وجهة نظر

الخوارزميات وصناعة القناعة اليومية

تقديم:

لم تعد الخوارزميات تكتفي بأن تقترح علينا ما قد يعجبنا، بل صارت تتدخل، بصمت، في تشكيل ما نراه مهما، وما نعتبره طبيعيا، وما نميل إلى تصديقه من دون انتباه كبير. نفتح هواتفنا بحثا عن الترفيه أو الخبر أو التسلية العابرة، فنجد أنفسنا داخل تدفق محسوب من الصور والمقاطع والآراء والإعلانات، لا يعرض العالم كما هو، بل كما تراه المنصات أكثر قابلية للجذب والتأثير. من هنا لم يعد السؤال: ماذا نشاهد كل يوم؟ بل: كيف تساهم هذه الخوارزميات، عبر التكرار والانتقاء، في صناعة قناعاتنا اليومية؟

من ترتيب المحتوى إلى ترتيب الانتباه

لم تعد المنصات الرقمية فضاءات محايدة تكتفي بعرض ما ينشره الناس، بل أصبحت تشتغل بمنطق أكثر تعقيدا: اختيار ما الذي يظهر أولا، وما الذي يتكرر، وما الذي يتراجع إلى الخلف. والخوارزمية، بهذا المعنى، لا تنظم المحتوى فقط، بل تعيد ترتيب انتباه المستخدم نفسه.
ما نراه يوميا على المنصات ليس الواقع كما هو، بل نسخة منتقاة منه. نسخة تخضع لمنطق واضح: ما الذي يشد الانتباه؟ ما الذي يطيل زمن البقاء؟ ما الذي يضمن تفاعلا أكبر؟ ومن هنا لا تعود المسألة مجرد عرض للمحتوى، بل تصبح إدارة دقيقة لما يدخل إلى وعينا، وما يستقر فيه، وما يمر من دون أثر.

القناعة لا تولد دائما من فكرة كبرى

كثير من القناعات لا تتشكل عبر نقاش طويل أو قراءة متأنية، بل عبر التكرار. صورة تتكرر، نبرة لا تغيب، رأي يعود بصيغ مختلفة، ومحتوى يفرض نفسه كل يوم حتى يفقد غرابته ويكتسب شكل المألوف. وهنا تبدأ الخوارزميات في أداء دورها الأعمق.

فالمنصة لا تقول للمستخدم بشكل مباشر: صدق هذا الرأي أو تبن هذا الموقف. لكنها تمنحه حضورا أكبر، وتكرره أكثر، وتضعه في الواجهة مرات متتالية، حتى يصبح أقرب إلى القبول النفسي من غيره. ومن هنا لا تصنع الخوارزميات القناعة بقرار صريح، بل تمهد لها وتوفر لها شروط الرسوخ.

حين لا يلاحقك الإعلان فقط، بل تسبقك الفكرة

من أكثر الظواهر التي تثير انتباه الناس اليوم ذلك الشعور بأنهم فكروا في شيء، ثم وجدوه فجأة أمامهم في إعلان أو اقتراح أو محتوى متكرر. ويذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن المنصة قرأت ما يدور في أذهانهم. لكن ما يحدث في الغالب أكثر دقة من ذلك.

فالمنصة لا تحتاج إلى قراءة الأفكار حتى تصل إلى هذا القدر من الاقتراب. يكفيها أن ترصد ما شاهده المستخدم، وما توقف عنده، وما بحث عنه، وما أعاد مشاهدته، ثم تبدأ في دفع محتوى متصل بهذه الدائرة نفسها. ومع الوقت، تصبح الفكرة أكثر حضورا في الوعي، ثم تظهر لاحقا في إعلان أو مقطع أو توصية، فيبدو الأمر وكأنها لحقت بما فكر فيه الفرد، بينما تكون قد ساهمت قبل ذلك في تهيئة الفكرة نفسها.
ومن هنا لا تبدو الخوارزميات مجرد أدوات لملاحقة الرغبات، بل آليات تشارك أيضا في صناعتها.

التكرار يصنع المألوف، والمألوف يصنع القبول

الإنسان لا يتأثر دائما بما هو صحيح، بقدر ما يتأثر أحيانا بما يتكرر. ما نراه مرة قد ننساه، أما ما نراه كل يوم فيترك أثرا مختلفا. يتسلل إلى الذهن، يكتسب ألفة، ثم يتحول تدريجيا إلى جزء من الطريقة التي نفهم بها العالم.

بهذه الآلية تشتغل الخوارزميات في الحياة اليومية. تكرر صورا بعينها للنجاح، وأنماطا معينة للجمال، وطرقا محددة في التعبير عن الرأي، وفي الغضب، وفي السخرية، وفي الخوف. وبعد مدة، لا يعود المستخدم يتعامل مع هذه المواد على أنها محتوى فقط، بل على أنها صورة طبيعية للواقع. ومن هنا يبدأ التأثير الحقيقي: حين يصبح ما تكرره المنصة أقرب إلى الحس المشترك من دون أن يكون كذلك بالضرورة.

استعمال عادي وتأثير يتجاوز العادة

المستخدم العادي لا يدخل إلى هذه المنصات بنية إعادة تشكيل وعيه. يدخل من أجل الترفيه، أو قتل الوقت، أو متابعة الأخبار، أو التسلية. لكن هذا الاستعمال اليومي البسيط يخفي أثرا تراكميا عميقا.

فمنصات الفيديو القصير، مثلا، لا تقدم محتوى فحسب، بل تعيد تشكيل إيقاع التلقي نفسه: سرعة، انتقال دائم، استثارة فورية، وطلب مستمر لما هو أشد جذبا. أما المنصات الأخرى، فإنها ترفع ما يثير التفاعل، وتخفض ما يحتاج إلى هدوء وتأمل، وتمنح أولوية لما ينتشر أكثر، لا لما يفسر أكثر. ومن هنا لا يتغير فقط ما نتابعه، بل أيضا كيف نتابعه، وكيف نحكم عليه، وما الذي نصبر عليه أو ننصرف عنه بسرعة.

في المغرب: الحاجة إلى وعي رقمي أعمق

في السياق المغربي، لم يعد هذا التحول شأنا تقنيا أو نخبويا. فحضور المنصات في الحياة اليومية اتسع إلى درجة أصبحت معها جزءا من تكوين الرأي والانطباع والذوق، خاصة لدى فئات واسعة من الشباب. الهاتف لم يعد مجرد وسيلة تواصل أو تسلية، بل صار وسيطا دائما بين الفرد والعالم، وبين الفرد وصورته عن نفسه وعن الآخرين.

وهذا يفرض نقاشا أوسع من مجرد الحديث عن الإدمان أو حماية المعطيات الشخصية. نحن بحاجة إلى وعي رقمي أعمق: وعي بأن ما نراه ليس دائما الأكثر أهمية، بل في كثير من الأحيان الأكثر قابلية للجذب. وعي بأن كثرة ظهور الشيء لا تجعله أصدق، ولا أكثر قيمة، ولا أكثر استحقاقا للانتباه. وعي أيضا بأن بعض ما نعتقد أنه قناعة شخصية خالصة قد يكون، في جزء منه، ثمرة تكرار طويل وهادئ لا ننتبه إليه.

خاتمة:

الخوارزميات لا تصنع الإنسان من الصفر، لكنها تعيد تشكيل بيئة وعيه كل يوم. تكرر، وتدفع، وتضخم، وتخفي، ثم تتركه يظن أن ما استقر في ذهنه كان نتيجة طبيعية تماما. لذلك لم يعد السؤال اليوم مقتصرا على ما تعرضه لنا المنصات، بل اتسع ليشمل الكيفية التي تساهم بها، بصمت، في صناعة القناعة اليومية، وفي إعادة ترتيب ما نعتبره مهما، ومألوفا، ومقنعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *