عيد الأضحى: بين العقيدة الدينية والعادة المجتمعية
تحتفي الأمة الإسلامية كل عام بسُنَّة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقصة رؤياه المعروفة، وكيف استجاب لأمر الله دون تردد حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، رغم سنوات العقم الطويلة التي عاشها، والصبر الذي اتخذه منهاجًا في حياته. وفي لحظة فارقة، حين وضع ابنه وفلذة كبده وأضجعه للجبين، جاءه الفرج من الله سبحانه وتعالى، فكافأه على تلك التضحية العظيمة بذِبحٍ عظيم.
إن قصة سيدنا إبراهيم مع ابنه الوحيد آنذاك، سيدنا إسماعيل عليهما السلام، تعطي درسًا عظيمًا في الوفاء والتضحية من أجل الخالق الأحد الصمد. فمن ذا الذي يمكنه أن يضحي بابنه أو ابنته أو حتى بنفسه في سبيل طاعة الله؟ حتى ولو كان للشخص أبناء كثر، فلن يقدر على الإقدام على أمر بهذه العظمة.
وقد ظلت هذه سنةً توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل، ومناسبةً نُذكّر فيها أنفسنا بقصة خليل الله وابنه ذبيح الله، وأن الحياة ما هي إلا ابتلاءات وتضحيات، وفرصة للتقرب إلى الله عز وجل. لكن كيف تحولت هذه العقيدة السامية إلى عادة تؤرق الجيوب؟
كان عيد الأضحى المبارك فرصة للفرح والتجمع العائلي، يفرح به الكبير قبل الصغير، وكان التحضير له يبدأ في الشهرين الأخيرين قبل العيد، حيث تُحدد قيمة الأضحية وتُقتنى المعدات والأغراض اللازمة للمناسبة. وكانت هذه المناسبة ذات طابع ديني وروحي، تشتاق النفوس إليها، لما تحمله من إحياء لسنة جدنا الخليل سيدنا إبراهيم عليه السلام، لكن، وللأسف، أصبحت في السنوات الأخيرة تؤرق العديد من المواطنين.
لقد تحول عيد الأضحى، من مناسبة دينية إلى عادة يغلب عليها التفاخر والتباهي أمام الناس، وأصبح التسابق نحو اقتناء الأضحية الأكبر والأغلى، دون مراعاة لما قد يشعر به الآخرون من ضيق وهمٍّ ثقيل قد يهدم الجبال وتنقطع به حبال الرجال.
والمناسبة التي كان يفرح لها الكبار قبل الصغار، أصبحت اليوم مصدر عبء ثقيل يجعل الكثيرين يخشون تبعاتها. فرغم الظروف الصعبة، يجد رب الأسرة نفسه ملزمًا بتحمل مصاريفها التي تتزايد سنة بعد أخرى. فالأضحية التي كانت تُباع ما بين 2000 و2500 درهم في السنوات الماضية، أصبحت خلال السنوات الأربع الأخيرة تُباع بأضعاف ذلك، بل إن العثور على أضحية جيدة بهذا السعر أصبح أمرًا شبه مستحيل.
وقد ظهرت فئة يُطلق عليها “تجار المناسبات”، وهم أشخاص يستغلون المواسم لرفع أسعار السلع، ويكثر ظهورهم في مناسبة عيد الأضحى. وهؤلاء هم من حولوا المناسبة من فرح إلى قرح، ومن بينهم من يمتهن ما يُعرف بـ”الشناقة”، وهو الوسيط بين البائع والمشتري. إذ يشتري الخروف بثمن منخفض ثم يعيد بيعه للمواطن بثمن مرتفع، وقد يضيف إلى سعر الخروف الواحد ما يقارب 1500 درهم دون أن يتحمل عناء تربيته، فيتحمل المواطن هذا الفرق الكبير بين الثمن الأصلي والثمن النهائي.
ومن بين أسباب غلاء أسعار المواشي في الأعوام الأخيرة توالي سنوات الجفاف، وهو السبب الذي استُعمل كثيرًا لتبرير هذا الارتفاع. لكن، رغم استيراد أعداد كبيرة من الأغنام من دول مثل إسبانيا ورومانيا، لم تنخفض الأسعار. كما تم دعم مربي الماشية دون أن ينعكس ذلك على السوق. وحتى بعد الموسم الفلاحي الجيد الذي عرفته البلاد بفضل وفرة التساقطات، وهي نسب لم تُسجل منذ سنة 1994، ظل المواطن يتفاجأ بارتفاع الأسعار أكثر من ذي قبل، خصوصًا بعد قرار الملك محمد السادس بإلغاء شعيرة الذبح سنة 2025 بسبب نقص الماشية.
والمسؤولية في هذا الوضع قد يتحملها الجميع؛ فالحكومة تتحمل جزءًا منها بسبب ضعف مراقبة الأسواق وترك المجال للوسطاء ليفعلوا ما يشاؤون، رغم تقديمها للدعم من أجل خفض الأسعار. كما يتحمل بعض مربي الماشية جزءًا من المسؤولية ببيعهم للوسطاء رغم علمهم بما يحدث. أما المواطن، فيساهم بدوره حين يقبل شراء الأضاحي بأثمان مرتفعة تفوق قيمتها الحقيقية، في حين يبقى “الشناق” المستفيد الأكبر من استغلال المناسبة لتحقيق أرباح خيالية دون تعب، مستغلًا علمه المسبق بأن المواطن سيشتري مهما ارتفع الثمن.
ويلجأ بعض الناس إلى الاقتراض من أجل اقتناء أضحية لا يتجاوز عمرها أيامًا، بينما تبقى تبعات ذلك الدين لأشهر طويلة، وهذا يخالف روح الشرع. فعيد الأضحى سنة مؤكدة وليس فرضًا، والسنة هي ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير دون إلزام، ويُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، بخلاف الفرض الذي أوجبه الشرع على وجه الحزم والإلزام، ويُعاقب تاركه، كالصلاة وصيام رمضان.
وفي المجتمع، أصبح اقتناء الأضحية يُنظر إليه وكأنه أمر واجب، ومن لم يقتنها يُعتبر مقصرًا في نظر البعض. وقد يتحجج البعض بالأطفال، معتبرين أنهم يشترون الأضحية من أجل إسعادهم، لكن هذا الأمر قد يربي الناشئة على فكرة أن اقتناء الخروف واجب حتى في حال عدم الاستطاعة، مما قد يدفع بعض الآباء إلى ضغوط نفسية ومادية خطيرة، وقد شهدنا بالفعل حالات مأساوية من هذا النوع.
لكن إذا تربى الأبناء على القناعة، وعلى أن الإنسان يستطيع العيش بما رزقه الله دون إفراط ولا تفريط، وأن المغزى الحقيقي من عيد الأضحى هو التقرب إلى الله بالدعاء والاستغفار والتسامح وصلة الرحم والتجمع العائلي، فسيُدركون أن المناسبة ليست مجرد أكل وشرب، ولا ترتبط فقط باللحوم والشواء، لأن هذه الأمور متاحة طيلة أيام السنة.
وختامًا، لا يسعنا إلا أن نستحضر قول الله تعالى:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: 37].
اترك تعليقاً