أقصبي: تحرير الدرهم “حماقة” والحكومة تلميذ نجيب للنقد الدولي

اعتبر المحلل الاقتصادي نجيب أقصبي أن القرار الذي تهدف الدولة المغربية إلى اتخاذه بشأن تحرير صرف الدرهم، سينعكس سلبا على أداء الميزان التجاري وسيتسبب في تفاقمه بشكل أعمق مما هو عليه، مشيرا أن الذين اتخذوا هذا القرار سيلحقون أضرارا بالغة بالاقتصاد الوطني وسيدخلونه في أزمة خانقة.

وأوضح أقصبي في هذا الحوار مع جريدة “العمق” أن الذين اتخذوا هذا القرار يدعون أن هذا التحرير ستكون له منفعة بالنسبة للتجارة الخارجية للمغرب؛ غير أن التجارب الدولية السابقة أثبتت أن هذه الخطوة هي كارثة على الاقتصاد، مبرزا أن رؤوس الأموال يمكن أن تأتي في البداية غير أنه يمكن في أي وقت أو أي لحظة أن تعود إذا أحسن بأي خطر مهما طفيفا، مشددا على أن تلك الأموال عندما تخرج تخلق أزمة اقتصادية خانقة في البلاد.

وأضاف أن هذه الوصفة هي قديمة والتجارب السابقة أثبتت أنها ذات مخاطر، وهذا مثبت من الوقائع التاريخية، مع أن بلدان أسيوية كان اقتصادها أفضل حالا من اقتصاد المغرب الآن، وبالرغم من ذلك فإنها عاشت أزمات عميقة بسبب اعتمادها على خطة تحرير صرف العملة، معتبرا أن من اتخاذ قرار تحرير العملة هو حماقة، وسيعمق من العجز الذي يعرفه الميزان التجاري وسيرفع المديونية لأن قيمة الدرهم ستكون منخفضة حينها.

وأكد أقصبي أنه انطلاقا من الواقع خلال الخمس سنوات الماضية، فإن الحكومة الحالية هي تلميذ نجيب بالنسبة للمؤسسات الدولية، وستعمل على تنفيذ جميع إملاءاته، وهو ما شجعها على أن تقترح على المغرب تحرير صرف العملة بعد أن فشلت في ذلك خلال الثمانينيات والتسعينيات، معتبرا أن والي بنك المغربي عبد اللطيف الجواهري الذي يعتبر محاميا لهذا القرار ومدافعا عنه كان نفسه هو الرافض له خلال نهاية القرن الماضي.

ماذا يعني تحرير صرف سعر الدرهم؟

يجب أن نفهم أن المطروح الآن هو الحديث عن مرونة أكثر في تحديد سعر العملة. فالدرهم بالنسبة للدولار واليورو له قيمة معينة. وهذه القيمة تتحدد بمرجعية تعتمد على ما يسمى بـ “السلة” التي تضم اليورو الذي يمثل %60 والدولار الذي يمثل نسبة %40. والتقلبات التي تقع في هذه السلة هي التي تحدد سعر عملة الدرهم. فالذين اتخذوا قرار تحرير سعر العملة يتحدثون عن جعل الدرهم أكثر خضوعا لتقلبات لرؤوس الأموال في السوق الدولية.

ماذا سيستفيد الاقتصاد المغربي من تحرير صرف العملة؟

الذين اتخذوا هذا القرار يدعون أن هذا التحرير ستكون له منفعة بالنسبة للتجارة الخارجية للمغرب؛ ويبنون ذلك على أطروحة مفادها أن تحرير العملة يمكن من تحسين أداء الصادرات وجلب رؤوس الأموال الخارجية. غير أنه يجب التذكير أن هذه الأطروحة هي قديمة وتم استعمالها من ثمانينيات القرن الماضي في سياسة التقويم الهيكلي، والذي يقف وراء هذه الأطروحة هو مسؤولو البنك الدولي.

وهذه الأطروحة هي وصفة كلاسيكية جاهزة يقدمها البنك الدولي لعدد من الدول كيفما كان نوع اقتصادها وخصوصياته، وكلما استطاعوا فرضها على أي بلد فرضوها عليه. وسبق لبعض البلدان الآسيوية مثل أندونيسيا وتايلاند أن اعتمدت هذه الخطة فكانت النتيجة هي الكارثة، حيث عاشت هذه الدولة أزمة خانقة في نهاية التسعينيات. فرؤوس الأموال يمكن أن تأتي في البداية غير أنه يمكن في أي وقت أو أي لحظة أن تعود إذا أحسن بأي خطر مهما طفيفا، وتلك الأموال عندما تخرج تخلق أزمة اقتصادية خانقة في البلاد.

فهذه الوصفة هي قديمة والتجارب السابقة أثبتت أنها ذات مخاطر، وهذا مثبت من الوقائع التاريخية، مع أن البلدان الأسيوية المذكورة كان اقتصادها أفضل حالا من اقتصاد المغرب الآن، وبالرغم من ذلك فإنها عاشت أزمات عميقة بسبب اعتمادها على خطة تحرير صرف العملة. فهذه الخطة هي مطروحة منذ 30 سنة ولم نقم باعتمادها، وهو ما يطرح تساؤلات حول أين كان المسؤولين، فيما فيهم والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري الذي يعد الآن المحامي الأول لهذه الخطة رغم أنه كان من بين الرافضين لها عندما سبق للبنك الدولي أن طالب بتطبيقها في المغرب خلال الثمانينيات والتسعينيات.

إن الوقع الإيجابي المفترض على الصادرات المغربية صعب جدا، لأن سعر العملة ستنخفض أمام الدولار واليورو، وهو ما يعني آليا أن قيمة جميع الواردات سترتفع، وهنا يجب أن نعرف أن الميزان التجاري المغربي يعرف عجزا مستمرا بشكل بنيوي منذ أربعين سنة، ولم يسبق للمغرب منذ أكثر من أربعة عقود أن حقق أي فائض في ميزانه التجاري الخارجي، بل الأكثر من ذلك فإن العجز يستمر في التفاقم. واليوم واردتنا أكثر بحوالي النصف من صادرتنا، وهذا واقع يعرفه الكل ولا يمكن إنكاره. وهنا يجب أن نعرف أن مجموعة من الواردات هي بنيوية ولا يمكن الاستغناء عنها مثل الطاقة والغذاء (القمح، السكر، الزيت …)، وهذا طبعا لم يتأت من فراغ بل نتيجة لسياسات متتالية أدت لهذه النتيجة.

ففي حالة تخفيض صرف العملة فإنه سيتم بشكل مؤكد ارتفاع قيمة الواردات المالية سترتفع دون أن نرفع الكمية. فمثلا إذا كنا نستورد ألف طن من القمح بمليون دولار فإننا سنستورد نفس الكمية من القمح ولكن سنؤدي ثمنه بأكثر من مليون دولار، وذلك لأن قيمة العملة ستكون منخفضة، وهذا سيستمر في تكريس العجز الذي يعرفه الميزان التجاري.

بمعنى أن تحرير صرف سعر الدرهم سيسبب أزمة خانقة للاقتصاد المغربي؟

لا يجب أن نتحدث بهذا بهذا المنطق، فأنت تريد أن تحصل على خلاصة بسيطة كهذه، ولكن الواقع أن الاقتصاد أكثر تعقيدا من هذه الخلاصة التي تريد إيصالها للقراء. فأصحاب هذه الخطة يدعون أن تحرير العملة سيساهم في تشجيع الصادرات ويقولون إن بيع نوع من الصادرات المغربية مثلا بألف دولار كان يمكن المغرب من الحصول على 9 آلاف درهم، في حين أن تحرير العملة سيمكن المغرب من بيع نفس الكمية من الصادرات بألف دولار ولكن قيمتها بالعملة المحلية ستصبح 12 ألف درهم.

وهذه الأطروحة صحيحة نوعا ما، ولكن المشكل فيها هو أن وارداتنا في المغرب ثابتة، إذ لا يمكن الاستغناء عن استيراد الطاقة والغذاء، في حين أن صادراتنا مع الأسف ليست استراتيجية بل قابلة للأخذ والرد في السوق الدولية. بمعنى أنه عندما ينخفض الدرهم فإن زبائنا في الخارج يريدون أن حصلوا أيضا على هامش من ذلك التخفيض، وبالتالي فإنهم من سيستفيدون وليس نحن. وهذا الكلام عندما أقوله فليس تخمينات فقط، بل هناك تجارب متعددة سابقة أثبتت أن تخفيض الدرهم لا تستفيد منه الصادرات المغربية شيئا.

ولكن، ألن ينفع تحرير الدرهم في انتعاش المنتوجات المحلية عوض المستوردة التي ستكون غالية الثمن؟

ممكن! وهذا احتمال طبعا. ولكن عندما أتحدث عن الواردات، فالطاقة مثلا لا يمكن تعويضها بمنتوج محلي، فالمغرب لا يتوفر البترول، ونفس الشيء بالنسبة لبعض المواد الغذائية. وهذه الواردات تكلف المغرب كثيرا لأنها مهمة ولا يمكن الاستغناء عنها. فخلاصة الأمر في هذه النقطة، هو أن قيمة الواردات بعد تحرير العملة ستصبح أكثر كلفة، فيما ستطرح نتيجة الصادرات على الاقتصاد الوطني أكثر من علامة استفهام. يعني أن وقع تحرير العملة على الميزان التجاري المغربي سيزيد من تكريس العجز.

وهنا لابد أن أتطرق إلى نقطة أكثر أهمية في قرار تحرير صرف العملة، هو أن وقعها على المديونية سيكون سيئا. فبدون أن نقترض المزيد من الأموال، فإن الرصيد الحالي الذي يجب على المغرب أن يؤديه للبنوك التي اقترضنا منها سيكلف أكثر عند تحرير العملة، حيث إذا كان مثلا حجم المديونية الآن هو 300 مليار دولار فإن الذي يجب دفعه مقابل سداد هذه الديون سيكون أكثر من هذا الرقم لأن قيمة الدرهم ستكون حينها أقل مما هو عليه قبل تحريره.

وهذه النتيجة يمكن لأي شخص بسيط أن يستنتجها ويدرك أن اتخاذ قرار تحرير العملة هو حماقة، وسيعمق من العجز الذي يعرفه الميزان التجاري وسيرفع المديونية دون أن أفعل شيئا. وزيادة على هذا فإن هناك أمر خطير يشبه المثل القائل إن “دخول الحمام ليس كخروجه”. ففي بداية تحرير صرف العملية يمكن أن نجلب بعض رؤوس الأموال ويمكن أن نحقق بعض المكاسب، ولكن يمكن الخطر، فرؤوس الأموال تلك يستثمرها مضاربون وهؤلاء عندما يقررون أن الخروج بها لا يمكن لأحد أن يمنعهم لأنهم يشتغلون بطريقة آلية وتوازن معين يناسبهم هم وليس البلد المستضيف لهم، وعندما يخرج هؤلاء سيسقط الاقتصاد في أزمة حقيقية. وهؤلاء يعرفون هذه المخاطر، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول ما الذي تغير حتى يقومون بتطبيق هذه الخطة بعدما سبق لهم في مناسبات سابقة أن رفضوها؟

في هذا السياق دعني أسألك أيضا؛ إذا كان الذين اختاروا هذا القرار يدركون هذه المخاطر، فما الذي دفعهم لاتخاذه؟

رأيي أنا، رغم أنني لست في الحكومة أو غيرها، ولكن انطلاقا من معرفتي بميزان القوى، فنحن حقيقة أمام حكومة هي تلميذ نجيب بالنسبة للمؤسسات الدولية. وهنا يجب أن تفهم أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم يحسا بأنفسهما أكثر راحة في المغرب إلا مع هذه الحكومة. أي أن ميزان القوى أحسوا أن هذه الحكومة أيديولوجيا هي ليبرالية و”مطلوقة” بالإضافة إلى أنهم يمسكون برقبة الدولة انطلاقا من المديونية والقروض المفتوحة. إذا فصندوق النقد الدولي يجد مرونة مع هذه الحكومة من أجل تطبيق سياسته ولن يجد وقتا مناسبا أكثر من هذا. والحكومة استجابت لجميع إملائاتهم عبر إصلاح صندوق التقاعد وصندوق المقاصة وتحرير المحروقات وغيرهما من الأمور الأخرى التي كانت مستعصية على صندوق النقد من قبل. فبصفة موضوعية فإن هذه الحكومة ايديولوجيا وسياسيا لا مانع لديها من تطبيق سياسة النقد الدولي.

ولكن قرار تحرير صرف العملة كان بضوء أخضر من الملك محمد السادس؟

من طبيعة الحال. فمن يحكم المغرب؟ فنحن في ظل نظام ملكية تنفيذية وليست برلمانية. فعندما أتحدث عن الحكومة فأنا أعرف صلاحياتها وحدود سلطاتها. ولكن المقرر والاستراتيجي الأعلى فوق كل شيء والدائم هو الملكية التنفيذية. فلو لم يكن الضوء الأخضر من أعلى لن يتم الحديث عن هذا القرار أصلا. فالحكومة تتحرك في المجال الذي تركوه لها من أجل إنجاز تلك المهام الصعبة التي لم تستطع الحكومات السابقة أن ينجزوها. فـ “الإصلاحات العصبة” التي تقوم بها الحكومة في نظري ليست إصلاحات وإنما هي فقط تنفيذ لأوامر صندوق النقد الدولي.

وأنت الآن عندما تتصل وتسألني عن رأيي في تحرير صرف العملة، وتنشر ذلك أمام القارئ فإنك تساهم في الأمر الذي يريدونه بشأن تأهيل الرأي العام للقبول بهذا الأمر. فالبرغم من الانتخابات والحديث عن البرامج إلا أن ذلك كله صوري، فبرنامج الدولة هو الدائم والمستمر والباقي، أما غيره فهو ديكور يتم استغلاله فقط من أجل استكمال “الإصلاحات” التي تعجز الدولة عن تمريرها فتقوم الحكومات بفعل ذلك، وهذا لن يتوقف إلا إذا كانت هناك تغيرات في موازين القوى أو اندلعت احتجاجات شعبية.