غير مُقيم بصفة دائمة
في بعض الأحيان لا يحتاج الظلم إلى قرارات كبيرة أو قوانين معقدة. تكفي عبارة صغيرة، تُدرج في استمارة إدارية ببرود بيروقراطي، لتقلب حياة آلاف الناس رأسًا على عقب.
مثلا..
فصاحب “عبقرية” إدراج عبارة “غير مقيم بصفة دائمة” في استمارة إحصاء ضحايا “زلزال الحوز” يستحق ترقية مباشرة إلى رتبة مهندس الإقصاء وحرمان الأسر المتضررة من حقها. فبسبب هذه العبارة تم إقصاء المئات من المتضررين من حقهم في التعويض، وكأنهم غرباء عن القرى التي وُلدوا فيها، وعاشوا فيها، وبنوا فيها بيوتهم، ودفنوا فيها أحلامهم وأقاربهم.
لنأخذ قصة ياسين، وهي ليست حالة معزولة، بل نموذج يتكرر بآلاف الأسماء والوجوه.
ياسين شاب من إحدى قرى الحوز. مثل آلاف الشباب، لم يغادر دواره حبًا في الرحيل، بل اضطرارًا إلى البحث عن لقمة العيش. شدّ الرحال إلى الدار البيضاء ليعمل في محل تجاري، ويبدأ رحلة كفاح طويلة، هدفها بسيط وعميق في آن واحد: مساعدة أسرته على مقاومة الفقر الذي ينهش القرى الجبلية.
سنوات من العمل الشاق مرّت. ادّخر خلالها القليل من المال، وأرسل الكثير منه إلى والديه. وبعد جهد طويل، تمكن من اقتناء بقعة أرضية في قريته. ثم بدأ حلم بناء البيت، حجرًا فوق حجر، سنة بعد أخرى، إلى أن تحقق.
لم يكن البيت مجرد جدران. كان وعدًا بالمستقبل.
ومع اكتمال المنزل، بدأ ياسين يرسم المرحلة التالية من حياته؛ الزواج. كان قد اختار شابة من قريته، وكانا يحلمان معًا بمستقبل بسيط تحت ظلال أشجار الجوز والصفصاف التي تعرف أسرار طفولتهما. وحددا بالفعل موعد الزفاف في الصيف الموالي مباشرة.
لكن الحياة، كما نعرفها، لا تسير دائمًا وفق ما نخطط له.
انتهت صلاحية بطاقته الوطنية. وبحكم وجوده في الدار البيضاء، قرر تجديدها هناك. طلب من صاحب المحل الذي يعمل لديه شهادة سكنى، ثم استكمل الإجراءات لدى “مقدم الحي”، فحصل على وثائقه الجديدة. وهكذا، في سطر صغير داخل بطاقة تعريف، أصبح ياسين رسميًا “كازاويًا”.
لم يكن يعلم أن هذا السطر سيكلّفه لاحقًا حقه في التعويض.
جاءت ليلة الثامن من شتنبر. اهتزت الأرض، وسقطت البيوت، وتحولت قرى الحوز في لحظات إلى أطلال. سمع ياسين الخبر، فهرع إلى قريته. الطريق كانت طويلة وثقيلة، لكن ما وجده هناك كان أثقل؛ منزل العائلة مدمر، ووجوه غابت إلى الأبد، وقرية لم تعد تشبه نفسها.
وقف من جديد، مثل غيره من أبناء المنطقة. تشبث بالأمل حين أعلنت الدولة عن إجراءات الدعم والتعويض للمتضررين. اعتقد أن جزءًا من الخسارة قد يُرمَّم، وأن حلمه الذي انهار تحت الركام يمكن أن يُبنى مرة أخرى.
لكن الأشهر مرّت، وحين جاء دوره، قيل له ببساطة..
لا تعويض لك.
السبب؟
“غير مقيم بصفة دائمة”.
والدليل؟
عنوان بطاقته الوطنية.
هكذا، في لحظة واحدة، أصبح ياسين؛ الذي بنى بيته في القرية، والذي فقد أهله فيها، والذي عاد إليها في ليلة الزلزال؛ شخصًا “غير مقيم” فيها.
المشكلة هنا ليست في قصة ياسين وحدها. المشكلة في منطق إداري يختزل علاقة الإنسان بأرضه في خانة داخل استمارة، أو في عنوان مكتوب على بطاقة تعريف.
مخطئ من يعتقد أن ارتباط أبناء القرى الجبلية بأرضهم يمكن قياسه بالأوراق الرسمية. فهذه العلاقة أعمق بكثير من العناوين. إنها علاقة ذاكرة وهوية وتاريخ وقرون من العيش المشترك مع الجبال والأرض والناس.
كثيرون يعملون في المدن، نعم. لكن قلوبهم وبيوتهم وأحلامهم ما تزال هناك، في القرى التي خرجوا منها مكرهين لا راغبين.
الزلزال لم ينجح في قطع هذه الروابط. ولا يمكن لعبارة إدارية باردة أن تفعل ذلك.
لقد اعتاد أبناء الجبل على شيء واحد عبر التاريخ؛ الكفاح.
كافحوا ضد الفقر، وضد قسوة الجغرافيا، وضد التهميش الطويل..
واليوم، يبدو أنهم مضطرون أيضًا للكفاح من أجل شيء أبسط..
إثبات أنهم ينتمون إلى أرضهم.
وهو أمر، في الحقيقة، لا يحتاج إلى بطاقة تعريف.
اترك تعليقاً