https://al3omk.com/79656.html

الوحداني “للعمق”: خيروني بين الالتحاق بالبام أو “يطحنوني”

محمد الوحداني، شخصية باعمرانية طبعت الساحة السياسية والجمعوية بسيدي إفني بكثير من الجدل، وذلك بسبب تحركاته التي بصمت عن لحظات ذات انعطافة تاريخية بعاصمة آيت باعمران، بدءً بأحداث السبت الأسود سنة 2008، ومرورا بتشكيل السكرتارية المحلية وانتهاء بترؤس المجلس البلدي لسيدي إفني، فدخول السجن بعد ذلك.

في هذه الحلقات المعنونة بـ “السر” والتي خص بها الوحداني جريدة “العمق المغربي”، نتعرف بشكل أقرب إلى شخصية الوحداني ومساره طيلة عشرين سنة من حياته، حيث يحكي عن تجربته بانتصاراتها وانكساراتها، حكايات وفاء وحكايات خيانة مقربين وأصدقاء، تقاطعت حكاية حياته مع حيواتهم.

الجزء الثامن: غادي تمشي للبام أو غادي يطحنوك

 

كان الجو رائقا، ومنحدر كولومينا يمتد على طريق منعرجة موشاة بمشهد بديع في ليلة مقمرة، تحتفل فيها العين منذ خلق الله أرض إفني، بشاطئ بحري يستقبل بدون كلل موجات صاخبة مقدسة، لا تني تستريح على ضفتي وادي عين إفني، يحرس هذا اللقاء الطبيعي سلاسل جبال منيعة، يكللها كل ليلة ضباب أبيض كأنه تاج من كنز عريق لا يراه إلا الراسخون في العبور إلى المدن البعيدة.

وعلى الضفة الأخرى كان هناك من يحرق ويضرم ويشعل بلا رحمة كل هذه الجنة! قمت ناهضا من بعض حصير وغطاء كنت مستلقيا عليه في زنزانة كوميسارية إفني، العتمة، ونتانة القفص تحبس الأنفاس. أحسست حجم الكارثة التي تخنق صدري حد القهرة والحكرة، تأوهت حبيسا وأنا أضع رأسي المنهكة على قضبان الباب. من يحب شيئا ما كيفما كان لا يمكن أن يشعل فيه النار! عادت به الذاكرة لبرهة إلى الصور المريعة التي أرانيها الكوميسيرين طارق والمسعودي، عشرات قنينات الغاز المشتعلة التي كانت ستفجر إفني على من فيها، أي عاقل أو منطق سيقبل هذا التهور؟!! مجرم من أشعلها ومجرم من استفز شبابا في مقتبل العمر فقد بوصلة الأمل والثقة في الله والمستقبل.

لايمكن لمن يعشق إفني أن يفجرها أو يشعل النار فيها، كنا نخرج بعشرات الألوف متظاهرين! كنا في قمة السلمية والتحضر، أبدا لم نكن نقلق راحة وردة، أو هدوء جدار، أو حتى حفيف غصن، أو جريد النخل الموزع على طول شوارع المدينة، التي كنا نجوبها نحن أبناء إفني والقادمون من وفود قبائل آيت باعمران، وأبناؤنا من الصحراء وباقي مدن مغربنا وأصقاع العالم.

كنا مضرب العبرة في السلم والتحضر… ماذا وقع؟. لا يمكن لأي موظف أمني أو مسؤول، يتوفر على أدنى ذرة وطنية وخوف من الله وحب لهذا الوطن أن يصدر أمرا باستفزاز يافعين، أو ينفذ هذا الأمر، كل ما وقع كان بتدبير وتآمر محكمين، بين لوبيات انتخابية، وبعض موظفي العمالة، وضعيفي الضمير في أجهزة أمنية، وأطفال تم توجيههم من جهة ما…!، وإستفزازهم عبر قوات نظامية لا تفقه في السياسة وعفنها ومصالحها، تتقن فقط تنفيذ أوامر مشتراة بحساب “كيف تسرق وتنهب المال العام” بعض الموظفين والمسؤولين كان يشكل عودتي إلى كرسي الرئاسة بالنسبة لهم إزعاجا وحاجزا أمام مصالحهم، واللوبيات الانتخابية الفاسدة والعقارية خصوصا.

كانت مشاركتي في الانتخابات هاجسا يهدد تواجدهم ومصالحهم، فقد خبروني مناضلا ورئيسا، فقد فتحت ملف عقارات الحي الصناعي الذي تفرض بنود دفتر تحملاته شرط العامين لمباشرة أشغال بناء وحداته الصناعية، أو استعادة البلدية لأرض الشعب، وقد بيع المتر الواحد بثمن تحفيزي (درهم واحد) في مدينة يتراوح فيها ثمن بيع المتر من الأرض، مابين 3000 درهم و9000 درهم، ومضى مايقارب الربع قرن ولم يتم بناء إلا وحدتين من أصل مايقارب 50 وحدة صناعية، لم يتجرأ أي رئيس على فتح هذا الملف، خوفا من تبعات مواجهة المستفيدين الذين يشكلون أسماء معروفة ونافذة، وأخطبوط علاقات مصالح على الصعيد الوطني!

تحملت مسؤوليتي كاملة، وراسلت المعنيين وتوصل أغلبهم بإخبار عزم البلدية استرداد أملاكها …. تذكرت كيف استدعاني العامل السابق ماماي على عجل إلى مكتبه، وقال لي: والرايس واش عرفتي آش فتحتي، هادو را قادرين يفتحو علينا بجوج باب جهنم! ويقدروا يعزلونا بجوج، الله يجازيك بخير سد هاد الملف، وديها في الجرادي والضو وداكشي الأخر… نظرت مليا ثم قلت له: السيد العامل، هل تتذكر الحرب التي خضتها من أجل استعادة الملف القانوني لوثائق الحي الصناعي التابع لبلدية إفني، وكان موضوع مراسلات لكم وللسيد وزير الداخلية، وموضوع نقاش معه في الرباط، حول غرابة أن يكون الحي الصناعي ملكا بلديا لإفني ووثائقه في عمالة تزنيت، وإفني عمالة مستقلة إداريا! واستطعت بفضل الله استرداد هذا الملف بعد أن هددت بتقديم استقالتي، واليوم ها أنا ذا أقول لك رسميا: أنا ابن تاريخ يموت فيه الفرد من أجل الأرض، إما أن أباشر هذا الملف وإما أنني سأعتصم في الحي الصناعي حتى الموت، ثم خرجت من مكتبه، وبدأنا بمباشرة هذا الملف، وبدأت التهديدات من أطراف عديدة، وبدأت البلدية باستعادة عقارات تساوي الملايير، وبنيت فيها مؤسسات عامة بدل أن تكون مصدر مضاربات عقارية يستفيد منها فقط شخصان أو ثلاثة… لم يتركوا أرضا عامة إلا ونهبوها بحرا وبرا ووادا وجبلا.

فبني بشراكة مع البلدية أكبر وحدة لتثمين أكناري في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وثاني أكبر معهد للتكوين المهني في الجنوب، ووحدة لمنتوجات فواكه البحر، ومعهد الصيد البحري، وبدأنا المساطر القانونية عبر المحامي لفسخ عقد باقي مستغلي بقع الحي الصناعي. وبدأت مسطرة فسخ عقدة استغلال المسبح البلدي وراسلت مكتريه وأعلمته بفسخ العقدة تطبيقا لشروطها التي خالفها مخالفة تامة، ورفعت قضية إفراغ في عقارات بلدية يقطنها رجال سلطة غادروا إفني منذ سنوات ومازالو يستغلون منازل وظيفية وضعت رهن إشارتهم… واكتشفت أهوالا ومصائب في الملف العقاري بإفني، عدت إلى مكاني وجلست أسترد أنفاسي، تذكرت جيدا تهديدات هذا اللوبي وأنه مستعد إما للتفاوض معي حول تراجعي عن مواصلتي استرجاع أملاك البلدية، وفتح الملف العقاري بالمنطقة، إذ باشرت عقد اجتماعات حول خروقات استغلال ونهب الملك العام والخاص البلدي والبحري والمخزني… أو أنه سيتم تصفيتي، وسيجدون من سيقبل أن يشتري من أعضاء المجلس البلدي.

وهذا ماكان إذ تم شراء ذمم أعضاء كثر، وفقدت أغلبيتي، وكانوا يقولون لي بطرق عديدة سنشتري النيابة العامة والشرطة القضائية، وحتى عامل الإقليم… وسهل علينا أن نورطك بمساعدتهم في أي ملف، وسنحسم هذه المعركة لصالحنا، كان أطراف كثيرة من هذا اللوبي منتمون لبعض الأحزاب التي حاولت استقطابي، في تلك اللحظة تذكرت مكالمة هاتفية لأحدهم قال لي حينما ستعزم السفر إلى أكادير أو كلميم أخبرني قبلها بأيام عندي رسالة ضرورية أريد أن أبلغها لك.

المكالمة: والرايس الله يهديك را فتحت أبواب وجبهات واعرة وخطيرة كبيرة بزاااف. وقتما بغيتي تسافر لكلميم أو أكادير أخبرني بأيام قبل. عندي جوج كلمات فيها مصلحتك.

أخبرت المتصل بيوم سفري إلى أكادير وحددنا موعدا للقاء. وحين التقينا قال لي في آخر كلامه: شوف اسي الوحداني، هادوا را داروك في الراس تاع الجباد. المجلس الأعلى للحسابات كاين من 1979 ماعمروا جا لإفني، أنت جاك جوج مرات دابا الفرع تاعو في أكادير وجاتك لجنة تاع التفتيش تاع المالية، دابا عندي أخبار مؤكدة بأنه را غادي تجيك لجنة تاع تفتيش مركزية، موجهة من طرف حزب تاع البام، وهادي جاية باش تسد عليك، الحل الوحيد اللي عندك هو تمشي لحزب الأصالة والمعاصرة، ونزيدك أكثر إلياس العماري باغي آيت باعمران بأي طريقة باش استعرض عضلاتو على القصر، وبأنه را عندو موقع قدم وازن، من المواقع المتوترة في الصحراء، ومادام فشل في خلق موقع سياسي مع الركيبات في العيون. خاصو بأي طريقة إشد إفني، لأن الصحراء من خلالها كتلوا يد الدولة العميقة. وأنا كنقول لك إما غادي تمشي للبام أو غادي يطحنوك نيشان.

نظرت إليه مليا، وباستغراب ثم رددت عليه: أوا إلى كان الياس أو البام هوما اللي كيكتبوا الأقدار وكيحددوا لعمر وكيخلعوا الناس وكيرهبوا العباد بعقلية المافيات، أنا لست إلا الوحداني محمد الإنسان البسيط، ولكني أومن بأنهم رجال ونحن رجال، أنا لا أخاف إلا الله ولا أنحني إلا لله، وقل لمن قال لك تخلعني: أن الوحداني من طينة من الخلق هاد الأسلوب ماكياكل معاه، وأنني ماكنتخلع وأنه لا يهمني أن أموت أو أسجن، والله إن الدنيا بما فيها لا تساوي عندي جناح بعوضة، مرحبا بالموت، ومرحبا بالسجن، (وقد كان هذا هو عنوان رسالة وجهتها للملك فيما بعد أخبره فيها كولي للأمر سنقف نحن وإياه يوما ما جميعا أمام الله، أن هناك بعض من مسؤولي هذه الدولة يرهبون ويهددون المواطنين الشرفاء). جاءت اللجنة وقضت في إفني مايقارب نصف الشهر! لم تترك صغيرة أو كبيرة إلا وأحصتها، حفرت الشوارع والأرصفة، وتسلقت أعمدة الكهرباء، وزارت المنازل والأوراش والتجزئات، حتى الكراسي والوسائد لم تنج منها.

تمددت على حصير أرضية كوميسارية إفني الباردة، أحسست بلفحات برد ديسمبر الباردة، تلك اللحظة تذكرت أبي المريض وأمي التي أتعبها العمر، كيف سيكون حالهما، بالتأكيد لن يناما! من أجل الحق، والعدل والنزاهة والخوف من الله، من أجل فقراء هذا الوطن ومظلوميه أعذبهما كل مرة، اعتبرت كما دائما أن مايقع هو ابتلاء رباني، وكما كنت أصمد والله يشهد في وجه كل إغراءات المناصب والأموال، التي لو عرض نصفها أو أقل بكثير على كثيرين ماصمدوا ولو قليلا. والله يشهد أنني كنت استفرد بنفسي مرات وأبكي ملأ الدمع وأقول لي في خلوتي: يامحمد كيف ستلقى الله وأنت كل مرة تفرض عليهما هذا العذاب في أرذل عمرهما؟ أبي يقارب الثمانين وأمي على مشارف السبعين. من سجن لسجن، وها أنت مرة تعذبهما، أحاول أن أهدئ من روعي وأقول لها: إنك تدافع عن الحق، والحق هو الله. وفي الوقت ذاته أقول لنفسي: يامحمد هل قمت بواجبك كاملا اتجاه الفقراء والمظلومين والجياع.

