وجهة نظر

في نقد الحاجة إلى استشهاد الغرب على مآسينا

قد يشترك المصطلح في الحقل السياسي مع غيره من مصطلحات ومفاهيم حقول ومجالات أخرى في الخصائص تقييدا وإطلاقا، ومن حيث الدقة في توصيف الموضوع والإحاطة بخصائصه، ومن حيث تحصيل لفظه نوعا من الإشباع حينما يكون شافيا وكافيا في تجلية خصوصيته. وهنا ثمة ما يميز المصطلح السياسي الغربي حين يضيف إلى هذه الخصائص المشتركة بعض المواصفات التمييزية هي أقرب للصناعة والتوجيه منها إلى التجريد. أقف لبيان ذلك على ثلاث منها ذات صلة بالتاريخ الحديث: حرب إبادة جماعية، محرقة، حرب عالمية. قصدي من ذلك أن أنقد الحاجة لدينا، نحن كثير من المسلمين، إلى استشهاد الغرب الليبرالي وإلى تداول المصطلح السياسي الناشئ هناك لتنزيله على الأحداث لدينا، وأن أؤسس، أو قل أعيد إنتاج نموذج مخالف لتجاوز ما أسميه ضعفا لدينا في التعاطي مع مآسينا.

حينما يتعلق الأمر باستهداف قوة معتدية، أيِّ قوة معتدية، أعدادا كبيرة من الناس بإعمال القتل فيهم على مستوى واسع إعمالا يتجاوز القوات المقاومة، إن وجدت، ليشمل الناس دون تمييز لسنهم أو جنسهم أو وضعهم الصحي أو خصوصيتهم الدينية كالمتعبدين والمنعزلين، فالمصطلح الحديث (genocide)”حرب إبادة جماعية” إنما أتى بدقة التوصيف لممارسة “جرى بها العمل” على مر التاريخ. وذلك ينطبق على كثير من الحالات في تاريخنا المعاصر مثلا حينما تمكن الصرب من الجهة الشرقية والكروات من الجهة الغربية من طحن البوسنة والهرسك، وحينما أغرق الهوتو في استئصال التوتسي في رواندا في تسعينيات القرن الماضي. وبنفس الدقة والإحاطة والكفاية تشير كلمة “محرقة” من حيث المفهوم الخاص إلى حرق القرابين بحسب المعتقد اليهودي، وبصفة عامة في الحقل السياسي إلى الحرق من خلال العنف الممارس إبان النزاعات السياسية. ويعبأ هذا المفهوم حينما يأتي معرفا (the holocaust) لتسليط الضوء على البطش الذي طال اليهود على عهد الوطنيين الاشتراكيين بألمانيا(Nationalsozialist) . والعجب كيف تغلظ وتضخم هذه المحرقة (بأداة التعريف) فيما من المفروض أنها إن كانت فعلا قد مورست في حقهم ظلما، أن يمنعوا أن تعاد في حق أيٍّ كان حاضرا ومستقبلا، فكيف بهم أنهم هم من يمارسها بكل سادية في حق الفلسطينيين، بشكل أكثر فظاعة من الصور التي يُسَوِّقونها للعالم أنه قد وقع لهم خلال فترة الوطنيين الاشتراكيين الألمان. من ناحية أخرى يبرز مفهوم “حرب عالمية” (world war) توسع مدى الحرب ليشمل جانبا معتبرا من مناطق العالم، والاعتبار في التعريف المتداول بالكيانات المتبوعة أكثر منه بالتابعة منها. هذه المشاركة الدولية قد تأخذ أشكالا متعددة مثل سلاسل الإمداد الشامل، وتسهيل التحاق المرتزقة، والحصار المطبق من كل الجهات على أحد الأطراف خاصة من قبل الإخوة المفترضين من الذين تم الزج بهم طوعا و/أو كرها في أتان هذا العدوان، والإرجاف بالإعلام المتحيز في كثير من الدول، إن أضيف لكل ما سبق لَيُّ عنق نصوص القانون الدولي المتحكمة فيه القوى العالمية الكبرى وتكييفها بكل وقاحة وصلف لتجعل من الضحية بعبعا يجب محوه، فيبدو مصطلح حرب عالمية قاصرا عن الوفاء بالإحاطة ببعض مثل هذه الحروب كالحرب على غزة.

بمقدور أي كان استحضار هذه المفاهيم وتعبئتها لوسم حرب أو نزاع بأنه حرب إبادة جماعية أو محرقة أو حرب كونية عالمية. لكن ستجد لك بالمرصاد ما يقزم وصفك ويشكك في “موافقته للصواب” إن لم ينخرط وصفك في بعض الخصائص الأخرى: استعمالك لهذه المفاهيم يجب أن يساهم في الاستقطاب الذي ينخلع على الوصف ذي المرجعية الغربية بتمجيد ذكره، غَيْرُهُ لا ولن يرقى إلى مقامه. إن أي انزياح عن هذه المرجعية ينظر إليها على أنها خروج عن إجماع، وإذاً وجبت المشاركة في هذا “الإجماع” بالتكرار والتأبيد؛ كل وصف ترد فيه هذه المفاهيم يبقى موضع سؤال أو تشكيك أو استنكار إن لم يصحبه تأكيد السبق الأول بل جحد إمكانية اللحق بالأصل ولو تماثلت الخصائص في الحالات أو تجاوزتها من حيث تكريسها.

أمام ما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي تجاه فلسطينيي غزة كرد فعل انتقامي على “طوفان الاقصى” هناك ضعف على مستوى الخطاب العربي الإسلامي يعري فاقة وحاجة مستدامة – لم تزل – إلى استجداء مجرد الانتباه من غرب ممعن في تبني السردية الإسرائيلية. وعليه، وبعيدا عن الاشمئزاز الطبيعي من انخساف وانكساف الحس والعقل المبرِّر لكل ما يقع على الفلسطيني تجاه الرواية الإسرائيلية لوقائع الاحتلال عموما ولتداعيات طوفان الاقصى على وجه الخصوص، فثمة ما يؤكد أن حان وقت إعادة النظر في بعض نماذج التفكير لدينا، والتذكير لاحقا بإحدى دعامات الاستشهاد اعتمادا على قواعد الأصول.

المنطق الاول. أن يُجعل الوصول إلى العقل العربي أولوية متقدمة. بناء الثقة، ولو كان ماضينا مشبعا بالنكسات، مكسب دونه عوائق وحساسيات هائلة ومركبة. وفي هذا الشأن تمثل المقاومة (وأعلى نموذج لها لحد الآن المقاومة الفلسطينية في غزة وإعلامها) نقطة ارتكاز ذات مصداقية أولا، ومشروعا ذا إمكانيات كبيرة للتطوير على نموذجها. تجاوزها أو تجاهلها إمعان وتكريس للدونية.

الأمر الثاني. تتميز الازمات عامة، وهذه الحرب المجنونة على وجه الخصوص والتي تركَّزَ فيها السياسي والتاريخي والعقدي والاقتصادي والاستراتيجي ربما بشكل غير مسبوق تاريخيا، تتميز الازمات إذاً بأنها لحظات كاشفة تفرز فهما مختلفا عنه في غيرها، وقيام مرجعية جديدة على مستوى الخطاب. التقاط إشاراتها يعد إحدى الفرص الغالية. إن كثيرا من سياسيينا ومفكرينا وقادتنا الميدانيين تصدر عنهم حقائق وبالتالي مفاهيم تتجاوز التوصيف على النمط الكلاسيكي، وجب الاهتبال بها ودعمها وترديدها على نطاق واسع فيما تسمح به قنوات متعددة للتعبير. كمفهوم التداعي مثلا الوارد في الحديث النبوي، أو الحرب الأزلية، أو الفكر والتفكير السحريين أو الأحلام المريضة عند الصهاينة. وبالمقابل ومن نفس المنطلق لا نألوا جهدا في تسفيه فكر وخطاب من يزدرينا ويستفز عواطفنا كمن يتحدث بحس مبلد ووجه بارد كالح تجاهنا عن هدن إنسانية مؤقتة.

الامر الثالث. “من هناك” تتعالى بعض الاصوات وتبرز بعض القوى المجتمعية الرافضة للظلم. نشترك معها، حيث أن وزن كلينا – هنا، حيث الاستبداد السياسي والاقتصادي والتعتيم الإعلامي، وهناك، حيث الاحتكار الذي يهمش أصوات غير المهيمنين – فوزن كلينا كِفَّتُهُ مرجوحة على التوالي هنا وهناك. فنحن معنيون ببناء جسور تقوم على المشترك، أصلا لإقامة الحجة، وفرعا لسد ذريعة أننا نتقن دود الضحية. فالظلم ظلمات يوم القيامة أيا كان أصله وفصله وزمنه. إن الشهادة على الناس، وعلى النفس والأقربين بالأولى والأحرى، وظيفة شريفة في أعلى مراتب الأصول. توكيلها وإيعازها وتركها للمستكبرين سفه يحملهم على الإمعان في استصغار المستضعفين، لا يُرُونهم إلا ما يَرون هُم. لا حجة للمستضعفين، وقل أن يكونوا قلة عددية، إن استكانوا ولم ينهضوا ليستحقوا منة التمكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *