الوحداني لـ “العمق”: بوليد قبض ثمن خيانته لي “كرسيا رئاسيا”
https://al3omk.com/96040.html

الوحداني لـ “العمق”: بوليد قبض ثمن خيانته لي “كرسيا رئاسيا”

محمد الوحداني، شخصية باعمرانية طبعت الساحة السياسية والجمعوية بسيدي إفني بكثير من الجدل، وذلك بسبب تحركاته التي بصمت عن لحظات ذات انعطافة تاريخية بعاصمة آيت باعمران، بدءً بأحداث السبت الأسود سنة 2008، ومرورا بتشكيل السكرتارية المحلية وانتهاء بترؤس المجلس البلدي لسيدي إفني، فدخول السجن بعد ذلك.

في هذه الحلقات المعنونة بـ “السر” والتي خص بها الوحداني جريدة “العمق المغربي”، نتعرف بشكل أقرب إلى شخصية الوحداني ومساره طيلة عشرين سنة من حياته، حيث يحكي عن تجربته بانتصاراتها وانكساراتها، حكايات وفاء وحكايات خيانة مقربين وأصدقاء، تقاطعت حكاية حياته مع حيواتهم.

الحلقة الرابعة: بين الطريق والتحقيق

أسندت ضهري على الهيكل الحديدي البارد لسيارة الأمن، كان الجو قارسا تلك الأيام، أحسستني أسدا جريحا ومقيدا، كنت متعبا من قلة النوم، وكثرة السفر، أحسست لحظتها بتعب عقدين من الزمن يرخي علي بكلكله. كما أحسست بسكين الغدر يطعنني مرة أخرى من حيث لا أحتسب! جلت بنظري في محيط القفص الذي أوجد فيه وحدي مقيدا …. وإن كان معي رجل أمن! فهو معهم وليس معي.

رأيت كاميرا مراقبة أعلى الباب المغلق، كانت صغيرة ودقيقة، تحتل مساحة لا تكاد تظهر، مصوبة ناحيتي! شاشتها توجد في الأمام بجانب مرافق سائق الناقلة، وصافرة الإنذار مازالت مستمرة في عويلها المزعج، إنها المسطرة! هذا ماقاله السائق! كنت أسترق النظر مرات إلى الخارج من خلال النافذة الأمامية، وأتذكر مئات المرات التي قطعت هاته الطريق حرا، كنت حينها سائق سبيلي الحر، أما الآن فأنا مصفد يد واحدة كبهيمة مربوطة من رجلها، يجرها جزار إلى مذبح الخيانة كي يسفك دمها قربانا لشيطان يرتب تفاصيل حكمه كي يبايعه المتأمرون والخونة والسراق والبغاة وكل ذي إفك مبين.

السيارة تأكل الطريق في ذلك الليل البهيم مسرعة وكأنهم يريدون أن يتخلصوا مني بأقصى مايمكنهم، لمرتين كنا على وشك أن نقوم بحادثة، في المرة الثانية صرخنا على السائق أربعتنا، ونهرناه، كانت سياقته خرقاء. دخلنا مدينة تزنيت، سألني السائق عن الطريق التي يمكننا أن نستعملها، في ذلك العام 2014، ونتيجة التساقطات المطرية المهولة التي عرفها المغرب، وخصوصا في المناطق الجنوبية، فإن أرواحا كثيرة أزهقت، والعديد من الطرق والقناطر إنهارت، فتعذر الوصول إلى كثير من الأماكن والقرى والمدن في جهات الصحراء، وخصوصا في أقاليم إفني وكلميم وطانطان.ذ

أجبته: طريق إفني عبر أربعاء الساحل، كل قناطرها منهارة. فأجابني: أعلم ذلك، ولذلك أسألك! توجهت إليه: خد طريق أكلو، ومن خلاله سنعبر الى ميراللفت، قنطرة الشيخ سيدي محمد بن عبلا، رمموها بالتراب! وأتمنى من الله أن لا يكون البحر أو مياه الفيضانات قد دمراها ثانية. إتجهنا صوب طريق أكلو. غفوت قليلا فقد كنت بالغ التعب، وإستسلمت لقدري. آخر ما أتذكره هو حينما تجاوزنا قنطرة أولى في مدخل جماعة أكلو.

سمعت مابين النوم واليقضة حوارا أو بعضه! وإستيقضت هالعا، كنت مشوشا، السيارة واقفة في طريق ما، والليل الحالك الشتائي يلف الفضاء، والبوليس يتناقشون بينهم: “تجلينا، وصاحبي انت مامخالط هاد الطريق وجاي سايق بنا، لاش دخلتي مع هاد لابيست؟! (طريق غير معبدة)”، حينها إستيقضت، حاولت النظر لكن سواد الليل حال دون أن أتبين ما يحيط بنا! في تلك اللحظات، تبادرت إلى ذهني أفكار سوداء، فبدأت أتوهم أشياء من قبيل، ماذا لو تمت تصفيتي في هذا المكان؟ ولماذا لم يقوموا بإعطائي الهاتف كي أتصل بعائلتي وأبلغهم باعتقالي كما يكفل لي القانون! هل حرموني من ذلك كي تتم تصفيتي هنا بعيدا وفي مكان قصي؟ وزاد من شكوكي حينما قلت لنفسي: ماذا لو لم يصل خبر إعتقالي إلى أهلي وإلى باقي الناس؟ في تلك اللحظات القاسية، وعلى أضواء السيارة ظهرت لي شجرة أركان عملاقة، قلت ماذا لو علقوني مشنوقا على أغصانها وقالوا بعدها: الوحداني إنتحر!

وأفاقني من هذه الكوابيس صوت بوليسي: “واسي الوحداني را تجلينا، شوف معنا الله يجازيك فين كاينا الطريق؟” حينها عدت إلى ثباتي وقلت للسائق أخرج بنا من هاد لابيست وأدخل بنا الى الطريق المعبدة وبعدها سنرى! قطعنا مسافة طويلة، كان السائق قد دخل بنا إلى دواير أكلو، وحين وصولنا إلى إحداها تعرفت عليها جيدا فقد كنت أزورها مع صديق لي إسمه ابراهيم، حيث كان يسكنها لمدة مع أبنائه وزوجته الثالثة التي تزوجها من غير علم زوجتيه القاطنتين بفرنسا، كان الدوار قريبا من مقر جماعة أكلو، وحينما وصلنا إلى هناك إكتشف السائق الطريق السالكة.

تأذت الطريق كثيرا، تساقطت أجزاء منها، وقناطر كثيرة خصوصا تلك التي بنيت في عهد الحكومات المغربية تهاوت مثل السراب، أما قناطر الحماية الفرنسية (منطقة ميراللفت كانت تابعة للنفوذ الفرنسي) والحماية الإسبانية فقد قاومت الفيضانات، قنطرة افني التي بنيت لمرات بعد خروج اسبانيا عام 1969 انمحت نهائيا من الوجود، أما قنطرة اسبانيا بمحاذاة ملعب سما راسو التي بنيت منذ الأربعينيات فانها ظلت صامدة أمام فيضان 1986 وفيضان 2009 وفيضان 2014، ومنها مرت سيارتنا الى كوميسارية إفني، كانت هذه القنطرة هي صلة الوصل الوحيدة التي ظلت تربط افني بالعالم!

كانت تسبقنا سيارة أمن تابعة للمنطقة الإقليمية لسيدي إفني، كان يسوقها العميد الرئيسي طارق، إفني كانت في أسوء حال. الفيضان أحالها إلى مدينة مدمرة ومنكوبة، مارأيته من خلال النافذة الأمامية، إغرورقت له روحي قبل عيني! كنت أحس إفني متعبة مثلي، مجروحة أكثر مني، نال منها الغدر والمكر وغضب الطبيعة مثل ما أنا تلك اللحظات. قال لي مرافقي الآن من فضلك، يجب أن ندخل إلى الكوميسارية وأنت مصفد اليدين! لخبار فراسك. حينها أحسست أن بعض بوليس إفني طرف في مؤامرة ما ضدي.

أدخلوني إلى داخل كوميسارية إفني، هذه البناية الباردة روحا وشكلا؛ الجديدة بناءً، كانت قبل سنوات مثل كثير من بنايات الإسبان بافني؛ ذات شكل معماري موريسكي أنيق، منسجمة مع محيطها العام؛ حتى المركب السجني التابع لها كان بأبراجه وشكل نوافذه وبواباته الجميلة وهندسته، يحمل بصمات إفني! حتى الكوميسارية والكوارتيل (مكان سجن الحراسة النظرية والتعذيب) كان يشبهنا … أما الآن وبعد تدميرهما معا، بنيت مجرد أعمدة مسلحة. تم تسليمي لبوليس افني أخيرا.

ودعني رجال الأمن القادمون بي من أكادير وانصرفوا بعد أن حرروني من قيد أصفاد أكادير وبدأت معالم مؤامرة ثانية تنسج داخل أسوار كوميسارية إفني! جلست أمام العميد، كان مطروحا على مكتبه حليب وبعض بسكويت، قلت له: السي طارق قبل من بداية هاد التحقيق الطويل! غادي نمشي نغسل أيدي ومن بعد غادي نرجع ناكل هاد طانغو ونشرب هاد لحليب – كنت جوعان لم أكل شيئا ذلك اليوم؛ ولدي عادات أكل غير منتظم؛ وكنت أتغدى أغلب الأوقات نهاية اليوم – وضروري نتصل مع عائلتي باش نخبارهوم بانني اعتقلت را مافراسهوم والو! فقال لي العميد وهو ويبتسم: مافراسهوم والو؟ المغرب كامل فراسو را خبارك نقلتها كل المواقع وصفحات الفايس! على أي تعشا واخا لعشا على قد الحال؛ وغادي تتصل إتصال واحد اللي كيرخص لك القانون لا غير.

عدت، وطلبت أن أجري اتصالي؛ كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، كان قد التحق بنا عميد أخر ناداه العميد طارق بالمسعودي، كنت اعرف الإسم وقد عزيته في صفحتي بالفايس بووك في وفاة بعض أفراد عائلته ضحايا فيضانات كلميم، لكني لا أعرفه شخصيا، قال لي ماهو الرقم الذي ستطلبه؟ فكرت قليلا، لم أستحمل أن أتصل بأبي لن أستطيع أن أنقل إليه خبرا مثل خبر إعتقالي؛ وهو المسن الخارج حديثا من أمراض وعمليات، قلت للعميد المسعودي: ساتصل بأخي، وقبل أن أتم كلامي: شكون واش جمال؟ نظرت إليه بتساؤل: ما فهمت واش أنا قلت جمال ؟!! إبتسم وقال: لا عادي غير حيث جمال مع عضو تاع المجلس الجهوي تاع حقوق الإنسان ومرارا كيجي هنا حول ملفات تاع المواطنين والشكايات تاعهوم وهو را نائب رئيس تاع البلدية يعني كنعرفوه أكثر. أجابته: ها الرقم تاع خويا عزيز عضو المركز المغربي لحقوق الإنسان! سلمته الرقم الذي كتبته على قطعة من ورقة سلمني إياها.

أخدني إلى مكتب أخر به هاتف ثابت، ركب الرقم وسلمني سماعة التليفون، رن الهاتف مرتين.

المكالمة

صوت أخي عزيز: ألو

محمد: مرحبا أبا عزيز.

عزيز وصوته به بحة تأثر ودمع يقاومه: مرحبا خويا، حنا كل شئ بخير وبا ومي را بخير غير أنت كون بخير أخويا واش نجي.

محمد: وزربتي عليا هههه. شوف جيب ليا شي مانطة ووسادة وشي ماناكل وقل لبايا وميا أنا بخير وحامد الله إلى غار صبروا هوما أنا الحبس ماعندي فيه كسار؛ في تلك اللحظة أشار علي الكوميسير المسعودي بإنهاء المكالمة! ودعت خويا عزيز، على موعد اللقاء به بعد قليل.

رجعت قافلا الى مكتب الشرطة القضائية بمعية الكومسير. وجدنا الكوميسير طارق جالسا يحمل حزمة أوراق بين يديه. قال لي: عتق بعدا بين ما نوجد أنا هاد الضوصي. شققت علبة حليب سنترال بأطراف أنيابي وفتحت بسكويت طانغو بأطراف أظافري وبدأت أشرب جرعات الحليب وأقضم البسكويت. أين كنت وأين أنا الآن بفضل مؤامرة بوليد وأخرين لا محالة أني أعرف بعضهم والبعض الأخر سيكشفه الزمن والبعض الأخر سيمكر الله به كما مكر بي والله خير الماكرين!

انهيت إفتراس مابدأت أكله، خرج العميد طارق بعد إتصال أحدهم على هاتفه الجوال! تأخر أكثر من 15 دقيقة! كان الكومسير المسعودي جالسا على كرسي ماقبل التحقيق الذي كان يتناوب عليه هو وزميله طارق.

الكومسير المسعودي: آش غادي نقول آ الرايس، انت مايقد الواحد يفهم فيك وااالو، يلاه كنقولو صافي را الوحداني هداه الله وداها فراسو وهنانا منو، كتطلع لينا بشي عجب! أنا عييت مانحلل في التقارير، انت شريف وخلاص لوقت اللي كتطلع كتدير أمارش وكتريب كاع الإحتمالات اللي كانديروا.

