وجهة نظر

أزمة الشفافية الاقتصادية والمالية في مغربنا: أين الثروة ؟

زادت أزمة أسعار بيع البنزين من حدة السؤال حول التكلفة الحقيقية لاستيراد المحروقات و الفرق بينها و بين السعر الذي يخترق جيب المواطن بقوة ما يسمونه حقيقة الأسعار. وزادت قوة التساؤلات بعد الاجتهادات التي قام بها أساتذة و باحثون اقتصاديون و مهنيون و نقابيون لإظهار أن هناك فارق مهم بين أسعار الاستيراد و الأسعار التي تخترق جيب المواطن .

ماذا لو ردت الحكومة على ما يمكن أن تعتبره افتراء على “النية الصادقة” التي تسكنها في مجال الشفافية و تقدم الجواب الشافي لكبح كل من “سولت” له نفسه التشكيك و لو كان عضوا سابقا في لجنة برلمانية كشف اعضاؤها عن أرقام لأرباح كبيرة جدا جدا. الشفافية مطلب ملح بعد ما علمه المغاربة عن طريقة عمل مجلس المنافسة و الذي شهد تغيير رئيس برئيس و تراجع عن معاقبة مالية كبيرة كانت ستطال شركات المحروقات الوطنية و تلك التي هي فروع لشركات عالمية. بعد تقرير لجنة البرلمان و قبل حدوث الأزمة الحالية تم تعميم خبر عن أرباح تجاوزت 17 مليار درهم. و تتم الإشارة اليوم إلى أرقام تجاوزت 40 مليار درهم. و بالطبع لم تعد الميزانية العمومية تتحمل عبئ مقاصة ألغيت و لكن مجرد دعم لبعض الفئات المهنية لا توازي ملايير المداخيل الناتجة عن استيراد المحروقات من خلال الرسوم الداخلية على الاستهلاك و الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بنفس المواد.

حكومة الاسلاميين والأمية الإقتصادية

بدأت محنة القوة الشرائية حين تقلد الاسلاميون مسؤولية تدبير الشأن المالي العام. و هنا لا نتكلم عن الذمة المالية و لا عن تبذير أو استغلال لأموال تم تحصيلها من ضرائب كل المواطنين و حتى مما تأتى من استهلاك لسلع أو خدمات لأجانب على ترابنا الوطني من طرف ” غير مقيمين” حسب تعريف قواعد المحاسبة الوطنية التي تعتمد ما اتفق عليه دوليا و ما يتم التعامل به في المؤسسات الدولية و على رأسها صندوق النقد الدولي. أخذوا المفاتيح و هم على دراية سطحية بقضايا تدبير قضايا تهم مصالح طبقات اجتماعية كانت تنتظرالكثير. و اليوم يخاطب زعيم الأمس و اليوم خصومه بلغة تفتقر إلى أبسط قواعد الفهم السليم للصراع حول ” الأرزاق ” بين طبقات اجتماعية. النية في تدبير الإقتصاد ليست كالنية في العبادات . و هكذا لا زال عبد الإله بنكيران يؤذن في الناس “أن نيتي كانت سليمة ” حين ارتضيت لكم حرية الأسعار منهجا و التخلي عن المقاصة مبدأ راسخا. كل هذا و الرابحون في العلم بالربح ماضون و الخاسرون في القوة الشرائية معروفون. و هكذا لا حق لمن اتخذ القرار في الكلام عن من استفاد من قراره و هو لا يدري. و هنا يظهر الفرق بين من يدافع عن مبادىء المساواة الإجتماعية و الإقتصادية بالعلم الدنيوي و بالممارسة و بين من يوظف النوايا المسنودة بخالص الدعاء كبرنامج سياسي. اتركوا الدين علاقة صافية حقيقية و عميقة بين العبد و مولاه و تدخلوا، إن شئتم بإسم الدنيا الفانية، في كل العلاقات التي تتيح تصحيح الفوارق الإجتماعية على أرض الواقع بالفعل السياسي و ليس بالدعاء و النيات.

أصحاب المصالح وسياسة التموقع

وجد الحزب الأغلبي آنذاك نفسة في ورطة التوافقات مع من لم يكونوا من الممكن أن يتحالفوا معه. و هكذا تمت الاستجابة للحلفاء لإضعاف جبهة ممثلي النقابات. افتخرت حكومة بن كيران بخلط أوراق هذه النقابات و انقلاب بعض الوزراء عن احزابهم و انفرط بعد ذلك عقد وحدة العدالة و التنمية إلى أن تهاوت قيمتها انتخابيا كما تهاوت قبلها قيم حملتها أحزاب ودخلت مرحلة الترهل السياسي. الاختيارات لا تخرج عن فلسفة القطيعة و التموقع الطبقي مع ما يصاحبه من تليين للمواقف و توافقات مصلحية مؤقته غالبا ما يتحكم فيها من استفاد منها. و لله في خلقه شؤون. و كيف سينتهي المسار بمن يتولون الأمر العام في أيامنا الصعبة هذه. و السؤال الأصعب هو مصير الطبقة السياسية في بلادنا في ضوء التقلبات التي تؤثر على حجم الأحزاب التي تمسي على أغلبية و تصبح على اقلية تكاد تمحيها من خارطة الأحزاب.

و سيظل السؤال المؤرق لكافة مكونات الأغلبية الحكومية هو من الفاعل و من المستفيد؟

اليوم وجب الوقوف عند سؤال يقتضي الجواب عليه إعلان الانتماء الى الوطن من عدمه. نعم يجب أن نؤدي الضرائب حسب مقتضيات الدستور. و الف نعم لما أكد عليه القانون الأسمى للبلاد لمساهمة كل مواطن حسب قدرته في تمويل المرافق العمومية و الحفاظ على أمن الوطن. و لكن الفوارق الإجتماعية و المجالية تزداد اتساعا رغم كل المشاريع و البرامج. المسألة تتطلب تفعيل خلاصات النموذج التنموي في المجال تقليص الفوارق. تتغير السياسات و لا يتم تقييمها و لا يظهر لها الأثر المتنظر على أغلبية المواطنين.

قصة مصفاة المحمدية وآثارها على حاضرنا

قد تسمح الظروف في المستقبل لاكتشاف كل حيثيات عملية خوصصة لمؤسسة إستراتيجية بالنسبة للمغرب. لا سامير ولدت في السنوات الأولى للاستقلال حين حاول ” الإيطالي ماتيي ” التمرد على الشركات الأمريكية. خلقت لا سمير خلال الفترة القصيرة التي تولت فيها حكومة عبد ألله إبراهيم مهمة البدء في بناء أسس اقتصاد بلادنا. تم اغتيال الإيطالي و معه تمددت سلطة ” الأخوات السبع ” أي الشركات البترولية الكبرى و لكن بلادنا ربحت مصنعا لتكرير البترول. و جاءت موجة الخوصصة بمزاياها و مساوئها و تم بيع لاسمير إلى مستثمر في شكل نمر شرس كشر عن انيابه أثناء المفاوضات و بعدها . باعت الحكومة المؤسسة الوطنية الوحيدة في مجال تكرير البترول الخام و وافقت على شروط لا يوافق عليها إلا غافل. توقفت مصفاة المحمدية و تراكمت الديون البنكية و الجمركية على المستثمر السعودي ذي الأصول التشادية و خسر المغرب مؤسسة إستراتيجية. و رغم الخسائر و سنوات التصفية التي لم تنته بعد، لم نتمكن حتى من استغلال القدرة التخزينية للمصفاة منذ سنوات. و السبب أن مركز فض النزاعات ذات العلاقة بالاستثمار يأخذ وقتا طويلا جدا للنطق بحكمه. و هذا المركز يعطي كامل الرعاية و الحصانة للمستثمر على حساب مصالح الدول و خصوصا حين لا يتعلق الأمر بدول لها نفوذ اقتصادي و حضور في إتخاذ القرار الإقتصادي الدولي. و للعلم هناك قضايا مرفوعة أمام مركز فض النزاعات قد تكلف بلادنا تسويات تتراوح بين 25 و 17 مليار درهم. و السبب أصحاب إتخاذ القرار و الموافقة السريعة على مواد قانونية مجحفة تكبل مراجعة القوانين الداخلية في قطاع من القطاعات.

الحكاية طويلة بدأت مع خوصصة سهر عليها وزير سابق، رحل عن هذه الدنيا، كان قبل استوزاره خبيرا محاسباتيا و أصبح بعد بيع لاسامير يشتغل كمدير عام لدى المالك الجديد لمصفاة المحمدية.

و من هنا بدأ مسلسل الهفوات التي اوصلتنا إلى المرحلة الراهنة. تم تحرير الاستيراد دون الرجوع إلى الالتزامات التي تضمنتها اتفاقية الخوصصة فكشر المالك الجديد عن انيابه رغم ثقل ديونه البنكية و الجمركية. خلال كل حلقات هذا المسلسل غابت الشفافية. سكتت وزارة المالية عن متأخرات ضريبية تجاوزت 15 مليار درهم و تورطت بعض الأبناك في ملف معقد كانت تنتظر أن تجني منه أرباحا. و يظل الخاسر هو المواطن الذي خسرت خزينة بلاده مبالغ ضخمة و تقلصت أرباح الأبناك لكنها لجأت إلى تكوين مخصصات لتغطية خساءرها و و هكذا خفضت من مبلغ الضريبة على أرباحها. و الكل يعرف أن القطاع البنكي و قطاع التأمينات يؤدي ضريبة على الأرباح تصل إلى 37% في الوقت الذي يتم فيه التعامل بصفة تفضيلية مع شركات استيراد و توزيع المحروقات و شركات الاتصالات التي تظل محصورة في 31% رغم ما تجنيه من أرباح تفوق في بعض الأحيان أرباح البنوك.

قد يبدو للبعض أن هذه القراءة لموضوع أسعار المحروقات مبالغة في تحميل عبئ هذا الوضع للحكومة التي اتخذت قرار بيع منشأة صناعية لمستثمر أجنبي دون دراسة عميقة للاطار القانوني لهذه العملية و للحكومات المتتالية التي حررت الأسعار ابتغاء للمنافسة و لم تزد الطين الا بلة. و لكن الأمر يدعو إلى كثير من الواقعية في إنتظار نتائج عملية التحكيم الدولي.

الحالة التي توجد عليها سوق الطاقة تتطلب مصارحة المواطنين و وضع كل الحقائق أمامهم. البعض يتكلم عن تضارب المصالح و استفادة رئيس الحكومة من الوضع الحالي. و بدل أن يخرج زعيم الأغلبية لتوضيح الأمور و ربما إتخاذ قرار بتغيير مؤقت لبنية الضريبة الداخلية على الاستهلاك المتعلقة بالمحروقات و تخفيض الضريبة على القيمة المضافة، تتدخل وكالة المغرب العربي للأنباء لتدلي بدلوها في قضية لا تهمها و تتناقض مع شعارها التاريخي ” الخبر مقدس و التعليق حر”. من حق رئيس الحكومة أن يكون رجل أعمال ناجح و من حق المواطن أن يسأله عبر المؤسسات عن الأسباب الحقيقية التي تضعف يوميا قدرته الشرائية. بعض زعماء الأغلبية لجؤوا لخطاب يضخم نظرية المؤامرة و ينعت بعض المواطنين بالمعتوهين، لكن الأمر يجب أن يعالج في إطار الديمقراطية.

مررنا كسائر دول العالم بأزمة كوفيد و لا زلنا تحت تأثير ضغط المحيط الجيواستراتيجي على الأسواق، ولكن تمركز الثروات زاد من حدة الفوارق الإجتماعية و المجالية. و لا يمكن إلا أن أكرر بكثير من الصدق ما قاله ملك البلاد: أين الثروة؟ وعلى الحكومة أن تقدم الجواب الشافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *