“جنود الظل” في “كان 2025”.. 15 ألف متطوع يرسمون الوجه الإنساني للبطولة
بعيدا عن أضواء الشهرة وضجيج المنافسات على المستطيل الأخضر، وبحضور دائم لا ينقطع في مختلف الفضاءات المرتبطة ببطولة كأس إفريقيا للأمم (المغرب 2025)، يرسم الآلاف من الشباب لوحة إنسانية رائعة، مجسدين الوجه الخفي والنابض لهذه التظاهرة القارية المرموقة.
فمنذ اللحظات الأولى لوصول الوفود والجماهير، يتواجد هؤلاء المتطوعون في الملاعب، مناطق المشجعين، المطارات، محطات القطار، ومراكز الاعتماد، ليشكلوا حجر الزاوية الذي لا غنى عنه في التنظيم المحكم لهذا العرس الإفريقي الكبير.
ولضمان نجاح هذا الحدث القاري، تم تسخير جيش بشري قوامه 15 ألف متطوع، تم اختيارهم بعناية فائقة لمواكبة كافة تفاصيل البطولة. واللافت في هذه النسخة هو البعد القاري الذي أضفاه المنظمون على فريق التطوع، حيث يتضمن هذا العدد 1000 طالب إفريقي ينتمون لبلدان مختلفة ويتابعون دراستهم في الجامعات ومعاهد التكوين المغربية.
ويشكل هذا التمازج بين الشباب المغربي ونظرائهم من الدول الإفريقية تعبيرا رمزيا عميقا عن وحدة القارة، وتجسيدا حقيقيا لروح التضامن والعيش المشترك التي تسعى المملكة المغربية لترسيخها، مما يمنح البطولة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود الرياضة.
لم يكن طريق هؤلاء الشباب نحو التطوع معبدا بالصدفة، بل جاء ثمرة لعملية انتقاء دقيقة شملت عشرات الآلاف من طلبات الترشيح التي تقاطرت من مختلف جهات المملكة. وقد لبى هؤلاء الشباب، نساء ورجالا، نداء الوطن بحماس عالٍ وروح مسؤولية تعكس تملك الشباب المغربي لرهان تنظيم “الكان”، واعتزازهم بالمساهمة في إنجاح تظاهرة ذات إشعاع دولي.
وإدراكا لحجم المسؤولية، وانسجاما مع متطلبات بطولة عالمية المعايير، خضع المتطوعون قبل انطلاق المنافسات لسلسلة من التكوينات المكثفة والخاصة، أشرف عليها مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT).
وركزت تلك الدورات التأهيلية على محاور استراتيجية شملت، تقنيات استقبال وتوجيه الجمهور، وفن التواصل وتدبير الحالات الحساسة والطارئة، وتنظيم الفعاليات وإدارة الحشود، واستيعاب وتطبيق بروتوكولات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف)، بالإضافة إلى أساسيات السلامة والأمن داخل وخارج الملاعب.
كما تم إيلاء عناية خاصة للتواصل اللغوي، لتمكين المتطوعين من التفاعل السلس مع مشجعين وزوار من مختلف أنحاء القارة والعالم، مما ساهم في إرساء أجواء ودية ومطمئنة.
وفي المدرجات كما في محيط الملاعب، تحولت ابتسامة المتطوعين وتفانيهم وحسهم المهني إلى علامة مسجلة تركت أثرا طيبا في نفوس الجماهير. فبفضل إتقانهم لعدة لغات وسعة صدرهم، نجحوا في عكس تقاليد الضيافة المغربية العريقة، مقدمين صورة حضارية عن شباب المملكة.
وعلى أرض الواقع، تتعدد المهام الموكلة إليهم وتكتسي طابعا حيويا؛ فهم البوصلة التي توجه الجماهير، واليد التي تساعد الفرق ووسائل الإعلام، والمرافق الأمين للأشخاص في وضعية إعاقة، فضلا عن دورهم في تنشيط مناطق المشجعين وتدبير ولوج الملاعب، مما يضمن انسيابية الحركة وراحة الجميع.
في تصريحات استقت آراء صناع هذا النجاح، عبرت فاطمة الزهراء، طالبة في شعبة الصحافة ومتطوعة، عن فخرها بهذه المهمة، قائلة: “مهمتي الأساسية هي توجيه الجماهير والفرق، لكن بعيدا عن الجانب اللوجستي، أعتبر هذا التزاما في خدمة وطني. لقد مكنتني هذه التجربة من عيش أجواء فريدة، وعززت لدي روح العمل الجماعي”.
من جانبها، أكدت زميلتها جيهان أن التطوع في حدث بهذا الحجم أتاح لها فهما أعمق لكواليس التظاهرات الكبرى، مضيفة: “تعلمت أهمية التنسيق الدقيق، التدبير المحكم للمعلومة، واحترام إجراءات السلامة. لقد صقل هذا الاحتكاك الميداني قدرتي على العمل تحت الضغط والتفاعل السريع مع المستجدات”.
أما مريم كيتا، المتطوعة المنحدرة من مالي، فقد رأت في تجربتها فرصة لإبراز قيم المملكة، مؤكدة: “نحن هنا لا نكتسب مهارات التواصل والعمل الجماعي فحسب، بل نرسخ قيم التبادل الثقافي بين الشباب الأفارقة. إنها تجربة إنسانية غنية تميزت بشغف جماعي بكرة القدم”.
وبفضل انضباطهم وروح الخدمة العالية، يعكس هؤلاء الفاعلون صورة تنظيم دقيق، حديث، ومنفتح على العالم، نالت استحسان الوفود والجماهير على حد سواء. ورغم بقائهم في الظل، يظلون هم الركائز الأساسية التي بدونها تفقد التظاهرة جانبا كبيرا من وهجها وإشعاعها الإنساني.
اترك تعليقاً