منتدى العمق

‎أجواء عيد الأضحى بالغربة وحنين الشوق للوطن.. ستراسبورغ نموذجا

تحتفل الجالية المسلمة والمغاربية خاصة بستراسبورغ شرق فرنسا، في كل سنة بعيد الأضحى المبارك، إحياءا لسنة سيدنا أبراهيم عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ,الذكرى السنوية التي تشع فيها الأنوار ساطعة التي يشد المغتربين حنين الشوق إلى أوطانهم الأصلية وأهاليهم ولعاداتهم وتقاليدهم والأجواء العائلية التي أعتادوا عليها وترعرعوا في أحاضانها.

‎حنين وشوق ليس له مثيل. لأن هذه المناسبة بالذات تتلاقي فيها العائلات فيما بينها وتجتمع مع بعضها, لربط صلة الرحم وتقويتها ولم الشمل الأسري, لقضاء العيد معا. إلا أن من لم تسعفه الظروف ولم تسمح له الإمكانيات بقضاء العيد بالبلاد. لذا تحرص الجالية المسلمة من مختلف الجنسيات خارج ديارهم في غربتهم كل الحرص على الإحتفال بعيد الأضحى رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها والتي تجبرهم على عدم السفر لقضائه في موطنهم الأصلي الأم.

‎من خلال هذه الفقرة.‎ ننقل لكم أجواء العيد بستراسبورغ وحنين الشوق للوطن ونطلعكم على ما عشناه أثناء فترة إقامتنا وتواجدنا بالغربة للعلاج من خلال هاته الجولة والإستجوابات التي أجريناها، لكي نعرفكم على مظاهر الإحتفال بهذه الشعيرة الدينية الإبراهيمية التي لا يمكن السماح ولا التفريط فيها. ‎بحوالي أسبوعين على موعد العيد، بدأ الحديث عن التحضيرات والأجواء عامة وعن هاجس التضحية قيامها من عدمها. من المغتربين من سافر إلى موطنه لقضاء العيد كما برمج له، أما من لم يسعفه الحظ بقي يتحسر ويئن لعدم تمكنه من السفر والتمتع بمتعة اللمة العائلية والجمع الأسري. ومن خلال إستفسارنا وما أفادنا به الإخوة ممن لهم خبرة وأقدمية ودراية بالمهجر، علمنا أن العيد يبقى الشغل الشاغل لكل المسلمين بالغربة ولكل عربي ومغاربي بالمهجر لا يمكن التنازل عنه ولا التفريط فيه مهما كان الحال والظروف والكل يعيشه حسب قدرته وإمكانياته عامة ووقته حسب ظروف عمله التي هل تمكنه من ذلك أم لا.

‎وبسؤالنا عن الأضحية وكيفيتها والظروف التي تجرى فيها والأمكنة وما شابه ذلك، فأخبرنا بأن الأضحية وإقتناؤها، تخضع لمعايير وشروط ومقاييس قانونية هنا، إذ يتم عن طريق الحجز بتسجيل إسم المضحي وعدد الأضحيات لدى بائعي اللحوم‫ المعتمدين والمرخص لهم بذبح الأضحية ولدى مكاتب الجمعيات ولجان المساجد التي بدورها تنسق مع هؤلاء‫. إما عن إقتناء الأضحية لا يمكن للمضحي القيام بذلك بمفرده، لكون القانون لا يسمح بالذبح، فمن قام به خلسة وسرا وضبط فعليه بتحمل المسؤولية لكونه يعد مخالف ويتعرض لعقوبات منها غرامة مالية تقدر بآلاف الأورو. فيقوم المضحي بتسجيل إسمه كما سلف فيختار أضحيته من حيث المواصفات المعروضة وزنا وثمنا ويحتجزها للعيد.

‎عيد الأضحى بستراسبورغ:

‎ومن المدن التي عاشت عيد الأضحى المبارك هاته السنة, مدينة ستراسبورغ والمناطق المجاورة لها منها حديقة الضفتين بور دي ران -ألزو –قاليا – لامينو -هونايم وشيلتيغايم -روبراتسو- هوت بيار- كينكسوفن-وغيرهم. بحيث قامت بعض العائلات بالتنقل جواريا لقضاء العيد مع أقاربهم وأصدقائهم والباقين منهم من قضاء بمفرده ومنهم من قضاء في جو عائلي وأسرى مع أسرته أو مستضاف لدى بعض العائلات أو عند صديق.

‎كما تهافتت بعض الأسرة على إقتناء حلويات العيد لتزين مائدة العيد لمن لم يسعفها الحظ في صناعته وإعداده بالبيت سواء لظروف الوقت والعمل التي لا تسمح أو لقلة الإمكانيات أو لعدم معرفة صناعته. كما شهدناه بالمحلات الخاصة عامة وبأجنحة المعارض خاصة لدى جناح الحلويات بسوف أوشون بهوت بيار يوم السبت. أو من الحرفيات من منازلهن مع ضمان خدمة التوصيل.

‎كما قامت بعض النسوة والفتيات بالتهافت على محلات وطاولات الملابس لآقتناء العباءات واكسورات العيد وبعض الآلبسة التقليدية للجميع رجال ونساء وخصوصا الأطفال وبالتزيين بمادة الحنة على الطريقة التقليدية المعتادة لاسيما المغربية الكزاوية والطنجوية وزخرفة الأيادي والأرجل فيما بينهن أو التنفل لدى بعض الأسر والمعارف أو لدى المختصات للقيام بذلك بمقابل مادي تماشيا والظروف المادية.‎ كما زين الأطفال والصبية بالحنة وهم يعيشون الفرحة.

‎صبيحة العيد: التكبيرات و التهلاليل و التسبيح:

‎فبداية من طلوع النهار توافد المصلين مكبرين مهليين ومسبحين حامدا الله، لإعمار بيوت الله وإحياء شعائرنا وسنة نبينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كل ومسجد حيه بحيث يوجد حوالي 42 إثنان وأربعين جامع بستراسبورغ ما بين مسجد ومصلى ومنهم من فضل التنقل إلى مسجده المعتاد (المسجد الكبير المسجد الأم) الذي أستقطب الآف المصلين وحضرته جموع غفيرة. فرغم بعد المسافة إلا أن الكثير فضل الصلاة فيه لإتاحة الفرصة بالإحساس ببنة ونهكة العيد بالبلاد شعائريا وروحانيا ولملاقاة أكبر عدد من الأصدقاء والأحبة والمعارف وحتى بعض أفراد العائلة.

‎صلاة العيد :

‎وكباقي المساجد شهد المسجد الكبير بستراسبورغ، وتزامنا هاته السنة وعطلة الأسبوع مباشرة بعد صلاة الفجر ليوم 10 ذي الحجة 1445هـ الموافق ليوم الأحد 16 جوان 2024م, ‎توافد المصلين للمسجد. ‎وبطلوع النهار شرع المصلين في التكبير والتهليل كعادتهم بفرحة بالعيد وإحياء شعيرته التي لا يمكن الإستغناء عنها ولا التفريط فيها مهما كان. وفي أجواء العيد ترى كالمعتاد الطوق الشامخ الرجل الذي لا يكل ولا يمل العم الحاج علي نفاتي التونسي ككل مناسبة وعيد يصدح بحنجرته الذهبية حرصا على سلامة وأمن الجميع والسهر على راحة المصلين. رفقة كوكبة المتطوعين من شباب المسجد ينظمون صفوف المصلين وإرشادهم إلى الأماكن الفارغة وتقديم الإرشادات والنصائح لجميع وبحلول الوقت تفضل السيد سعيد علا رئيس المسجد بكلمة ترحيبية بالمصلين وتهنئة الجميع بمناسبة العيد مذكرا بأن لا ننسى إخوتنا في غزة وفلسطين والتضرع لهم بالدعاء ولجميع المرضى وعقبة الأستاذ مصطفى صادقي بكلمة مماثلة مضيفا على حرص الجالية بالتماسك والوحدة والأخوة ولنقاط تنظيمية لصالح الجالية الإسلامية برمتها, وبختامها تقدم فضيلة الشيخ خليلو سيلا إمام المسجد بإقامة صلاة العيد وإلفاء خطبتي العيد، مشيرا إلى الدلالات الدينية المبينة لمغزى عيد الأضحى المبارك لدى الأمة الإسلامية وحثتها على الحرص على إقامته، مستحضرا قيم التسامح والتآخي وروح التضامن والتأزر والحرص كل الحرص عل صلة الرحم التي تظل من أسمى العبر, التي يجب على المسلم أن يستخلصها من مناسبات الأعياد الدينية خاصة لمثل هؤلاء المغتربين المحرومين منها. كما حث على تقيد الجالية الإسلامية بحسن المعاشرة من باب من عاشر قوما صار منهم ومن صار من القوم قام بواجباته وما هو مطالب منه في إطار المواطنة, ‎وبإنتهاء الخطبة والموعظة قام المصلون بوجوه بإبتسامات مرسومة على محياهم ,بتبادل تهاني عيد الأضحى المبارك والمعايدة، مهنئين بعضهم بالعيد السعيد متمنين عيد سعيدا للجميع قبل الإنصراف لمصالحهم.

عادة روحانية من طرف رواد المسجد الشباب المتطوع:

ككل مناسبة دينية وعيد من الأعياد إلى ويصطف رواد الشباب في مجموعة مهللين مكبرين ويطلقون العنان لحناجرهم الذهبية لتصح عاليا من فناء المسجد وساحة بهوه الفسيح في جو روحاني يثلج القلوب ويستقطب مئات الحضور من المصلين رجال ونساء وأطفال والكل شغوف بهاته اللحظات وإتتظارها بفارغ الصبر حتى لا تفوه هاته الفرصة الثمينة ويشارك فيها.

‎المعايدة و التغافر والزيارات:

‎وبإنتهاء الإحتفال بشعائر العيد الدينية بالمسجد أنصرف الجميع كل ووجهته منهم إلى أسرته ومنهم إلى أصدقائه ومنهم للشارع من لا أسرة له ولا أصدقاء له سوى الله في وحدته. ومنهم من فضل زيارة المرضى بالمستشفى والعجزة وكبار السن بإقامتهم كما كان الحال لنا, لمواساتهم والتخفيف عنهم ومشاركتهم فرحة العيد خاصة لمن هو وحيد وتقديم هدايا العيد والمساعدة التي يحتاجونها. وتواصلت الأفراح والزيارات والتهاني طوال اليوم بين الأهل والأقارب والأصهار والأحباب بالتنقل لمن سمحت لهم الفرصة وخدمتهم الظروف، بينما حرم العاملون المداومين حتى من قضائه مع عائلاتهم وأبنائهم. وزيارة بعض العائلات لأبناء الجاليات الأخرى لإشعارهم بفرحة العيد كما كان الحال لأسرتنا وزيارة بعض الأطفال للبيوت للمعايدة أين زارنا بعضهم كما هو الحال في البلاد.

‎ومن جهتها قامت بعض الأسر بإستضافة بعض العائلات التي لا عائلة ولا قريب لها هنا بالمهجر لقضاء يوم العيد في جو أسري كما هو الحال في البلاد والتمتع بلذة ‫الشواء على الهواء الطلق‫. لمن تمكنت من شراء اللحم قبل العيد لآن الأضحية لا تسلم إلا في اليوم الثاني لظروف خاصة.

فرحة الأطفال بمناسبة العيد:

عاش الأطفال والبراعم فرحتهم بالعيد بلباسهم وتحفهم وألعابهم المقتنية المفضلة والمهداة فرحة وبهجة مرسومة على وجهوهم البريئة لا تعوض أدامها الله عليهم. وأخذهم مساء للحدائق والمرافق العمومية المخصصة لفضاءات ألعاب الأطفال برفقة ألعابهم وهدياهم المهدات لهم بالمناسبة.

‎طبق الكسكسي غذاء العيد المفضل بالمناسبة :

‎ومن عاداتنا وتقاليدنا التي نشأنا عليها وترعرعنا معها طوال سنوات تواجدنا بالبلاد طبق الكسكسي ( قصعة العيش ) وكانت هاته السنة هنا بستراسبورغ فرنسا أين أجتمع عليه مشاركونا من أبناء الجالية. وفي المساء أجتمعت الجميع على الشواء ولذيذ الأضحية في جو عائلي بنكهة البلاد وتعدد طرق الشواء. مع جلسة شاي بالنعناع والكاوكاو الفول السوداني. وحلويات العيد.

المعايدة بطرق متعددة:

‎المعايدة على الأهل عن طريق الأنترنات ومن باقي وسائل التواصل كانت هي الوسيلة الوحيدة من خارج الوطن لتبادل التهاني ووصل صلة الرحم من خارج الديار، الذين أجبرتهم ظروف العمل والمسافات على قضاء أيام العيد بعيدا عنهم. فإن الأنترنيت هو الواصل بينهم صوت وصورة، لإستكمال جو الفرحة بالعيد،‎ وهذا ما يخفف عنهم حدة الغربة، خاصة لمن هم ممنوعون من الكثير من الأشياء التي تميز العيد في البلد الأم كنحر الأضحية في البيت أو الشارع وبهجة اللمة ونشوة الشواء مع الأطفال والعائلة الخ.

‎عشاء لقاء أبناء الجالية السنة والتقليد المعتاد :

‎ومن بين العادات والتقاليد الراسخة عشاء العيد التي تحرص عليه الجالية الجزائرية لربط العلاقات والتواصل ولم الشمل والإحساس بلذة العيد ونشوته في جوء أسري أخوي. لقاء تزاور وتبادل تهاني العيد في سهرة أخوية أسرية تضامنية تآزرية, جمعت الأشقاء الأخوة بستراسبورغ وما جاورها.

‎قالوا عن العيد :

‎يقول العم علي: أحتفل بالعيد مع عائلتي، لكن ما ينقصنا هو الجو العام الذي ألفناه في الشارع. فرحة الأولاد في الحومة ورؤية الكبش حيا‫ـ إبعبع وتحنية الضحية وتكحيل عيونها ضجيج السوق وشحاذ السكاكين، شواء الرؤوس.

‎وتقول الأخت مروة: أن الفرق بين البلاد والغربة هو أن أجواء العيد تكون في منتهى الروعة، ما يميزها هو مرح ولعب لأطفال في الشارع وجريهم، وتبادل الجميع التحية على المارة. أما هنا المهم يمضي العيد ونحييه قدر الإمكان لكي يشعر الناس بقرحته، لأنك بمجرد أن تفتح باب منزلك لا ترى كالمعتاد حركة الشارع كما تعودنا عليها لا شيء مختلف فيها، وترى كل واحد في طريقه للعمل أو السوق، مضيفة نكهة العيد وبنته في البلاد لا مثيل لها ولا تعوض.

‎ويقول العم سليمان: نفتقد هنا بالمهجر أجواء الصلاة في المصلى التي لها نكهة خاصة مميزة، وفضاءات ذبح الأضحية سواء في الشارع المنزل أو بالحي جماعيا أين يخلق الحدث جوا من الحماس والفرح. نشعر يوم العيد بالإحساس بالغربة بعيد عن البلاد والأهل وهو ما يجعلك تعيش في نوع من الحزن والكآبة مما يضطر الكثير لفقدان نكهة فرحة العيد خاصة عند إتصاله بالأهل للمعايدة .

‎وتقول الأخت نوال: أش من عيد, سترك ياربي المهم نحتفلوا أوكان, عيد بحولي بلا رأس لا دوارة أش نديرو به الله يجب التيسير.

‎أضحية غير مرئية و كبش بدون دوارة:

‎وعن العراقيل التي تواجه أفراد الجالية بخصوص أضحية العيد عملية الذبح.

‎تقول الأخت ماريا: واش من عيد كبش بلا ما أتشوف أو تحضر عملية الذبح و تستمع بها وبنشوتها وأضحية بلا رأس ولا دوارة. ماعندك ما تفرح به.

‎للعلم إذا يسلمونك الأضحية مسلوخة مع قطعة كبدة وكرشة ونادرا ما تستلم اللحم وحده, كون القانون لا يسمح بالذبح والبقايا كما يسمونها ترمى و تحرق لتفادي الأمراض.

ويقول الشاب وليد: نفقد بنة العيد من حيث ذبح الأضحية, إذ قبل العيد بأسبوع نذهب عند الجزار ونقوم بحجز الخروف الذي لا نراه أصلا حيا ونتحصل على رقم خاص بنا، وبعد صلاة العيد نذهب للبيت مكسوري الخاطر في غياب الأضحية, وفي ثاني يوم العيد تجد العشرات من المضحين في طابور إنتظار تسليم أضحيتهم، بعد فترة طويلة بعض الأحيان حتى ساعة متأخرة من المساء, تتم المناداة على رقم الأضحية وتستلم أضحيتك.

‎نظرة الغربيين للعيد:

‎وحول نظرة الغربيين إلى مناسبة عيد الأضحى، إن الناس يتعاملون مع المسلمين في هذه المناسبة بإحترام كبير، سواء بين الجيران وأصدقاء العمل أو الشارع ويبادرون إلى تقديم التهنئة والتحية بإبتسامة وتمنيات العيد.

كانت هاته أجواء العيد واحتفالاته بستراسبورغ فرنسا.

* الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون – ستراسبورغ فرنسا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *