منتدى العمق

التطبيع العربي الاسرائيلي ضرورة فلسطينية 1/6

لا يستقيم الحديث عن القضية الفلسطينية، ولا عن كفاح شعبها بمعزل عن تسليط الضوء على بنية إدراكية ترسخت في الوعي الغربي ، و تشكّلت على مدار عقود عبر تضافر الخطابات الإعلامية والأكاديمية، والسياسية، حتى أصبحت (إطارا قبليا) الحاكم، يوجه الرؤية ويصنف المشهد قبل عيان الحقيقة ذاتها، فهاته السريدة قامت على ثنائية تبسيطية معيبة شكلا تصور الطرف العربي ككتلة مدفوعة بكراهية دينية تبتغي الإبادة مقابل إسرائيل بوصفها واحة غربية ديمقراطية في صحراء الحزيرة العربية و أن ما تقوم به حقها في البقاء وإن خطورة هذا المتخيل الغربي في كونه لم يستدعى كأطروحة خاضعة للنقاش إنما تسلل كخلفية بديهية تشبه الهواء الذي يستنشق دون وعي بمصدره الأمر الذي جعل كافة الأحداث اللاحقة تختزل وتقارب من داخل هذا الإطار حصريا ليتحول القصف والدمار في الوعي الغربي إلى دفاع مشروع ويصبح الاستيطان إعمارا ويعاد إنتاج التهجير القسري بوصفه تدبيرا أمنيا اقتضته الضرورة.

إن تغول السردية الاسرائيلية في مقابل (خطابات بروباغندية) التصريحات المجيشة التي كان يصدح بها حكام عرب جعلوا فلسطين مركز شرعية ديكتاتوريتهم و استمرار حكمهم و الحقيقية انهم قدموا اكبر مساعدة لاسرائيل في ان تفرض سقفا معرفيا عند المجتمع الغربي يحجب أي تساؤل جاد، فعندما اختزل الصراع في ثنائية الكراهية الدينية مقابل حق الوجود، تؤول الأطروحات المتعلقة بالاستيطان والقانون الدولي إلى تفاصيل اقل من ثانوية تنتهي عند معادلة الإرهاب في مواجهة الدفاع عن النفس، وهو الاختزال الذي أعاق مسيرة النضال الفلسطيني لعقود بعد أن جعل المظلومية بديهية لمن يعيشها وغير مقنعة للمجتمع الدولي؛ ومن هنا، لا تهدف هذه الحلقات الخمس إلى اجترار العاطفة المشرقية التي لا تنتج اي اثر سياسي، ووليس الهدف ايضا محاولة بناء خطاب مضاد أو بناء سردية عاطفية موازية تنافس الضحية الإسرائيلية، إنما تهدف إلى تفكيك هذا الإطار من داخله عبر مغالبة النظام الغربي بأدواته المرجعية ذاتها كالمساواة القانونية وحقوق الإنسان ونبذ التمييز العرقي، وتحويلها إلى ميدان صراع يجبر إسرائيل على خيارين كلاهما مر، فإما الالتزام بهذه المعايير وهو ما يفكك بنيتها الاستعمارية من الداخل، وإما رفضها وهو ما يعريها تماما أمام الجمهور الغربي الذي استمدت منه شرعيتها طوال العقود الماضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *