منتدى العمق

حين تعلق الثلوج الحق في التعليم: أطفال الجبل خارج الزمن المدرسي

كنزة لعليليس

بينما يستبشر الفلاحون بتهاطل الثلوج كخزان لمياه الصيف، يرقب أطفال القرى الجبلية والنائية تقلبات أحوال الطقس بمشاعر مختلطة، فخلف الجمال الأبيض الذي ترصده عدسات الكاميرات، تكمن حقيقة قاسية: مدارس مغلقة، فصول متجمدة، ومسارات تعليمية يقطعها الصقيع كما يقطع المسالك الطرقية.

​المدرسة الحلم الذي يجمده الصقيع

​في هذه المناطق، لا تعني المدرسة مجرد فصل دراسي، بل هي “الفضاء الوحيد” للتنشئة والتعلم، وعند البعض تناول وجبة دافئة ان توفرت المطاعم المدرسية، ومع تهاطل الثلوج الكثيفة هذه الأيام، تتحول المدارس القروية في أعالي القمم إلى بنايات مهجورة تحت حصار الثلوج.

الانقطاع عن الدراسة هنا ليس “عطلة مبرمجة”، بل هو بتر قسري للزمن المدرسي، ففي الوقت الذي يستمر فيه أقرانهم في الحواضر في التحصيل داخل فصول دافئة، يجد طفل الجبل نفسه مرغماً على ملازمة “الكانون”، في انتظار أن تجود السماء بفرجة تفتح الطريق نحو “الحجرات المدرسية.

​التعليم عن بعد البحث عن “الريزو” الذي يظهر ويختفي

​في القرية، يُطرح سؤال الرقمنة بحدة. هل يمكن لهؤلاء الأطفال متابعة دروسهم عبر الإنترنت.

الواقع الميداني يشير إلى أن “الفجوة الرقمية” تزداد عمقاً مع كل سنتيمتر من الثلج، ففي ظل انقطاع التيار الكهربائي أحياناً، وضعف صبيب الإنترنت في المرتفعات، يصبح الحديث عن “التعليم عن بعد” نوعاً من الترف النظري، فطفل الجبل في زمن العاصفة يصارع من أجل الدفء، وليس من أجل الولوج للمنصة الرقمية.

​أبعد من مجرد دروس ضائعة

​الانقطاع عن الدراسة بسبب الثلوج ليس خسارة معرفية فحسب، بل هو خسارة اجتماعية؛ فالمدرسة في القرى توفر أحياناً الوجبة الوحيدة الساخنة للطفل (عبر المطاعم المدرسية)، ومع الإغلاق، يفتقد هؤلاء الصغار لهذا الدعم الغذائي في أكثر الأوقات التي يحتاجون فيها للطاقة لمواجهة البرد.

​إن تراكم فترات الانقطاع بسبب النشرات الإنذارية المتتالية يخلق “هدرًا مدرسيًا “. فالطفل الذي ينقطع لأسبوعين أو ثلاثة بسبب الثلوج يجد صعوبة كبيرة في استعادة إيقاع التعلم، مما يساهم في تعميق الفوارق التعليمية بين المغرب النافع” والمغرب العميق”.

​ تراعي خصوصية الجبل نحو “هندسة مدرسية 

​ إن مواجهة هذه الوضعية لا تحتاج فقط إلى “كاسحات ثلوج“، بل إلى تفكير في حلول رقمية لا ترتهن كلياً لقوة (الريزو).

ورغم وجاهة هذه المطالب، لا بد من الإشارة إلى الإكراهات الموضوعية التي تواجه السياسات العمومية في المناطق الجبلية، من قبيل محدودية الموارد المالية، وصعوبة التضاريس، وارتفاع كلفة تجهيز وصيانة المؤسسات التعليمية في الفضاءات النائية غير أن الاعتراف بهذه التحديات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعليق حق الأطفال في التعلم، بل إلى حافز لتبني حلول مبتكرة تضمن استمرارية التمدرس وتحد من الفوارق المجالية، حتى لا يظل طفل الجبل هو “الحلقة الأضعف” في كل نشرة إنذارية، علينا أن نتذكر أن حق التعلم لا يجب أن يتجمد مع تجمد المياه في العيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *