العمق الرياضي، سياسة

عندما أوقفت “الفيفا” منتخب المغرب بسبب دعمه للجزائر.. باحثون يناقشون علاقة الكرة بالسياسة

سلط باحثون بالناظور، الأسبوع المنصرم، الضوء على لعبة كرة القدم وتوظيفاتها في مجال السياسة من طرف السلطة والسياسيين على حد سواء.

وتطرقت مداخلات الأساتذة الباحثين، في ندوة دولية في موضوع “كرة القدم والسياسة”، نظمتها الكلية متعددة التخصصات بالناظور يومي 21 و22 دجنبر، إلى محاور متنوعة حاولت ملامسة الأبعاد التي تثيرها علاقة كرة القدم والسياسة وطنيا ودوليا.

ولامست مداخلات الأساتذة الباحثين، جوانب عدة للاستخدام السياسي لكرة القدم، عبر التاريخ، انطلاقا من علاقة الكرة بمناهضة الاستعمار.

 

وتناول الصحفي والباحث في التاريخ، رشيد اشريت، الدور التحريري الذي لعبته كرة القدم في مناهضة الاستعمار والديكتاتورية في بعض البلدان، مركزا على تجربتين في هذا الصدد، وهما فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري بين 1958 و1963، والتجربة البرازيلية أو “ديموقراطية كُرينتنس” بين 1981 و1984.

النموذج الأول تمثله تجربة فريق جبهة التحرير الوطني بالجزائر لكرة القدم، حيث تم تكوين الفريق من أجل التعريف بالقضية الجزائرية والثورة ضد المستعمر الفرنسي.

فقد تم تأسيس الفريق بناء على قاعدة من المحترفين مستعينة بالمحترفين الجزائريين بفرنسا، حيث لبوا نداء الثورة والتحقوا خلسة بتونس التي كانت مقر الفريق، كما تسببت في توقيف عضوية المغرب لمدة سنة، للعبه ضد منتخب جبهة التحرير الجزائرية.

وعلى الصعيد الوطني، تطرق أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس أمين السعيد، إلى ظاهرة برزت بشكل جلي في السنوات الأخيرة في مجال كرة القدم الوطنية، وهي ظاهرة هيمنة ”رجال السياسة” على إدارة وتدبير الأجهزة المسيرة للفرق الرياضية.

وقدم نماذج أندية يرأسها سياسيون، مشيرا إلى إقدام بعض الأحزاب على الانخراط أو اختراق بعض المكاتب المسيرة للفرق الرياضية واستمالة الجماهير المشجعة لها، ومن ثمة تركيز الجهود على الفئات المشجعة والتواصل معها وتعبئتها ولو بشكل غير مباشر، في ظل ظهور ثقافة شعبية معادية للفعل الحزبي الذي أضحى عاجزا عن إنتاج خطاب حزبي مغرٍ ومقنع ومقبول.

ويرى أمين السعيد، أن الأحزاب السياسية لا يمكن لها أن تؤطر المجتمع وفئات الشباب دون اقتحام الفضاء الرياضي بما فيه أندية كرة القدم وباقي التخصصات الرياضية، كما أن التحولات التي عرفتها الرياضة تجعل المؤسسة الحزبية منخرطة في قلب تجاذباتها.

وأشار إلى أن الشعارات التي ترفع داخل المدرجات؛ هي في جوهرها مطالب ذات بعد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي (نموذج أغنية فبلادي ظلموني على سبيل المثال)، وتعبر عن انشغالات الشباب وتحتاج لتدخل الفاعل السياسي قصد التجاوب معها أو معرفتها وتحديد موقف سياسي منها.

وفي نفس الإطار، يرى الأستاذ محمد أبركان أستاذ بكلية الناظور، أن كرة القدم أصبحت توظف من قبل النخب الحزبية كوسيلة للاختراق والتجدر والاستقطاب والتعبئة، في أوساط الجماهير الكروية لتحويلها إلى قاعدة انتخابية واستمالتها للمشاركة في العملية الانتخابية.

ويرى الباحثون، أن هذا الاستثمار السياسي في مجال رياضة كرة القدم، بأسلوب مبالغ فيه وبشكل ظرفي وعرضاني يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، في إفساد العلاقة بين المواطنين وهذه النخب الحزبية.

ووفق المتدخلين أيضا، فإن الحضور السياسي لكرة القدم لا يقتصر على المجال الوطني وإنما يمتد إلى العلاقات الدولية.

وفي هذا الإطار تناول عبد العزيز أقلالوش أستاذ القانون العام بكلية الناظور، قراءة في الأبعاد الجيوسياسية لكرة القدم.

وأشار إلى أنه مع بداية الألفية الثالثة، تزايد ارتباط مفهوم القوة الناعمة بكرة القدم، بعدما تجلت أهمية استضافة الأحداث الرياضية الكبرى في كونها تجلب معها اهتماماً إعلامياً عالمياً غير مسبوق، تكون معه الدولة المستضيفة منصة تتجه إليها الأنظار بشكل يتيح لها الظهور على الخريطة الجيوسياسية ويعزز مكانتها في المحافل الدولية.

وشدد على أن كرة القدم تحولت من مجرد قطعة جلد منفوخة يركلها اللاعبون لتحقيق الفرجة والتسلية، لتصبح قوة جيوسياسية لا يستهان بها وإحدى الأدوات القوية في الدبلوماسية الدولية.

كما أكد الباحث الحسن أشهبار القوة الناعمة لكرة القدم في مجال العلاقات الدولية إذ إن الرياضة المعاصرة تتصف بعدة خصوصيات تجعل منها مرتعا خصبا للقوة الناعمة، وهي: الشعبية، التغطية الإعلامية الواسعة، الكونية.

واعتبر أن الكرة تتخطى الحدود،وتعبئ الأفراد، خاصة الشباب منهم، الشيء الذي يدفع بالدول إلى أخذها بعين الاعتبار في استراتيجيات التواصل والتأثيرات الخاصة بها، ومحاولة توظيفها سياسيا بغية تحقيق مجموعة من المآرب.

هذا ولم يفوت الأستاذ محمد الرضواني، مدير مختبر الدراسات القانونية والسياسية لدول البحر الأبيض المتوسط، تسليط الضوء على إنجاز المنتخب المغربي في مونديال قطر في مداخلته المعنونة بـ”كرة القدم وسؤال الاعتراف”.

واعتبر أن هذا الإنجاز يعد أفضل تعبير خارجي على الانجازات التي حققها المغرب والإصلاحات التي اعتمدها خلال عشرين سنة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والرياضي.

وذهب إلى أن دلالات وتأثيرات الانتصار المغربي في كأس العالم امتدت إلى مجالات عدة؛ لعل أهمها أن القدرة على الانجاز والرغبة فيه أصبحت من الممكنات وطنيا وأصبح سقف الانجاز يتخطى ما سبق في المجال الرياضي،

وأضحت رغبة الإنجاز تتخطى ميدان كرة القدم. وأن هذا الانتصار خلق نوعا من التعبئة لدى المواطنين حول قيم الانجاز وقيم المسؤولية والجدارة والمنافسة، كما كان المنتخب المغربي خير سفير لتقديم قيم أمازيغية وعربية معبرة عن الجذور والثقافة الأصلية والروابط الاجتماعية والهوية، وفق تعبيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *