وجهة نظر

المفتش التربوي في منظومة التربية التكوين.. واقع الممارسة وأفق التطوير

تقديم:
قبيل الإعلان عن مخرجات النظام الأساسي الجديد، تجدد النقاش حول عدد من الوظائف والمهام في منظومة التربية والتكوين الوطنية، وتباينت الآراء بشأن جدوى وجودها، وأهمية أدوارها تجاه بقية مكونات المنظومة، ومدى فعالية أداءاتها لصالح الانخراط في مشاريع إصلاح المدرسة المغربية.
غير أن التركيز في هذه الآراء يتوجه إلى هيئة التفتيش بمختلف فئاتها، حيث ارتفع منسوب الحساسية نحو هذه الفئة، بل وضع البعض وجودها ككل موضع تشكيك.. في دعوة باتت تُصرح بضرورة انقراض هذا الإطار الذي لا يقدم إضافة نوعية للمنظومة بحسب هذا الزعم.
وتحسن ههنا الإشارة إلى بعض مغالطات الانطلاق التي يؤسس عليها أصحاب هذه الدعوى موقفهم:
المغالطة الأولى: استصحاب تمثلات نفسية كلاسيكية عن المفتش، بكل حمولاتها وظلالها السلبية.. وهي تمثلات تنصب له العداء ظاهرا أو باطنا، ولا تعتبره شريكا في خدمة المنظومة، بقدر ما تنسبه إلى حقول الضبط والزجر والتجسس والمكائد من جهة، وإلى ريع الكسل والخمول والانتهازية من جهة ثانية.. ثم تُحمله بعد ذلك كثيرا من خيبات وفشل بقية الفاعلين؛
المغالطة الثانية: الانطلاق من تجارب شخصية ووقائع محددة تشنجت فيها العلاقة بين المفتش وغيره من مكونات المنظومة )الأستاذ- المدير…(، لتتم عملية تعميم هذا الانسداد، ومحاكمة الهيئة جميعها بجريرة آحاد من أفرادها إن وجدت أصلا.
المغالطة الثالثة: عدم الإلمام بكثير من الأدوار والمهام التي يؤديها المفتش خدمة للمنظومة التربوية، ومعظمها يتم بعيدا عن الأضواء المسلطة على مكونات أخرى.. إذ يكاد كثير من الفاعلين التربويين لا يعرفون من هذه المهام إلا تأطير الندوات وزيارة الأساتذة.
والحقيقة التي تقدمها الوثائق الرسمية المؤطرة لمهام هذا الإطار هي عشرات الأدوار والمهام تربو على مائة مهمة وتزيد؛
أولا: مصفوفات المهام وتفرعاتها:
ولتقريب الصورة وإدراك حجم الأدوار والمسؤوليات المنوطة بهذا الجهاز، يمكن تقديم هذه المهام في المصفوفات الآتية:
1) مصفوفة المهام العامة:
1. المشاركة مع المنسق الجهوي و المركزي في المهام الموكولة للجان الجهوية والمركزية للتنسيق؛
2. المشاركة في اجتماعات التنسيق الجهوي لتبادل الخبرات بين المفتشين وتنسيق طبيعة عملهم؛
3. مساعدة المفتش المكلف بالتنسيق الجهوي على القيام ببحوث ودراسات؛
4. تنشيط البرامج المحلية في إطار الدعم الدراسي والتربوي الموجهة إلى التلاميذ؛
5. المشاركة في مختلف الأشغال المتعلقة بتوطين المؤسسات التعليمية ومدى استجابتها للمتطلبات التربوية؛
6. المشاركة في عمليات تسليم مهام الإدارة التربوية؛
7. المساهمة في لجان مواكبة أطر الإدارة التربوية؛
8. المساهمة في لجان إقرار أطر الإدارة التربوية؛
9. المساهمة في عملية إعداد وتقويم مخططات التربية على الصعيد الإقليمي وتتبع تنفيذها؛
10. استثمار تقارير المجالس التعليمية وإنجاز تقارير تركيبية حولها؛
11. المساهمة في وضع برنامج العمل المشترك للمنطقة التربوية؛
12. توحيد أساليب العمل علـى مستوى تخطيط عملية تدريس الوحدات الدراسية؛
13. التنسيق مع مجموعة عمل المنطقة التربوية في استثمار التقارير التخصصية؛
2) مصفوفة التأطير:
14. تأطير الأساتذة العاملين بالمؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية، للرفع من أدائهم وتحسين مردوديتهم؛
15. تنظيم الدروس التجريبية: تأطيرها وتسييرها وتتبعها؛
16. تأطير مؤسسات التعليم الخصوصي؛
17. مراقبة مؤسسات التعليم الخصوصي؛
18. تسيير مجالس التعليم بالمؤسسات التعليمية؛
19. إعداد التقارير التركيبية للمجالس التعليمية واستثمارها؛
20. تتبع المراقبة المستمرة؛
21. إعداد تقارير حول استثمار نتائج المراقبة المستمرة؛
22. المساهمة في تأطير المكلفين بمهام الإدارة التربوية وفي الإشراف على بحوث الجدد منهم؛
23. المساهمة في تأطير الطلبة المفتشين المتدربين ميدانيا؛
24. المساهمة في تأطير الطلبة الأساتذة ميدانيا؛
25. تأطير المربيات والمربين العاملين بالتعليم الأولي؛
26. تأطير منشطات ومنشطي التربية غير النظامية ومحو الأمية؛
27. المساهمة في تأطير أطر الدعم التربوي المكلفين بمراكز التوثيق والمكتبات المدرسية والقاعات متعددة الوسائط، وبالمختبرات العلمية؛
