وجهة نظر

الصحراء المغربية، محاولة لفهم دواعي انقلاب المواقف الدبلوماسية

سؤال الاعتراف بمغربية الصحراء وسحبه، او العكس، وفي ظرف اسبوع أحيانا فيه شقان، الشق الاول يتعلق بلعبة الاعتراف وسحبه والشق الثاني بالسرعة في الانقلاب على المواقف.
بالنسبة للسرعة في قلب المواقف هذا يسائل بالدرجة الأولى تسرع الخارجية المغربية في الإعلان عن تغيير موقف دولة معينة قبل التأكد من الحيثيات والملابسات، بل قبل استنفاذ المساطر الرسمية والمؤسساتية لاتخاذ مثل هذه المواقف، واعطي مثالا بما يروج من بلاغ لخارجية كينيا، مع التحفظ إلى أن تثبت صحته، هذا البلاغ اذا تأكد يقول بأن موقف كينيا لا يمكن أن يتغير بمجرد تدوينة على المواقع الالكترونية، في إشارة إلى ما نشره موقع الرئاسة الكينية، ويضيف البلاغ أن المواقف الدبلوماسية من هذا النوع يتم عبر القنوات الدبلوماسية، بمعنى آخر كان على الخارجية المغربية قبل الاعلان عن ذلك وحتى تتفادى هذا النوع من الفخاخ والمطبات، كان عليها ان تتريث إلى أن تتبادل وثائق رسمية بهذا الشأن مع نظيرتها الخارجية الكينية. ولا يمكن إيجاد مبرر لهذا التسرع في الاعلان بمجرد قصاصة في موقع الرئاسة، خاصة وأننا نعلم أنه في الدول التي تعتبر ديمقراطية ولو نسبيا، تكون القرارات خاضعة لتوازنات بين مؤسسات مختلفة وليس لجهة واحدة ولو كانت الرئاسة. بالإضافة إلى أن السلطة في هذا البلد توجد في مرحلة انتقالية، وقد يكون تيار الرئيس السابق الداعم للانفصال، لازال اعضاؤه يتحكمون في مفاصل الدولة، وكل هذه الاعتبارات تدعو الخارجية المغربية إلى عدم الاستعجال وإظهار رزانة أكبر حتى تتفادى الاحراج الحالي الذي قد يشكك مع الاسف في مهنيتها واحترافيتها، وقدرتها على التاكد من وثوقية الموقف والقرار الجديد وقوته من عدمها، وهذا التسرع قد يشكك في عمق معرفتها بطبيعة النظام ومراكز القوة وكيفية اتخاذ القرار فيه.

أما بالنسبة للشق الآخر المرتبط باشكالية الاعتراف وسحبه في المطلق، فتفسير ذلك يستند إلى عدة عوامل منها ما هو ايديولوجي، وما هو انتهازي نفعي قد لا يكون بالضرورة مرتبطا بمصالح الدولة بل بعمولات ورشاوى مقدمة للرؤساء والدبلوماسيين، ومنها ما هو اختراق أمني استخباراتي، الخ.

بالنسبة لكولومبيا مثلا ومعظم دول أمريكا اللاتنية الاعتراف بجمهورية تندوف الوهمية مرتبط بوصول الحركات اليسارية خاصة الراديكالية إلى سدة الحكم، وهذا ما وقع مع الرئيس الحالي الذي ينتمي لحركة M19 التي كانت مصنفة في كولومبيا نفسها حركة إرهابية.

بالنسبة للدول الافريقية هناك ما يرتبط بالابتزاز ودبلوماسية البترودولار التي تنهجها الجزائر، وقد راينا ما وقع في تونس بسبب قروض وودائع تصل إلى 300 مليون دولار، وفتح الحدود لتدفق حوالي مليوني سائح جزائري، وتزويد تونس بعشرين ألف طن من السكر رغم أن الجزائر نفسها تستورد السكر، بالإضافة إلى تصدير الغاز الطبيعي والكهرباء بأسعار تفضيلية لتونس، وما خفي أعظم. هذا مثال على شراء المواقف مقابل الصفقات والمساعدات، وقد تحدث عن ذلك وزير الخارجية التونسي الأسبق سيد أحمد ونيس انطلاقا من مشاهداته لحقائب البترودولار التي كانت توزعها الجزائر على الدبلوماسيين والسياسيين الأفارقة.

لذلك قلتها واعيدها بأن لعبة الاعترافات وسحبها، تشكل خطرا على المغرب، وستبقى تهدد مصالحه الحيوية وتستنزف جهده الدبلوماسي والاقتصادي في مواجهة الابتزاز الجزائري،  ما لم يتم طرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي. إنها مسألة ملحة واستراتيجية لأنه اذا بقي الكيان الغريب داخل الاتحاد فإن ابتزاز المغرب سيتواصل من خلال لعبة سحب الاعترافات واعادة الاعتراف وانتم ترون ما قامت به العديد من الدول الافريقية بما فيها كينيا سنة 2006 او ما قامت به دول من خارج إفريقيا مثل البيرو.

كما أن استمرار هذه الخلية السرطانية في الجسم الافريقي سيعرض الموقف المغربي لهزات دبلوماسية عنيفة مع التجمعات الدولية كما حدث مؤخرا مع قمة “تيكاد-8” او ما حدث سابقا في القمة الاوربية الافريقية او حتى في القمة العربية الافريقية سنة 2016. وهذه الهزات الدبلوماسية قد تمس مصداقية الدبلوماسية المغربية لأنها تحضر قمما وتقاطع أخرى مما قد يجعلها تناقض نفسها بنفسها.

وأخيرا يجب القول بأن معركة طرد جمهورية تندوف الوهمية من المنظمة الافريقية خطوة مهمة على طريق الحسم النهائي للنزاع في اللجنة الرابعة للامم المتحدة، والتي من دونها اي الحسم في اللجنة الرابعة سيبقى الجرح نازفا لا قدر الله، وهذا يستدعي تشميرا عن ساعد الجد من قبل الخارجية المغربية، التي مازالت مع شديد الأسف تصوت كل سنة على مشروع التوصية الجزائرية في اللجنة الرابعة بعد إدخال بعض التعديلات عليها، بدل تقديم مشروع توصية مغربية مضادة، وهذا يستلزم عملا شاقا ودؤوبا وتعبئة لأصدقاء وحلفاء المغرب واشراكهم في الخطة الدبلوماسية، ويتطلب تعبئة الجبهة الداخلية بكل قواها الحية وبكل مؤسسات الدولة، والابتعاد عن الدونكيشوطية والاقصاء، خاصة وأننا راينا مبادرة 28 دولة افريقية طالبت في قمة كيغالي بطرد جمهورية تندوف، ووقعت رسالة بهذا المعنى، ولكنها بقيت حبرا على ورق ولم نسمع بعد ذلك من وزارة خارجيتنا الموقرة حسا ولا خبر، ولا اثرا او متابعة لتلك الرسالة التي مرت عليها إلى اليوم ست سنوات بالتمام والكمال.

لذلك ينبغي الكثير من التواضع والانصات داخليا واشراك الدول الافريقية الصديقة منذ البداية في اي خطة لطرد الكيان الوهمي حتى نتفادى الانتكاسات، والقفز في الهواء.

(*)خبير في العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.