تعليق على قرار حول مسؤولية البنك عن إفراجه لمبلغ القرض العقاري في ضوء واجب اليقظة
يُثير القرار رقم 36 الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 26/11/2025 موضوعاً في غاية الأهمية، يتعلق بمسؤولية البنك عن إفراجه لمبلغ القرض العقاري في ضوء واجب اليقظة. ومن باب التفاعل مع القرار المذكور توضيحاً وبياناً واستدلالاً، بحثاً عن مدى مصادفته للصواب وتطبيقه لصحيح القانون، فإن المنهجية القانونية تقتضي تناول العناصر الآتية:
أولاً: عرض موجز لوقائع النازلة.
ثانياً: مناقشة الموقف القضائي حول حدود مسؤولية البنك المقرض.
ثالثاً: عدم قابلية العقد للانقسام والتجزئة عند التنفيذ.
أولاً: عرض موجز لوقائع النازلة
يستفاد من القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 26/11/2025 في الملف عدد 22/1203/2024 تحت رقم 36، أن البنك (أ) تقدم بتاريخ 13/08/2024 بمقال إلى المحكمة الابتدائية بالرباط، فُتح له الملف عدد 1975/1203/2024، عرض فيه أنه أبرم عقد قرض مع السيد (2) خُصص لشراء شقة سكنية ذات الرسم العقاري (ج) بمبلغ 560.000,00 درهم، وأن البند 3.3 من العقد تضمن الإفراج عن مبلغ القرض لفائدة الموثق.
وقد سلم البنك المدعي شيكاً باسم الموثق لإنجاز عقد البيع النهائي، غير أن الأخير لم يفِ بالتزامه وقام بتبديد مبلغ القرض، ونتيجة لذلك توقف المقترض عن سداد الأقساط. فالتمس البنك الحكم على المدعى عليها (المقترضة) بأدائها مبلغ 587.369,13 درهم كأصل دين مع الفوائد القانونية والاتفاقية والضريبة على القيمة المضافة وفوائد التأخير، ومبلغ 20.000,00 درهم تعويضاً عن التماطل.
أجاب المدعى عليه (المقترض) بأنه لم يستفد من مبلغ القرض في غياب ما يفيد إتمام عملية البيع وتقييد المبيع باسمه، ولما كان الأداء مقترناً بالاستفادة من مبلغ القرض، فإن غيابها ينفي مبرر طلب الأداء. وفي المقال المضاد، التمس الحكم ببطلان عقد القرض؛ فصدر الحكم رقم 36 بتاريخ 12/02/2025 قاضياً برفض الطلبين الأصلي والمضاد.
وبعد الطعن في الحكم الابتدائي من طرف البنك أمام محكمة الاستئناف، قضت الأخيرة بإلغاء الحكم المستأنف، وبعد التصدي حكمت على المقترض بأداء مبلغ القرض المحدد في 587.369,31 درهم مع فائدة قانونية بنسبة 1% عن الرأسمال المتبقي من تاريخ حصر الحساب إلى تاريخ الأداء الفعلي، وتحديد الإكراه البدني في الأدنى، ورفض باقي الطلبات مع تأييد مقتضيات الحكم الابتدائي الأخرى وتحميل المستأنفة فرعياً المصاريف.
ثانياً: مناقشة الموقف القضائي حول حدود مسؤولية البنك المقرض
انتهى القرار موضوع التعليق إلى تحصيل قناعة على وجه الجزم بأن المقترض يبقى ملزماً بسداد القرض ولا يمكن أن يحتج بكونه عجز عن التنفيذ بفعل شخص آخر اعتباراً لما نحته محكمة النقض في القرار 1234/18 من أن المقترض هو المسؤول عن سداد القرض بغض النظر عما حدث مع الموثق أو أي طرف آخر.
والبين في نازلة الحال أن القرض خُصص لتمويل شراء شقة سكنية لأغراض عائلية -مما يضفي صفة المستهلك على المقترض- وأن البنك أفرج عن مبلغ القرض بين يدي الموثق المكلف بإجراءات البيع الذي أخل بتعهداته، مع إخلال المؤسسة البنكية المقرضة لالتزاماتها بحماية المقترض وأموال المودعين باعتباره التزاماً بتحقيق نتيجة في ظل عدم استيعاب الميكانيزمات الحاكمة للمهنة المصرفية في تدبير القروض ومختلف العمليات البنكية لا سيما إذا تعلق الأمر بمقترض يتمتع بصفة مستهلك وفق المعيار التشريعي المحدد في القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك.
ولما كانت العلاقات الناظمة بين مؤسسات الائتمان وعملائها تؤطرها مجموعة من المبادئ منها اتخاذ المؤسسات البنكية التدابير الاحترازية الكفيلة بضمان تحقيق نتيجة تتمثل في حماية مصالح عملائها والتحلي بواجب اليقظة (Devoir de vigilance) تطبيقاً لقرار وزير الاقتصاد والمالية رقم 2128.17 الصادر في 23 أغسطس 2017 بالمصادقة على منشور والي بنك المغرب رقم 5/ و/ 2017 الصادر في 24 يوليوز 2017 يتعلق بواجب اليقظة المفروض على مؤسسات الائتمان، فإن البنك ملزم وبصرف النظر عن مبدأ عدم تدخل البنك في شؤون عميله (Principe de non-ingérence) بالتحلي بواجب اليقظة في تنفيذ عقد القرض والذي يشمل تتبع ومراقبة العملية وتوفير المعلومات وممارسة التقدير السليم المبني على الحذر والاحتراز.
وتبعاً لذلك يجب على البنك اتخاذ إجراءات اليقظة قبل إفراجه عن مبلغ القرض للموثق وذلك بالتحقق من قيام هذا الأخير بإجراءات تحرير العقد النهائي لبيع العقار الذي رُصد المبلغ لتمويل شرائه ورهن العقار لفائدته تحت طائلة تحميله المخاطر التي قد تنشأ عن تقصيره في تنفيذ التزامه المذكور، “فالمفرط أولى بالخسارة من غيره”. وفي هذا الصدد استقر الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض الفرنسية على تكريس الحماية القضائية للمقترض المستهلك ضمن قرارات عديدة متواترة من بينها على سبيل المثال لا الحصر القرار رقم 13-22.679 الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 10 ديسمبر 2014 الذي جاء فيه: “إن الإذن الذي منحه المقترض للمقرض بتحويل الأموال دفعة واحدة إلى البائع لا يعفي المقرض من التزامه بالتحقق من التنفيذ الكامل للعقد الذي طلب الائتمان من أجله”.
والواقع في نازلة الحال أن المحكمة لم تبحث في مدى تقيد البنك بواجب اليقظة أثناء إفراجه عن مبلغ القرض للموثق، وذلك من خلال تحديده ما قام به من إجراءات احترازية كفيلة بضمان وصون مصالح المقترض واكتفت بالقول أن المقترض هو المسؤول عن سداد القرض بصرف النظر عما حدث مع الموثق فاتسم قرارها بفساد التعليل المعتبر بمثابة انعدامه.
ووفقاً لما تم بسطه أعلاه، فإن إخفاق البنك في التحقق من انتقال ملكية العقار موضوع القرض للمقترض أفضى إلى المساس الفاضح بمبدأ حماية الحقوق الاقتصادية للمستهلك باعتباره قاعدة تشريعية من متعلقات النظام العام الاقتصادي، إذ نصت ديباجة القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك على أنه:” يعتبر هذا القانون إطاراً مكملاً للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك ومن خلاله يتم تعزيز حقوقه الأساسية ولا سيما منها: … الحق في حماية حقوقه الاقتصادية”.
ولما كانت المهنة المصرفية اعتماداً على التشريع الوطني الداخلي وتوصيات “بال” الموحدة للعمل البنكي والتدابير الاحترازية ودوريات وزارة الاقتصاد والمالية ومنشورات والي بنك المغرب يفترض توخي المؤسسات البنكية الحذر والاحتراز في تدبير العمليات البنكية والنزاهة في مدلولها الاقتصادي والمالي في ارتباطه بالعمل البنكي واحترام القانون والانضباط للحكامة الجيدة في المادة المصرفية، وتقديم خدمات منصفة وعادلة لعملائها بدل منحاها في نازلة الحال بتمثلاتها للقوانين كحواجز رياضية يقف دونها المبتدئ العاجز ويتخطاها القوي القادر، والاستخفاف بمصالح العملاء وهضم حقوقهم وكسب منفعة وهي مفسدة وذلك بتحميل المقترض المستهلك مخاطر العملية الممولة بدل حماية حقوقه الاقتصادية.
ثالثاً: العقد غير قابل للانقسام وللتجزئة عند التنفيذ
يتعين ابتداءً الإشارة إلى أن المستقر عليه تشريعاً وقضاءً وفقهاً هو أن بنود العقد تشكل وحدة عضوية متكاملة، لا يُفهم البند الواحد منها إلا في ضوء المنظومة الكلية للعقد، استحضاراً لمقتضى الفصل 464 من ظهير الالتزامات والعقود.
إن القراءة النسقية الواجبة —لا المبتورة— لبنود العقد تفيد بأن القرض خُصص لتمويل شراء شقة سكنية، وأنه سيتم الإفراج عنه للموثق قصد إتمام الإجراءات، وذلك بصريح البندين 3.1 و3.3.
ولما كان البين أن عقد القرض خصص لشراء شقة سكنية لأغراض شخصية عائلية، فإن الغرض الذي ارتضاه المتعاقدان يجعل القرض التزاما غير قابل، في تنفيذه، للتجزئة ولو إن كان القرض بطبيعته قابلا للتجزئة إلا أنه في نازلة الحال لا يمكن تجزئته بالنسبة للغرض الذي توخاها المقترض وقد علم به البنك المقرض وكان محل اتفاق بينهما، وبالتالي فإن الالتزام هنا لا يجوز تنفيذه منقسما، وإنما يجب تنفيذه باعتباره كلا غير قابل للتجزئة استحضارا للفقرة الثانية من الفصل 181 من ظهير الالتزامات والعقود، وعلى هذا الأساس لا يعتبر البنك قد نفذ التزامه كاملا إلا إذا أثبت ما يفيد انتقال ملكية العقار للمقترض وضمان تقييد الرهن بالرسم العقاري لفائدة البنك المقرض.
وبناءً عليه، فإن التزامات المقترض (المستهلك) لا تتحقق لعدم وفاء البنك (المحترف) بكامل التزاماته غير القابلة للتجزئة. ومؤدى ذلك أن المقترض غير ملزم بالسداد في غياب ما يفيد إتمام إجراءات البيع وتقييد المبيع باسمه ورهنه لفائدة البنك.
خلاصة القول، وإعمالاً للقاعدة الفقهية “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، فإن المحكمة لم تستخلص وقائع النازلة استخلاصاً صحيحاً نتيجة الخلط بين سبب الدعوى وموضوعها، مما حال دون تطبيق القانون تطبيقاً سليماً؛ وعليه فإن القرار موضوع التعليق جاء غير مصادف للصواب.
تعليقات الزوار
مقال علمي غاية في الأهمية يزحزح أحد أبراج الفساد العقاري والتوثيقي في المغرب ويسلط الضوء على الحماية القضائية ضدا على القانون لمؤسسات البنوك على حساب المستهلك الذي يجد نفسه يسدد قروضا رغم عدم استفادته من القرض