3) مصفوفة المناهج والموارد البيداغوجية
28. المساهمة في إعداد البرامج الدراسية الجهوية وتتبع تنفيذها وتقويمها؛
29. مراقبة وتتبع إنجازية البرامج والمناهج الدراسية؛
30. المشاركة في فرق تأليف الكتب المدرسية؛
31. مراقبة وتتبع استعمال الكتب المدرسية؛
32. المشاركة في مراجعة وتنقيح الكتب المدرسية؛
33. مراقبة وتتبع استعمال الوسائل التعليمية و الموارد البيداغوجية؛
34. المساهمة في اقتراح اقتناء الوسائل الديداكتيكية والمصادقة على مواصفاتها طبقا لدفتر التحملات؛
4) مصفوفة التقويم والامتحانات
35. إعداد عدة التقويم التشخيصي وتوزيعها على أساتذة المادة؛
36. تتبع إنجاز التقويم التشخيصي بالمؤسسات التعليمية؛
37. إنجاز تقرير تركيبي للاستثمار حول التقويم التشخيصي؛
38. المشاركة في لجن إعداد الامتحانات الإشهادية والمهنية والمباريات؛
39. مراقبة اقتراحات الأساتذة لمواضيع الامتحانات الإشهادية ودراستها؛
40. تتبع سير الامتحانات الإشهادية: لجن مراقبة الجودة، والتتبع إقليميا وجهويا ومركزيا؛
41. اقتراح لوائح أساتذة التصحيح؛
42. تتبع سير تصحيح الامتحانات الإشهادية؛
43. ترؤس لجن أشغال المداولات؛
44. ترؤس لجن إعادة التصحيح؛
45. الإسهام في وضع وتنظيم مختلف الروائز والمباريات على الصعيدين الإقليمي والجهوي؛
46. المساهمة في عمليات تصحيح الروائز؛
47. الإشراف على امتحانات الكفاءة التربوية؛
5) مصفوفة المراقبة والتتبع والافتحاص:
48. مراقبة وتقويم عمل الأساتذة العاملين بالمؤسسات التعليمية، العمومية والخصوصية، للرفع من أدائهم وتحسين مردوديتهم: زيارات تأطيرية وتقويمية؛
49. مراقبة وتقويم عمل أطر الدعم التربوي المكلفين بالمكتبات المدرسية، وبمراكز التوثيق وبالقاعات متعددة الوسائط، وبالمختبرات العلمية؛
50. تتبع ومراقبة وتقويم عمل المربيات والمربين العاملين بالتعليم الأولي؛ ومنشطات ومنشطي التربية غير النظامية؛
51. المشاركة في مراقبة تطبيق الإجراءات اللازمة لضمان تشجيع التمدرس بالتعليم الأولي والابتدائي؛
52. الوقوف على مدى احترام تنفيذ المؤسسات التعليمية للبنية التربوية المصادق عليها؛
53. المصادقة على جداول الحصص والتنظيمات التربوية؛
54. المساهمة في لجن تقصي الحقائق والتفتيش؛
55. المساهمة في لجن فض النزاعات؛
6) مصفوفة الحياة المدرسية:
56. تتبع وتقويم عمليات الدخول المدرسي؛
57. تتبع وتقويم سير العملية التربوية التعليمية بالمؤسسات التعليمية؛
58. تتبع وتقويم سير إيقاعات التعلم بالمؤسسات التعليمية وتأمين الزمن المدرسي بها؛
59. المساهمة في أعمال اللجنة الإقليمية للاختيار الأولي للشعب التقنية والخاصة؛
60. المساهمة في تتبع وتنفيذ المشاريع التربوية لتحسين ظروف الحياة المدرسية بالمؤسسات التعليمية، والمشاركة في تقويم نتائج تلك المشاريع؛
61. دعم مبادرات مجالس المؤسسة وخاصة مجلس التدبير؛
7) مصفوفة التكوين
62. رصد الحاجيات من التكوين المستمر مع تقديم اقتراحات حول برامج التكوين؛
63. المساهمة في إعداد وتنفيذ برامج التكوين المستمر للأطر العاملة بالمؤسسات التعليمية؛
64. تنظيم وتأطير تكوين واستكمال تكوين الأساتذة؛
65. المساهمة في تأطير الدورات التكوينية المخصصة لأطر الإدارة التربوية للمؤسسات التعليمية؛
8) مصفوفة البحث التربوي:
66. إعداد وإنجاز الدراسات والبحوث التربوية النظرية والميدانية البحوث التربوية، خاصة في مجال التجديد التربوي (المناهج، طرق التدريس …)؛
67. المساهمة في الرفع من المردودية الداخلية للمؤسسات التعليمية باستثمار النتائج المدرسية؛
68. إنجاز البحوث الميدانية والأنشطة التربوية والاجتماعية والفنية الهادفة إلى ربط التعليم والتربية ببيئة التلميذات والتلاميذ وحفزهـم على الانخراط في الحياة المدرسية؛
69. إعداد لوحة القيادة اعتمادا على المؤشرات الكفيلة بتحسين مردودية المؤسسات التربوية؛
ولتكتمل الصورة عن تشعبات الأدوار التي يقوم بها المفتش التربوي، سنأخذ عينات لمهام من بعض المصفوفات أعلاه لمزيد توضيح:
1. مهمة المشاركة في عمليات تسليم مهام الإدارة التربوية؛
هذه المهمة تتم غالبا قبل نهاية الموسم الدراسي بعد أن تتم عمليات الحركة الانتقالية، وبعد أسبوعين على الأقل من توقيع الأساتذة محاضر الخروج، وتعين بتكليف خاص لجنة تضم عددا من المفتشين من فئات مختلفة ومعهم ممثل عن الإدارة الإقليمية؛
عملية التسليم هذه تنطلق من الساعة التاسعة صباحا وتستمر إلى نهاية جميع تفاصيلها… غالبا الساعة الخامسة أو السادسة مساء؛ وفيها تتم مراقبة جميع مكونات المؤسسة البنيوية والإدارية والتربوية كما تركها المدير المغادر، قبل أن يتسلمها المدير الجديد: إنها لجنة شهود على انتقال تركة ضخمة من يد إلى يد، ويحرر لهذه الغاية تقرير من صفحات تربو على العشرين؛
هذه العملية قد تتكرر بالنسبة لبعض المفتشين أكثر من عشر مرات متتاليات في مناطق متباعدة من الإقليم تحتاج الاستيقاظ الباكر والتنقل عبر مسالك معبدة أحيانا، ووعرة أحيانا أخرى للوصول إلى المؤسسات المعنية؛
2. مهمة تتبع المراقبة المستمرة:
لا يخفى ما يحظى به التقويم التربوي في منهاجنا المغربي من أهمية كبيرة وحاسمة في مسار المتعلمين؛ ولذلك يوليه المفتش التربوي أهمية خاصة ليسلم من العيوب والانحرافات حماية لحق المتعلم في تعلم تام ومتكامل وتقويم منصف وعادل؛
لذلك يؤطر المفتش التربوي مجموعة من الندوات واللقاءات التربوية والدروس التطبيقية في:
 تعزيز الخلفية المعرفية للأساتذة بشأن التقويم التربوي؛
 تمكين السادة الأساتذة من عُدة الوثائق الرسمية المؤطرة للتقويم بحسب الأسلاك والمواد؛
 تعزيز كفايات الأساتذة في إعداد الفرض المحروس وبناء وضعياته الاختبارية شكلا ومضمونا؛
 مراقبة الفروض المنجزة، وإنجاز تقرير تقويمي عن كل فرض منجز في المنطقة التربوية؛
 تركيب تقرير لاستثمار الملاحظات والتوجيهات لمزيد من تجويد الفعل التقويمي غير الإشهادي؛
 إعادة تقاسم الملاحظات والتوجيهات في لقاءات تربوية للتغذية الراجعة؛
هذه الإجراءات التفصيلية يمكن استيعاب أهميتها وصعوبتها بالمؤشرات الإضافية الآتية:
• مفتش وحيد للمادة في المديرية الإقليمية؛
• عدد أساتذة المادة في المديرية 200 مثلا؛
• مناطق المديرية الحضرية والقروية مترامية الأطراف: أحيانا 100 كيلومتر بين طرفيها؛
• وسائل التنقل التابعة للمديريات محدودة في كثير من الأحيان؛
• مدة الاشتغال على موضوع المراقبة المستمرة محدود في الزمن لارتباطه بمقرر تنظيم السنة الدراسية؛
3. مهمة الإشراف على امتحانات الكفاءة التربوية؛
هذه المهمة حيوية بالنسبة لمسار الأستاذ، لذلك يوليها المفتش التربوي أهمية خاصة من حيث الإعداد والتنفيذ:
وهي تبدأ بتعبير الأستاذ المعني عن رغبته في اجتياز امتحان الكفاءة التربوية بطلب موجه إلى مصالح المديرية، ليتم تكليف المفتش بالعملية، حيث يجب عليه اقتراح عناصر اللجنة: مدير تربوي وأستاذان للمادة؛
وقد تتصادف هذه العملية- بعد بحث واتصالات – مع إكراهات مختلفة ذاتية وموضوعية لأعضاء اللجنة.
تنتقل اللجنة إلى مقر عمل الأستاذ أينما كان، وتحضر إنجازه درسين مختلفين، ثم تحاوره حول إنجازه أولا، ثم تقوم كفاياته الأخرى ذات الصلة بالامتحان في حوار مطول يستغرق الفترة الدراسية كاملة ويزيد؛
بعدها يحرر المفتش التربوي تقريرا حول العملية لاعتماده في اتخاذ القرار بشأن الأستاذ المعني.
لنتصور الآن منطقة تربوية أغلب أساتذتها من الجدد الذين سيجتازون امتحان الكفاءة التربوية:
لنفترض معدلا بسيطا من 15 امتحانا للكفاءة التربوية في السنة: معناه تكوين 15 لجنة، والاشتغال على هذا الملف لوحده 15 يوما إعدادا وتنقلا وتنفيذا واستثمارا؛
زد على ذلك أن بعض المديريات تسمى مديريات العبور: أي أنها تمتلئ بالأساتذة الجدد الذين يشكلون نسبا أكبر من أساتذة المنطقة التربوية، يلتحقون ويغادرون سنويا بعد امتحان الكفاءة التربوية للالتحاق بالمديريات الكبرى ذات الاستقطاب الواسع؛
هذه العينة التمثيلية للمهام المنوطة بالمفتش التربوي تبين بجلاء تعددها من جهة، وجسامتها من جهة ثانية. فإذا أضفنا إليها المهام الطارئة الناجمة عن تنزيل الوزارة أو الأكاديمية أو المديرية لمشاريعها التربوية الإصلاحية، وضرورة انخراط المفتشين فيها إعدادا وتجريبا وتقويما وتعميما، ستزداد الصورة أكثر تعقيدا؛
لقد كان هذا التفصيل رغم طوله مهما للغاية للدواعي الآتية:
أولا: قليلا ما يتم الإعلان عن مجموع هذه المهام لعموم المهتمين التربويين، فيتم بسبب تغييبها عمدا أو عفوا ترويج مغالطات العطالة وتهم الكسل والانتظارية دون علم؛
ثانيا: صعوبة تقييم عمل المفتش التربوي دون إلمام بالمهام الموكولة إليه؛
ثالثا: للوقوف على موضوعية طلب المفتشين تدقيق وتحديد مهامهم كما سيتم تفصيله أسفله؛

ثانيا: إشكالات وإكراهات في وجه المفتش التربوي:
رغم حيوية الدور التربوي الذي يؤديه المفتش التربوي في اتجاهات مختلفة، فإنه يواجه مجموعة من الإشكالات التصورية والتدبيرية التي تحد من حركته، وتوقعه في الارتباك.
1. غبش الهوية:
إن اعتماد النظر إلى المفتش التربوي من خلال مهامه المتباينة خلف ارتباكا على مستوى الحسم في هويته داخل جسد المنظومة التربوية: فهو مطالب بالمراقبة والتقويم والتتبع والتفتيش والافتحاص من جهة؛ وهو أيضا مطالب بعمليات تدبيرية وتنفيذية تتناقض أدواره السابقة من جهة ثانية؛
ومعلوم أن من مقومات الحكامة الجيدة داخل كل قطاعات ومجالات العمل الحكومية الفصل بين الموقعين والدورين تفاديا لتداخل الأدوار وتضارب المصالح ولو كانت معنوية؛
لنأخذ مثالا على هذا التداخل المؤثر:
تناط بالمفتش التربوي في منطقته التربوية مهمة اقتراح الامتحان الإشهادي وفق مقاربة تأطيرية مع فرق الأساتذة المعنيين.. وهذه ممارسة من صميم التدبير ومهامه؛
ثم بعد اجتياز الامتحان يكون معنيا بدراسته وتقويمه، وتسجيل ملاحظاته.. بشأن احترام وضعياته الاختبارية للمقررات التنظيمية والأطر المرجعية، وتقويم تفاعل المترشحين معه، ودراسة النتائج المحصل عليها في أفق التطوير والتجويد؛ وهذه عملية تقييمية تندرج في أعمال المراقبة والحكامة؛
لنأخذ مثالا ثانيا يجري به العمل مؤخرا: هو عمليات تنزيل مشاريع المدارس الرائدة، ومقاربة التدريس بالمستوى المناسب طارل:
لقد انخرط المفتشون التربويون في حلقات تكوينية للإلمام بالمشروع ومستويات تنزيله.. ثم انطلقوا في الميدان لتأطير الأساتذة في المؤسسات المعنية قصد التجريب.. وهذا جزء من أعمال التدبير في المنظومة.. وقريبا ستناط بهم مهام التتبع والمراقبة والتقويم للحكم على التجربة وتقديم التصحيحات والتعديلات بشأن تعميمها.. وهذا من أعمال المراقبة والتقويم.
على هذا الوزان تتناسل مجموعة من التداخلات بين التدبير والتقييم، مما يجعل المفتش التربوي يحتار في تموقعه السليم: هل هو جزء من الإدارة المدبرة، أم هو عنصر من عناصر المراقبة والتفتيش؟
2. كثرة المهام:
لقد أظهر العرض التفصيلي أعلاه بما لا يدع مجالا للشك ما يناط بالمفتش التربوي من عشرات المهام المتشعبة الثابتة والطارئة، المندرجة في برنامج عمله السنوي، والمحدثة في صورة تكليفات مفاجئة..
فإلى جانب تأثير هذه الكثرة على هوية المفتش التربوي كما ألمعنا سابقا، فإن تأثيرها يمتد ليشمل برنامجه للعمل المنتظر إنجازه وفق رؤية علمية قائمة على التشخيص والتخطيط والتنفيذ والتقويم والمعالجة.
في بداية كل موسم دراسي يقدم المفتش التربوي برنامج عمله السنوي وفق خطة تتأسس على تجميع الحاجيات التأطيرية لأساتذة منطقته التربوية، مقترحا عددا من التدخلات والأعمال لتنفيذها.. لكنه يفاجأ بزخم من التكليفات القادمة من الإدارة الجهوية أو الإقليمية فيمتلئ الوعاء الزمني أمامه، فتضطرب بوصلة البرمجة التي أعد من قبل.
خذ مثلا:
بعد توقيع محاضر الدخول، وقبل أن يدعو المفتش التربوي أساتذة منطقته التربوية للاجتماع الأول بما يتضمنه من تقييم لنتائج الموسم الفارط، واقتراح أنشطة التعزيز والتصحيح، وندوات التأطير والتكوين.. يتم تكليفه في لجن تتبع الدخول المدرسي التي تتجول لأيام متتالية على مؤسسات المديرية لرصد استعداداتها البشرية والمادية والتربوية للدخول الجديد؛
ثم ما يلبث أن يستدعى للمشاركة في لجن تتبع ومواكبة مؤسسات التعليم الخصوصي والتي تنخرط طيلة فترات من الموسم الدراسي في زيارة هذه المؤسسات ومراقبة احترامها لمختلف مكونات دفاتر التحمل التي تشتغل وفقها.
وهكذا دواليك لا يكاد المفتش التربوي يجد وقتا لتصريف مكونات برنامجه الخاص.. فيضطر إلى التصرف فيه ليتلاءم وظروف الاشتغال الطارئة؛
إذا علم شيء من هذا الإكراه، وعُلم معه أن كثيرا من المديريات لا تتوفر إلا على مفتش وحيد للمادة يشتغل بمعدل تأطير مرتفع جدا يقارب أحيانا 200 من الأساتذة، و60 من المؤسسات التعليمية في الثانوي بسلكيه في جغرافية مترامية الأطراف.. ستظهر ملامح الصعوبة التي تكتنف عمل المفتش التربوي.
ولأن هذا المفتش انشغل عن مهام التأطير وزيارة الأساتذة لفترة معينة بسبب مهام مركزية أو جهوية أو إقليمية، فقد تنطلق الشائعة الجاهلة بظروفه لتردد التهم الباطلة عن عطالته، ولو اطلع صاحب الشائعة على حاله لأشفق عليه ورحمه من كثرة السعي في المهام وتعدد الوجهات في الأدوار؛
إن حقيقة هذا الزخم الكبير من المهام وتأثيراته السلبية على جودة الممارسة التفتيشية أكدتها التقارير والأبحاث الرسمية كما هو منطوق تقرير المجلس الأعلى للتعليم سنة 2009، ضمن رصده لمجموعة من الإشكالات التي تعرقل عمل هيئة التأطير والمراقبة، حين أكد على: “تعدد المهام الإدارية التي تسند للمفتشين التربويين على حساب مهامهم الأصلية المحددة في المراقبة والتأطير والبحث التربوي؛ مما ينتج عنه غالبا انحراف مهام المفتش عن البرنامج التربوي السنوي لأن التكليفات الإدارية تطغى على المتطلبات البيداغوجية والتربوية”؛

3. الحافزية ووسائل العمل:
وهذه قضية أخرى طالتها التحريفات والاختلاقات: إذ يزعم عدد من الشركاء التربويين أن المفتش التربوي جمع إلى جانب راحته الممتدة وعطالته الطويلة الأجر السمين والتعويض السخي ووسائل العمل الضاربة في الرفاهية والترف؛
والحقيقة التي يعرفها من اقترب من المفتشين وخبر ظروف عملهم هي ما يلي:
أجرة المفتش لا علاقة لها بالإطار.. وإنما هي مرتبطة بمسار عمله وترقيه كسائر مكونات المنظومة التربوية في تسلقها للسلالم والدرجات؛ والتعويض التكميلي عن مهامه يستحيي الباحث أن يذكره لهزالته المضحكة المبكية؛
بقي فتات من التعويضات التي تصرف للمفتشين بحسب تنقلاتهم ومهامهم خلال الموسم الدراسي.. وأكثر المهام لا تعويض عنها..
أما وسائل العمل فهي محدودة جدا، لا تعدو أن تكون بضع حزم من ورق الطباعة وأقلام وملفات.. قد يتأخر تسلمها إلى منتصف الموسم الدراسي. وربما يمضي كله ولا يأخذ منها شيئا البتة.
زد على ذلك غياب مقرات العمل في كثير من المديريات، حيث يتعذر على المفتش ممارسة مهامه في مكتب خاص بمفتشيات إقليمية أو جهوية معدة لاحتضان أعمال التفتيش بمختلف فئاته.. فتتحول محفظة المفتش من وعاء لعدته إلى مقر متنقل لمهامه؛
وفي كثير من المرات يتعذر توفير سيارات التنقل ليؤدي المفتش التربوي مهام التأطير والزيارة الصفية خارج المدار الحضري لمنطقته التربوية بسبب الازدحام الذي تعرفه برمجة سيارات الخدمة على قلتها بين عدد كثير من المتدخلين التربويين والإداريين؛

ثالثا: ملامح تطوير عمل التفتيش التربوي:

إذا حسمنا قضية الأهمية التي تكتسيها تدخلات المفتش التربوي في منظومتنا التربوية، فينبغي إلى جانبها الحسم التصوري والتنفيذي لقناعات التطوير والإصبلاح المرجوة لهذا الإطار انسجاما ومتغيرات المنظومة المتطلعة إلى مدرسة مغربية جديدة ملؤها الجودة والعدالة والإنصاف؛) أنظر رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين في تطوير مهنة ومهام التفتيش التربوي يوليوز 2009 ص 5(

أولا: إعادة تصنيف مهام التفتيش التربوي:
إذا أردنا الإبقاء على مدخل المهام للحسم في هوية المفتش التربوي، فإننا مضطرون عاجلا أم آجلا إلى التمييز بين فئات مختلفة من مكونات التفتيش ينبغي أن تتمايز عن بعضها، وينسب كل منها إلى الجهة المناسبة لمهامه:
 فمهام التأطير والتكوين الموجهة لفائدة أطر التربية والإدارة ولجان تتبع الدخول المدرسي ومواكبة المؤسسات التعليمية وإعداد الامتحانات المختلفة هي مهام من صميم التدبير، يمكن أن توكل إلى فئة من المفتشين مع تغيير هويتهم المهنية نحو التأطير والمواكبة، مع ما يلزم ذلك من تغيير في التسميات والسمات؛
 أما مهام التفتيش والمراقبة التي يضطلع بها المفتش التربوي كزيارة الأستاذ وتقويم عمله، ومراقبة سير البرنامج الدراسي، وافتحاص المؤسسات تربويا، وتتبع تنزيل المشاريع الإصلاحية للمنظومة فهي أدوار واضحة الانتماء إلى محور الحكامة التربوية التي ينبغي أن تسند إلى فئة من المفتشين يشكلون جهاز تقويم داخلي للمنظومة في استقلال تام عن مكوناتها الإدارية التدبيرية والتنفيذية تحقيقا لأعلى مواصفات الحياد التقويمي؛
 والصنف الثالث من مهام المفتش التربوي هو ما يتعلق بالبحث التربوي: وهو اليوم أضعف المهام من حيث الممارسة والنتائج لكثير من العوامل المفصلة في ما سبق؛ ويمكن للمهام الاستراتيجية لهذا المجال أن تشمل الدراسات التشخيصية والأبحاث الميدانية الدالة على أعطاب المدرسة، واقتراحات التطوير التي تمتح من تراث التعليم في المغرب، ومن التجارب الدولية الناجحة في نفس تجديدي يواكب تحديات التربية في العالم الجديد؛
هذه الفئة من المهام ينبغي أن توكل لمفتشين باحثين، يمكن أن يشكلوا قوة تفكير واقتراح لتطوير المنظومة التربوية، تخصص لهم مراكز ملائمة للبحث التربوي لتشكيل دعامات إسناد حقيقي لتطوير المدرسة المغربية؛ ) أنظر مقترح المجلس الأعلى بشأن التمييز بين نوعين مهام التفتيش.. تقرير يوليوز 2009(
إن هذا التصنيف للمهام يمكن أن يتأطر العمل به بإحداث ثلاث وكالات وطنية:
1 الوكالة الوطنية للتأطير والتكوين والمواكبة:
2 الوكالة الوطنية للتفتيش والمراقبة والافتحاص؛
3 الوكالة الوطنية للبحث التربوي؛
كما يمكن للجدول أدناه توزيع مهام التفتيش التربوي الحالية على الوكالات المقترحة:
الوكالة الوطنية للتأطير والتكوين : مفتش مؤطر
تأطير ومواكبة الأساتذة وأطر الإدارة.. القدامى والجدد
تأطير الطلبة المفتشين ميدانيا
تنشيط برامج الدعم
تتبع المراقبة المستمرة
الإشراف على المجالس ذات الصلة بالتأطير والتكوين
المساهمة في لجن فض النزاعات
التخطيط لأﻧﺸﻄﺔ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤﺪرﺳﯿﺔ واﻟﻤﺴﺎھﻤﺔ ﻓﻲ إﻋﺪاد اﻟﻮﺛﺎﺋﻖ اﻟﻤﺆﻃﺮة لها، وتتبع تنزيلها
إعداد المصوغات النظرية والتطبيقية للتكوين التربوي

الوكالة الوطنية للتقويم والافتحاص: مفتش مراقب
مراقبة إنجازية البرامج والمناهج
مراقبة وتتبع استعمال الكتب المدرسية
مراقبة وتتبع استعمال الوسائل التعليمية والموارد البيداغوجية
المساهمة في لجان إقرار أطر الإدارة التربوية
المشاركة في عمليات تسليم مهام الإدارة التربوية؛
إعداد عدة التقويم التشخيصي وتوزيعها على أساتذة المادة؛ وتتبع تنزيلها
لجن إعداد وسير الامتحانات الإشهادية والمهنية والمباريات وامتحانات الكفاءة
مراقبة وتقويم عمل الأساتذة ونتائج المؤسسات
مراقبة تنفيذ المشاريع التربوية
تقويم عمليات الدخول المدرسي
لجن تقصي الحقائق والتفتيش

الوكالة الوطنية للبحث والابتكار: مفتش باحث
إعداد البرامج الدراسية
تأليف الكتب المدرسية ومراجعتها
إنجاز البحوث التربوية في مختلف مكونات العمل التربوي
اﻹﺷﺮاف ﻋﻠﻰ إﻧﺠﺎز اﻟﺒﺤﻮث اﻟﺘﺮﺑﻮﯾﺔ واﺳﺘﺜﻤﺎر ﻧﺘﺎﺋﺠﮭﺎ
اﻟﻤﺴﺎھﻤﺔ ﻓﻲ إرﺳﺎء ﺑﻨﯿﺎت وھﯿﺎﻛﻞ اﻟﺒﺤﺚ اﻟﺘﺮﺑﻮي
اﻟﻤﺴﺎھﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﺄﻃﯿﺮ ﻓﺮق اﻟﺒﺤﺚ اﻟﺘﺮﺑﻮي
ﺗﻤﺜﯿﻞ المنظومة الوطنية ﻓﻲ اﻟﻤﻠﺘﻘﯿﺎت اﻟﺪوﻟﯿﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺒﺤﺚ ﻓﻲ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ اﻟﺘﺮﺑﻮﯾﺔ
فتح مراكز الاستشارة والدعم لفائدة الأطر التربوية

ويمكن بطبيعة الحال زيادة التدقيق والتفصيل والتبويب لهذه المهام وفق مرجعيات ومقررات واضحة وموضوعية في مقاربة جماعية تشاركية؛
وتتحدد وفق هذا التقسيم مجموع علاقات العمل بين جهاز التفتيش التربوي وبقية المتدخلين مركزيا وجهويا وإقليميا ومحليا، وفق متطلبات المهمة وامتدادتها المحددة.

ثانيا: الحسم في استقلالية جهاز التفتيش:
من المطالب الموضوعية التي لم يتوقف المفتشون عن المطالبة بها، ولم تغفلها كثير من الوثائق المرجعية الرسمية مطلب استقلالية المفتش التربوي عن دائرة التدبير والتنفيذ) أنظر الميثاق الوطني للتربية والتكوين المادة 135 ورأي المجلس الأعلى في مهنة التفتيش2009.( فمنطق العمل يفرض ذلك بكل بساطة ووضوح لتحقيق أعلى مستويات الحكامة والجودة في منظومتنا التربوية؛
لا يستقيم أن يتم تكليف المفتش التربوي بأعمال المراقبة والتقويم والحكامة تحت وصاية آليات التدبير الإداري المسؤولة نفسها عن سير العمليات التربوية المختلفة المراد تقويمها؛
ومقارنة أجهزة التفتيش بين القطاعات الوزارية المختلفة مهمة في هذا السياق؛
وتنزيلا لاقتراح تصنيف مهام التفتيش بحسب المحاور الثلاثة أعلاه، فإن محور مهام التأطير والتكوين والمواكبة من جنس أعمال التدبير التي يمكن للمفتش التربوي – بعد تعديل اسمه- أن يضطلع بها كجزء من منظومة الإدارة التربوية إقليميا أو جهويا أو مركزيا؛
أما محور التفتيش والمراقبة والافتحاص فلا مناص من فصل مهامه وموارده عن أجهزة التدبير التربوي ليمارس عمله بحياد وجرأة وموضوعية.. في حين يمكن للمحور الثالث أن يمارسه المفتش التربوي في ارتباط بهيئات مركزية تعنى بالتخطيط الشامل والتطوير المستمر للمنظومة الوطنية.
ثالثا: إرساء بنيات مستمرة للتكوين والتقويم:

لا يمكن أن يمارس المفتش التربوي مختلف مهامه لفترات زمنية متطاولة دون أن يستفيد من برنامج تكويني غني وحديث ومتنوع بحسب المهام المنوطة به؛
ففي عالم تربوي متغير باستمرار، وفي سياق إصلاحي للمدرسة الوطنية ليس من المنطقي أن تبقى دائرة عموم المفتشين التربويين بعيدة عن الاطلاع المباشر والمواكبة الحية لمستجدات التربية والتعليم عالميا: بمقارباتها البيداغوجية وطرائق التدريس فيها، وأنظمة الاشتغال تدريسا وتقويما ودعما، ومسارات الخطط الديداكتيكية التي تنفتح على كنوز العوالم الرقمية المتدفقة.. سيخلف المفتش التربوي موعده مع كل هذه الاستحقاقات، وسيتحول إلى قاطرة معطوبة في مؤخرة المنظومة التربوية يزيد عبئها على كاهل مشاريع الإصلاح الراهنة والمستقبلة.
إن آليات التكوين المستمر ينبغي أن تتحول إلى بنيات قارة في الزمان والمكان، وفق برامج سنوية مخطط لها بحسب الحاجات والانتظارات والأوراش الوطنية المفتوحة، تتعزز بموارد بشرية مؤهلة على المستوى العالي من خبرات وطنية ودولية مشهود لها بالانغماس الحقيقي في هموم المدرسة بحثا وتحليلا واقتراحا..
ويمكن للمركز الوطني لمفتشي التعليم – بعد تثمين دبلوم التخرج منه- أن يضطلع بهذه المسؤولية في تنسيق مع جهات الانتساب التي ينتمي إليها المفتشون مركزيا وجهويا وإقليميا، لتشخيص الحاجات التكوينية وبلورة برنامج تشاركي بغلاف زمني مناسب يتناوب على استثماره مفتشو المنظومة التربوية على مدار السنة الدراسية بكاملها؛
وعلى المهيع نفسه ينبغي التخطيط العلمي الموضوعي لعمليات تقويم أعمال المفتش التربوي وفق خطاطات مرجعية بمعايير ومؤشرات وطنية، تراعي مختلف شروط العمل، وممكنات السياق وعوائقه.. وهو تقويم من صميم الحكامة التربوية التي يطالب بها الجميع، وينبغي للمفتش التربوي أن يكون من السباقين لاحتضانها وقبولها على نفسه ابتداء، تصديقا لصوته المرتفع بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة كرهان وطني للعمل في مختلف قطاعات الدولة.
على أن أهم ما ينبغي أن يتوفر في بنية التقويم المقترحة هو فصلها عن سلطة المدبرين الإداريين الذين تتقاطع مسؤولياتهم مع أدوار المفتش التربوي ضمانا لأكبر منسوب من الموضوعية والنزاهة.

رابعا: تجسير العلاقات المهنية بين المفتش التربوي وبقية المتدخلين:

كثير من النصوص المؤطرة لهذه العلاقات تقادمت ولم تعد تواكب الزخم الإصلاحي الذي تعرفه المدرسة المغربية، فبعضها ينتمي إلى فترة ما قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مما يجعلها قاصرة عن تأطير الأدوار الجديدة المنتظرة من المفتش التربوي؛
فعلى ضوء المقترحات التنظيمية والمهنية أعلاه ينبغي أن تراجع تلك النصوص لتجعل المفتش التربوي منخرطا بقوة، محميا بنصوص القانون في انخراطه، تفاديا لوقائع التشنج والانسداد التي يمكن أن تقع بين فترة وأخرى فتؤثر سلبا على مجريات عمله الحيوي؛
أولا: علاقة المفتش التربوي بالأستاذ: هي أهم العلاقات في محوري التأطير والتكوين والتقويم والمراقبة المنوطين بالمفتش نحو أساتذة منطقته التربوية، وينبغي تأطيرها بنص مؤطر جامع ومانع يتضمن حقوق الأستاذ نحو منظومة التأطير، وحدود التدخل التي يتحرك عندها المفتش في هذا السياق، حماية للطرفين من الممارسات غير التربوية التي تطفو على سطح المنظومة أحيانا؛
في هذا السياق ينبغي تجديد:
• رزنامة النصوص المؤطرة للزيارات الصفية والتفتيشات المختلفة؛
• مذكرات تنظيم الندوات التربوية والدروس التطبيقية؛
• مذكرات مراقبة الوثائق التربوية؛
• واستحداث مذكرات لتحديد الأستاذ انتظاراته التكوينية من المفتش التربوي؛
ثانيا: علاقة المفتش التربوي بالإدارة التربوية: هي علاقة حيوية أيضا، لكنها محدودة جدا، لا تمتد لتبادل وجهات النظر، وتسطير المشاريع المشتركة للتدخل التربوي في تدريس المواد وتقويمها، ودعم المتعلمين المتعثرين ووضع برامج الحياة المدرسية وتنشيطها لفائدة مشروع المؤسسة؛
لذلك يمكن لهذه العلاقة أن تتحرر من قيود التوجس المتبادل لتدخل في شراكات تربوية حقيقية لصالح أساتذة المؤسسة التعليمية وتلامذتها؛
وبهذا النفس التجويدي للعلاقات يمكن إعادة النظر في العلاقات التربوية والإدارية للمفتش التربوي بمختلف المصالح الإدارية والتربوية، ومراكز مهن التربية والتكوين الإقليمية والجهوية التي توصد أبوابها أمام مساهمات المفتشين في التأطير والتكوين الموجهين للطلبة الأساتذة والإداريين، تعزيزا لمبادئ الشراكة والتعاون، وتفاديا لتضارب وجهات العمل داخل المنظومة؛
وههنا يمكن التمثيل بحالة الضعف التي يعرفها استثمار تقارير التفتيش والبحوث الميدانية المنجزة من طرف المفتش التربوي، رغم ما تحتويه من معلومات واصفة لواقع الممارسة التعليمية، واقتراحات مفيدة وغنية لصالح تطويرها؛
ويمكن التمثيل أيضا لحالات ضعف التنسيق المؤثرة على عمل المفتش التربوي بعدم توصله ببرامج العمل الجهوية والإقليمية التي يأخذها بعين الاعتبار والاهتمام حين إعداده لبرنامجه السنوي.. وكذلك غياب تقارير الحصيلة السنوية النهائية لعمل هذه المستويات من الإدارة التربوية مما يحرم المفتش التربوي من قواعد بيانات مهمة تؤطر تدخلاته التكوينية والتقويمية؛
وعلى الوزان نفسه لا يمكن للمفتش التربوي أن يلج إلى المنصات الرقمية المختلفة التي وضعتها الوزارة الوصية خدمة لعدد من المتدخلين والمستفيدين في مختلف العمليات التربوية، في الوقت الذي يمكن لهذا الزخم الرقمي أن يسهم في تعزيز كفايات التدخل الفعال والعاجل للمفتش التربوي؛
إن بقاء هذه العلاقات دون ما نصبو إليه من منسوب عال للتنسيق والشراكة والتشاور، وبناء المشاريع الحيوية لصالح المدرسة، يجعل المنظومة تهدر فرصا حقيقية للمساهمة في أوراش الإصلاح المفتوحة؛

ختاما:
إن أدوار المفتش التربوي داخل منظومتنا التربوية من الحيوية والأهمية بمكان، وبالنظر إلى انخراط مختلف الفاعلين في زمن الإصلاح بما يحتاجه من تعبئة شاملة وتضافر للجهود ونكران للذات، فإن مهام المفتش التربوي داخل السياق التربوي الوطني سيزداد أهمية إذا تم الإنصات الصادق لاقتراحات هيئة التفتيش بفئاتها المختلفة، وتحويل النوايا المعبر عنها والدراسات المنجزة إلى وقائع حقيقية في الميدان التربوي.
مراجع المقال:
المذكرة رقم 86 بتاريخ 29 يناير 1986 بشأن التفتيش التربوي
المذكرة رقم 87 بتاريخ26 يناير 1987 بشأن تقارير التفتيش والزيارات
المذكرة رقم 80 بتاريخ 6 يونيو 1989 في شأن تنظيم المراقبة التربوية
المذكرة رقم 12 بتاريخ 5 فبراير 1993 حول تحيين المذكرة 186 حول النشاط التربوي للسادة المفتشين
الميثاق الوطني للتربية والتكوين، منشور اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، يناير 2000.
البرنامج الاستعجالي: المشروع :E3.P2تعزيز آليات التأطير والتفتيش بالتعليم المدرسي
الوثيقة الإطار لتنظيم التفتيش 2004
المذكرة رقم 113 بتاريخ 21 شتنبر 2004 المتعلقة بتنظيم العمل المشترك بين هيئات التفتيش
المذكرة 115 بتاريخ 21 شتنبر 2004 المتعلقة بتنظيم التفتيش التربوي للتعليم الثانوي
المذكرة 118 بتاريخ 21 شتنبر 2004 المتعلقة بتنظيم تفتيش المصالح المادية و المالية
المذكرة رقم 56 بتاريخ 16 مارس 2010 في شأن الشروط والوسائل الضرورية لعمل هيئة التفتيش
مشروع تطوير مهنة و مهام التفتيش التربوي.المجلس الأعلى للتعليم 2009
مهنة التفتيش التربوي : تقرير الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي 2009
الرؤية الاستراتيجية 2015-2030
القانون الإطار 51-17
الدليل المهني للتفتيش المفتشية العامة للتربية والتكوين2010
دليل التفتيش التربوي بالتعليم الأساسي والثانوي، إعداد وتأليف إبراهيم الباعمراني، صدى التضامن، البيضاء، 1999.
ما مصير مهنة التفتيش التربوي بالمغرب”، محمد الغالي: الملحق التربوي للاتحاد الاشتراكي، 9 مارس 2000.
الإشراف التربوي، مقوماته وتقنياته درفوفي أحمد فريد، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1991.

* ذ. محمد شهبون، مفتش تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • عبدو
    منذ 6 أشهر

    مقال فارغ أسهب صاحبه في سرد الأدوار المنوطة بالمفتش والتي تبقى حبر على ورق. هذا النوع من المخلوقات وجدت ليستفيد من الريع وتقوم بدور الشرطي في ميدان التربية.وهذا واقع وليس مجرد تمثل كما يدعي المفتش صاحب المقال.