والآخرين.

وليس غريبا أن إدراكنا أننا محط اهتمام شخص آخر يشتت انتباهنا عن سائر الأشياء، ففي دراسة أجراها مؤخرا باحثون يابانيون نظر متطوعون في فيديو لوجه ما، بينما طلب منهم في الوقت ذاته الرد على أسئلة كلامية تتطلب استحضار الفعل المناسب الذي يتوافق مع بعض الأسماء (كأن يطلب منهم الفعل الذي يرد للذهن مع كلمة “حليب”، وهو الفعل “يشرب”).

ورصد الباحثون صعوبة جمة واجهت المشاركين في استحضار الكلمات الأعقد حين بدا الوجه في الفيديو شاخصا إليهم، مقارنة بوجه لم يكن ينظر إليهم مباشرة.

ويعتقد الباحثون أن السبب هو أن لقاء الأعين – حتى بشخص غريب يظهر في شريط مسجل – يجعل الذهن ينغمس أكثر وأكثر في التفكير، مما يستنفد طاقات الإدراك.

كذلك توصل بحث مشابه إلى أن التقاء الأعين بشخص آخر يعترض أيضا عمل الذاكرة المنطوية على الاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها على المدى القصير، كما يعترض عملية التخيل في الدماغ، وكذلك القدرة على التحكم العقلي، بمعنى القدرة على استبعاد المعلومات الأقل صلة بالأمر الذي نفكر فيه.

وربما خبرت هذا الأثر دون وعي منك حين أشحت بنظرك بعيدا عن عيني شخص آخر لتركز أكثر فيما تقوله أو تفكر فيه، بل يوصي بعض علماء النفس بالنظر بعيدا لمساعدة الصغار على الإجابة بشكل أفضل على الأسئلة الموجهة إليهم.

وفضلا عن انغماس الدماغ في التفاعل الاجتماعي، أظهرت بحوث أخرى أن نظرات العين تسهم في تشكيل تصوراتنا عن الشخص الناظر؛ فمثلا كثيرا ما نعتبر الأشخاص الذين يكثرون النظر إلى عيوننا أكثر ذكاء وصدقا (أو هكذا الحال في الغرب)، ونميل أكثر لتصديق ما يقولونه.

ولكن قطعا إطالة النظر في العين قد يصيب بالضيق والحرج – ومن يحدقون طويلا ولا يكفون عن التحديق قد يعتبر سلوكهم مثيرا للريبة.

وفي دراسة جرت مؤخرا بأحد متاحف العلوم، سعى خبراء لتحديد متوسط المدة المناسبة للقاء العيون، وخلصوا إلى أن ثلاث ثوان في المتوسط تعد أمدا مناسبا. ووجدوا أيضا أن الجميع دون استثناء لم يفضلوا إطالة مدة التقاء الأعين لأكثر من تسع ثوان.

وهناك أثر آخر موثق لتبادل النظر قد يساعد في تفسير وقع لقاء العين بالعين بين شخصين وسط جمع من البشر، فقد توصلت دراسة حديثة إلى أن تبادل النظر يقود لالتقاء لحظي بين الذات والآخر، فنحن نصف الغرباء الذين التقينا بهم عينا بعين بأنهم أقرب إلينا من غيرهم، سواء من حيث الشخصية أو الشبه، وربما شعرت ذات مرة حينما كان الجميع منهمكين في الحديث أن شيئا فريدا يربطك بالشخص الآخر الذي بادلك النظر.

ولا تنتهي كيمياء تلاقي النظر عند هذا الحد، فإذا كنت قريبا بجسدك من شخص آخر، ستجد أن لقاء العين يجمعكما بشكل آخر في عملية فريدة، إذ أن حدقة العين تتسع وتضيق في نفس الوقت في أحدكما كما في الآخر، وهو ما يفسر كنوع من التماهي الاجتماعي دون وعي، أو قل “رقصة العين لا الجسد” كوصف رومانسي.

لكن مؤخرا شكك البعض في الأمر، إذ قال باحثون إن ذلك لا يعدو كونه استجابة تلقائية لاختلاف درجة لمعان العين المقابلة، فبالنظر المباشر عن قرب حين يتسع بؤبؤ العين المقابلة يزداد المشهد سوادا، فيتسع بؤبؤ عينك للسماح لمزيد من الضوء بالوصول لقاع العين.

لكن هذا لا ينفي أن يكون لاتساع بؤبؤ العين مغزى نفسي، فمنذ ستينيات القرن الماضي، إن لم يكن قبلها، درس علماء النفس عملية اتساع بؤبؤ العين من خلال تعرض الشخص للإثارة فسيولوجيا، وذلك بالاستثارة الفكرية أو الوجدانية أو الجمالية أو الجنسية، وهو ما أثار خلافا حول ما إذا كانت العيون ذات الحدقات الأوسع (والتي تعتبر أحيانا علامة على الرغبة الجنسية) يراها الناظر أكثر جاذبية.

كما أن بعض الدراسات منذ عقود، ودراسة أخرى أحدث، رجحت أن العيون ذات الحدقات الأوسع تكون أكثر جاذبية، كما نعرف أن الدماغ يتعامل تلقائيا مع اتساع حدقة عين الآخرين.

وقبل قرون من إجراء تلك البحوث، عرف الإنسان العيون الواسعة كسمة من سمات الجمال، وكانت النساء تستخدم أحيانا خلاصة نباتية لإرخاء بؤبؤ العين حتى تظهر عيونهن بشكل أكثر جاذبية (حتى عرف هذا النبات باسم “ست الحسن”).

لكن حين تنظر في عيني شخص آخر فالرسالة تتجاوز حدقة العين، فقد أشار بحث آخر حديث أن بالإمكان ترجمة انفعالات معقدة بحركة عضلات العين – سواء أرخى الشخص أجفانه أم وسع بينها.

فمثلا حين يحملنا انفعال كالاشمئزاز على تضييق عيوننا، فإن هذا التعبير يتجاوز العين إلى الوجه ليعبر للآخرين عما نشعر به من اشمئزاز.

كذلك هناك الهالات التي تحيط بالقزحية، إذ تشير بحوث حديثة لظهورها أكثر في الشباب وفي الأصحاء، وهو ما يدركه الناظر ويعده عنصرا جاذبا.

وقد تأتي كافة تلك الدراسات لتصدق قول القدماء إن العين نافذة الروح، وحين تنظر لعيني شخص آخر، فكر قليلا فربما كانت تلك النظرة أقرب ما تكون لذهن شخص آخر، أو لروحه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.