تنفست الصعداء، تأكدت من أن حذري لم يرد قضائي. نجحت اللوبيات في توريطي في ملف لا علاقة لي به، كنت بالرغم من كل حيطتي وانتباهي غبيا هذه المرة وكثيرا. أعطيتهم فرصة من ذهب كي ينتقموا مني، ويصفوا حساباتهم معي… التهديدات كانت متواصلة وباستمرار، والرسائل المشفرة كانت تتوارد من كل الجهات، وبالرغم من كل ذلك استهنت بالأمر! وصل بهم الأمر إلى حد أن حاولوا قتلي ومع ذلك كنت أتصرف في أغلب الأحيان ببساطة غير المهتم بالأمر، حينها تذكرت حادثة السير المفبركة لي في رمضان 2014، منذ صبيحة أحد أيام شهر يوليوز ذلك العام، ونحن نستعد لاستقبال الأخ سعيد بولحليب معتقل ماعرف أيامها بمعركة احتجاج المارشي سنترال، وبعد جولة في أنحاء المدينة، توجهنا إلى منزله في حي بولعلام حيث أقامت عائلته حفل استقبال وفطور جماعي، وحينما وصلنا إلى باب داره، انتحيت جانبا بسيارتي في أحد الأزقة المهجورة، تفاديا لأي إعاقة مرورية، ﻹنني نويت أن أغادر بعد الفطور، كي أصلي العشاء والتراويح في مسجد ودادية الفتح.

تأخرنا قليلا خصوصا وأن الجمع أصر على أن ألقي كلمة في هذا الحفل، غادرت مسرعا لأن المؤذن كان قد أذن لصلاة العشاء، كان برفقتي خديجة زيان وعبدالله بدوي، طلبا مني إيصالهما إلى جانب مسجد بولعلام حيث تسكن زيان وحيث سيصلي عبد الله. كان الزقاق غاصا بالمتوجهين إلى الصلاة، وكنت أسوق على مهل، طلب مني بدوي أن اتوقف قبل باب المسجد كي يدخل إلى المكان المخصص للوضوء، ووضعته هناك بسرعة، لم أنتبه للفرامل خصوصا وأن سرعة السيارة كانت قليلة جدا. انطلقت استدرت جهة اليسار قبل أن تنزل خديجة، قلتها إذا توقفت هنا أكثر سأتأخر على الصلاة في مسجد الودادية، خصوصا وأنه علي أن أسلم على المارين. سأقلك بمحاذاة محل جزارة مولاي الحسن، ولكني حينما وصلت هناك، وأردت أن أتوقف، وجدت الفرامل لا تعمل!

لحظتها تذكرت بسرعة خاطفة، واقعتين استغربت لهما حينها، حينما كنا على مائدة الفطور، وجاءتني عفويا ابنة الجامعي، طفلة في السادسة من عمرها وهمست في أذني آية قرآنية: وله معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله… وحينما كنا نغادر قاعة المأدبة، قلت لخديجة زيان ولعبد الله بدوي: هاد الرش والتفاعل تاع اليوم كثير بزاف، بحال إلى كيتودعوا معيا آيت باعمران.

لم أتوقف حيث كان محددا، فقالت لي: زدت عليا الطريق را دارنا حدا الجامع آلرايس! لم أجبها، حاولت مرات أن أقف، لا استجابة مطلقا للفرامل، حينما اقتربنا من علامات أضواء المرور المتواجدة بالقرب من دار مبارك أوجامع، قلت لها: الله يحد الباس الفران مقطوع… قلت لنفسي وأنا أحاول أن أتوقف بأي طريقة: اللهم المخزن ولا هاد اللوبيات تاع هاد البلاد. المخزن يعزلك أو يصيفطك للحبس، أصحاب المصالح الفاسدة يقطعوا ليك الفران أو يضربك شي تران.

مرت حافلة الستيام بسرعة خاطفة في تقاطع شارع ابن سينا وشارع الكوميسارية، وكان ذلك من ألطاف الله! ومررنا نحن بعدها، لوكان حدث وارتطمنا مع بعضنا لكانت النهاية.

على مسافة أمتار من مسجد بلاستيكي مؤقت يصلي فيه مصلو الجامع الكبير الذي كان يرمم وقتها، كانت أفواج من الناس متجهة إلى الصلاة إن وصلت إليهم بالتأكيد سأدهس خلقا كثيرا منهم، رأيت سيارة من نوع لاندروفير واقفة بجانب منزل عائلة المرحوم بشرى، فقررت أن استعمل فرامل اليد وإذا حدث واراد الله ستوقف مؤخرة لاندروفير سيارتي، فدارت السيارة مثل ورقة تذروها الريح، وألطاف الرب، لتتوقف بعد جهد على مشارف باب منزل أهل بشرى، وقد تهشمت الجهة اليسرى للسيارة بشكل مريع، حيث كنت جالسا، ولكني ولله الحمد لم أصب بمكروه مجرد خدش في يدي، من رأى السيارة وحالها لا يمكن أن يشك وللحظة أنني كنت سأخرج سالما… في ظلمة ذلك الزقاق المعزول حيث تركت السيارة لوحدها، لعبت يد ما في الفرامل، في وقت فطور رمضاني تكون الأزقة خالية على عروشها … الفاسدة.

يتبع …

هذه المادة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “العمق المغربي”.

تعليقات الزوّار (0)