محمد الوحداني: أنا بسيط جدا. مواطن بغا هاد الوطن يكون وطن تاع الكرامة وتاع المعقول وتاع الديمقراطية وحقوق وواجبات يحترمها الجميع. التقارير المغلوطة اللي كتوجه من مستنقعات المصالح والأطماع هي اللي خرجت على هاد البلاد. لو كان المعقول اكون كاع مايموتو العائلة تاعك الله يرحمهوم ضحية تاع شوية تاع الشتا، اكون كان المعقول والمحاسبة كاع مايفيض الما من السد تاع افني، و زيد و زيد …. قاطعني

الكومسير المسعودي : الأسرة تاعي الله يرحمهوم ماتوا لأن الأجل تاعهوم انتهى!

محمد الوحداني: هي نمشي انا دابا ونقتل شي واحد، وتقول ليا: إنتهى الأجل تاعو! هذا منطق غريب. الجريمة ممكن تكون بسبب مباشر باستعمال سلاح أو بسبب اختلاس وسرقة المال العام، واحد بنى عمارة أو طريق أو سد أو قنطرة وسرق ونهب من الميزانية تاعها وماتوا الناس يجب أن يحاسب.

دخل الكومسير طارق ونهض الكومسير المسعودي، وبدأ التحقيق:

وضع كومة من الأوراق، أمامنا وقال لي هذه تصريحات المتابعين الآخرين، الذين تمت محاكمتهم منذ أكثر من شهر وصدرت في حقهم أحكام بالبراءة والسجن، على أي التحقيق سيكون سريعا، مجرد أسئلة وننتهي، غار عطلتي راسك وعطلتينا، أكون قدمت راسك من الأول كاع من تكون شي مذكرة بحث أو تقديم بهاد الطريقة!

محمد الوحداني: السيد العميد، على ماأظن أنا ماشي أمي، وقاري واحد شوية! وفي نفس الوقت انتم تعرفون بأنني ماشي أول مرة يتم الإستماع إلي، فقد تم الإستماع لي وتقديمي في حالة اعتقال أكثر من مرة، وعندي تجربة فهاد المجال! منذ 2005 وأنا داخل خارج مرة اعتقال مرة تقديم مرة سجن، واه أنا فوق شهر من وقوع أحداث نوفمبر 2014 وانا كنضور حداكوم هنا في إفني ويوميا أما كنتغدى أو كندير كسكروط في المقهى المقابل للكوميسارية، وتم اعتقال مايقارب العشرة، ومحاكمتهم، ومعمر شي حد سول فيا، أو توصلت بشي استدعاء، والى حد الآن أنا ماتوصلت بشي استدعاء، جيتوا واحد النهار بعد صدور الاحكام وبعد مدة وسولتو فيا فالدار ومشيتو … قاطعني.

الكومسير طارق: هناك إجراءات آ الرايس، نحن ننفذ تعليمات النيابة العامة، وحتى دابا هوما اللي جابوك!

محمد الوحداني: صحيح، أنا أعرف جيدا لماذا تم تحريك الملف في هذه المرحلة، ولماذا الآن وخصوصا بعد تحركاتي وطنيا ودوليا في ملفين، خصوصا ملف اعتبار إقليم إفني منطقة منكوبة وتنسيقي مع ابناء المنطقة عبر العالم لفضح ماوقع هنا، وملف الحكم الذاتي. هنا قاطعني الكومسير طارق بصرامة. قائلا: إسمك وأسم أمك وأبيك وتاريخ إزديادك وباقي معلوماتك؟

في هذه اللحظة، وفي هذه اللحظة بالضبط، أحسست بأنني وضعت رجلي الثانية داخل سور السجن. القدم الأولى وضع فخها بوليد المتأمر ضدي من خلال توظيفه كإعلامي باعمراني وثقت به، قدم خدمة للوبيات إنتخابية تعرف جيدا أنني لن أتركها ترسم خريطة الإنتخابات وفقا لمصالحها، ونال جزاء ذلك، رئاسة لم يحلم بها أبدا وهو الذي ترشح من قبل ولم يستطع حتى تحصيل مجرد مقعد في أحد افقر الجماعات القروية في العالم! وهاهو الفخ الثاني يجر قدمي الثانية، خدمة للوبيات أزعجها تحركي وطنيا ودوليا في ملفات حارقة وساخنة. كنت مطلوبا من كبار صناع الخرائط الإنتخابية، ومن بعض صناع القرار الأمني.

يتبع …

 

هذه المادة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “العمق المغربي”.