عودة الكحص: من المثقف العضوي الحقيقي… غرامشي أم غرامشي المقاهي
لم تكن عودة محمد الكحص إلى الاتحاد الاشتراكي حدثاً سياسياً بقدر ما كانت مناسبة لإعادة تشغيل ماكينة النفخ التي اعتادت أن تعيد إنتاج الوجوه نفسها كلما ضاق الحزب بأزمته. فبدل طرح الأسئلة الحقيقية حول معنى العودة وسياقها، انخرط البعض في توزيع الألقاب الثقيلة، وعلى رأسها لقب “المثقف العضوي”، وكأن مجرد كتابة نص عن غرامشي تكفي لارتداء عباءة رجل دفع ثمن أفكاره أحد عشر عاماً في السجن. والحال أن المثقف العضوي، كما صاغه غرامشي، ليس من يغادر حين تشتد العاصفة، ولا من يختفي عقداً كاملاً ثم يعود في لحظة فراغ، بل هو من يبقى داخل المعركة، يدفع ثمن مواقفه، يواجه الانحرافات، ويظل مرتبطاً بقضايا الناس لا بمقاهي الرباط والدار البيضاء. فكيف يمكن لمن غادر الحزب وصمت أكثر من عشر سنوات أن يقدم اليوم كصوت نقدي أو كمناضل عضوي؟ وكيف يمكن لمن ترك التنظيم في لحظة حساسة أن يعود وكأن شيئاً لم يكن، دون أن يشرح لماذا غادر، ولا ما طبيعة خلافه مع محمد اليازغي، ولا ما الذي تغير اليوم حتى يعود؟ إن الصمت الطويل ليس موقفاً فكرياً، بل هو خنوع سياسي أو على الأقل حسابات شخصية، والمثقف الذي يصمت عقداً كاملاً عن الانحرافات التنظيمية لا يمكن أن يقدم كمنقذ لحزب يعيش أزمة بنيوية.
إن النفخ في صورة الكحص ليس سوى محاولة يائسة لملء فراغ قيادي، ومحاولة لإعادة تدوير اسم قديم في لحظة تراجع، بينما الحقيقة أن الحزب يحتاج إلى نقد ذاتي صارم، لا إلى عودة بلا معنى. فالسؤال اليوم ليس ماذا سيقدم الكحص للحزب، بل هل يملك الشجاعة ليقول ما يجب قوله عن الحزب قبل أن يقدم نفسه كجزء من الحل. وهل يمكن لمن غاب طويلاً وصمت طويلاً عن دكتاتورية إدريس لشكر وفساده أن يعود ليقود إصلاحاً لم يجرؤ على الدفاع عنه حين كان ضرورياً. إن العودة بلا نقد ليست عودة، بل التفاف على الأزمة، وإعادة إنتاج للصمت نفسه الذي قاد الحزب إلى ما هو عليه اليوم.
فإذا كان كل ما جرى من تكريم واحتفاء وعودة مبهرجة لا يتجاوز حدود الاستعراض الانتخابي، وإذا كان المشهد برمته أقرب إلى إعادة تدوير الوجوه منه إلى استعادة الروح، وإذا كان الحزب نفسه لم يعد كما كان، ثم إذا أضفنا إلى ذلك السكوت الطويل عن سنوات التحكم والإفساد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالكحص وحده، بل بمن وقفوا معه في محنته. أولئك الذين حملوا اسمه حين كان منسياً، ودافعوا عنه حين كان مبعداً، واعتبروا أن عودته – إن حدثت – ستكون وفاء لهم قبل أن تكون وفاء للحزب. فإذا بهم يجدون أنفسهم خارج الصورة، خارج المشهد، خارج الحسابات، وكأن سنوات التضامن كانت مجرد فصل عابر في رواية لا تعترف بأبطالها. فهل يمكن لعودة تتجاهل هؤلاء أن تكون عودة نضالية؟ وهل يمكن لمن صمت عقداً كاملاً عن الانحرافات، ثم عاد دون كلمة واحدة لهم، أن يدعي أنه يعود من أجل الحقيقة؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاماً وسخرية: عن أي “مثقف عضوي” نتحدث؟ غرامشي صمد، ناضل، سجن، وواجه الفاشية بصلابة لا تلين… فأين الكحص من هذا التاريخ؟ هل كان الاعتكاف الطويل في المقاهي سجناً من نوع آخر؟ أم أن السجن الحقيقي كان هو الصمت، وأن الحرية الوحيدة التي مارسها كانت حرية الانتظار؟ وأمام هذا كله، يبقى السؤال الأخير معلقاً كطعنة: أكان كل ذلك التضامن وهماً… أم أن الخيانة كانت دائماً جزءاً من السيناريو؟
اترك تعليقاً