نزاع الصحراء.. بداية النهاية
خمسون عاما مرت على اتفاقية مدريد لسنة 1975، وعاد الاسم نفسه ليتصدر مشهد التسوية في فبراير 2026، حين استضافت سفارة الولايات المتحدة في العاصمة الإسبانية اجتماعا رباعيا جمع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا. ليست المفارقة في تكرار الجغرافيا فحسب، بل في أن المدينة التي شهدت ولادة النزاع قد تكون مسرحا لطي ملفه.
غير أن التسرع في قراءة المشهد بوصفه نهاية تاريخ، يخفي أكثر مما يكشف؛ فالمسار الجاري ليس تتويجا لتوافق ناضج بقدر ما هو إعادة هندسة لقواعد اللعبة، وهو ما يستدعي تجاوز قراءة الأحداث المتلاحقة من مدريد إلى واشنطن فأحداث السمارة، نحو تفكيك البنية العميقة التي تتحرك في خلفيتها.
ما الذي تغير فعلا؟
إن التحول البنيوي الذي أحدثه قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر المنصرم لا يكمن حصرا في مضمونه الحرفي، بل فيما أزاحه من خيارات مطروحة لحل النزاع. فحين يصف القرار مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها “الأساس” للتفاوض، ويعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل حلا من الحلول الأكثر قابلية للتطبيق”، فإنه يغلق عمليا باب الاستفتاء الذي ظل منذ 1991، الإطار المرجعي لبعثة المينورسو نفسها. ولعل المفارقة الأهم أن بعثة “الاستفتاء” تواصل عملها بينما يسحب الاستفتاء من أرضيتها التأسيسية.
والحقيقة أن هذا التوجه الحديث لا يشكل قطيعة كاملة مع الإطار الأممي التقليدي، فالقرار حافظ على عبارة تقرير المصير، لكنه أكد على تعدد صوره. فتقرير المصير لم يعد بالضرورة استفتاءً يتضمن خيار الاستقلال، بل قد يتحقق عبر الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية. وهنا تكمن المعركة الدلالية الحقيقية: هل الحكم الذاتي تعبير مشروع عن تقرير المصير كما تتمسك به الرباط وواشنطن، أم التفاف عليه كما تراه الجزائر والبوليساريو؟
إن اللحظة الراهنة بما تحمله من دعم إقليمي ودولي للموقف المغربي لم تنبثق من مبادرة دبلوماسية بعينها، بل تبلورت كثمرة لتقاطع بين تحولات بنيوية متعددة. حيث عادت إدارة ترامب بمقاربة تتقاطع فيها مصالح أمنية واقتصادية وجيواستراتيجية مع الموقف المغربي، في وقت اكتمل فيه إجماع غربي غير مسبوق بلغ مستوى الكتلة الحرجة، بانخراط كل من إسبانيا، فرنسا، وبريطانيا، إلى جانب الموقف الأمريكي المعلن منذ 2020.
بموازاة ذلك، فالجزائر التي عولت تاريخيا على روسيا والصين، تواجه تآكلا في موقفها الدبلوماسي بصورة بنيوية، تجلت بالأساس في عجزها عن تعطيل القرار 2797، حيث امتنعت موسكو وبكين عن التصويت دون استخدام الفيتو، وهو سلوك يكشف أن كلفة عرقلة المسار الأمريكي تجاوزت لديهما عتبة المردود.
وعلى المستوى الأوسع، تراجعت الرواية الانفصالية في الجنوب العالمي، إذ عبرت أكثر من 120 دولة عن دعمها للمبادرة المغربية لحل النزاع، وسحبت دول عديدة اعترافها بالجمهورية الصحراوية، فيما فتحت أكثر من ثلاثين قنصلية في العيون والداخلة. وأخيرا، يشهد الكونغرس الأمريكي تحولا نحو تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، بما يعيد رسم خرائط الشرعية.
إن اجتماع هذه العوامل في آن واحد لا يقرأ بوصفه مصادفة، بل بوصفه ما يسمى في أدبيات العلاقات الدولية “نافذة فرصة”، أي تشكيلة نادرة من العوامل قد لا تتكرر إن أهدرت.
من إدارة الأزمة إلى هندسة التسوية
إن التحول الأعمق لا يكمن في تغير موازين القوى وحدها، بل في الفلسفة التي تحكم التعامل الدولي مع الملف. فعلى مدى عقود، اعتمد منطق “إدارة الصراع”، حيث عملت المنظومة الدولية على تجميد الوضع، احتواء التداعيات، تجنب الانفجار، وتمديد ولاية المينورسو سنويا دون أفق سياسي حقيقي. حيث كان الافتراض الضمني أن النزاع غير قابل للحل، وأن أدنى تكلفة تكمن في إبقائه خامدا.
ما تطرحه إدارة ترامب اليوم، بإسناد أوروبي شبه كامل، منطق مغاير يمكن تسميته ب “هندسة التسوية”، أي التعامل مع النزاع بوصفه معادلة قابلة للحل، شريطة إحكام تركيب الحوافز والضغوط والتوقيت. ويفسر هذا التحول دلالات لافتة، انطلاقا من الإصرار على خارطة طريق محددة الآجال، الترتيب لاجتماعات متتابعة في فترة وجيزة، الإلحاح على اتفاق إطاري قبل الصيف القادم، إلى جانب جمع كافة الأطراف حول طاولة واحدة. فنحن لسنا إزاء دبلوماسية تقليدية، بل أمام هندسة تفاوضية مكثفة.
أربع معضلات بنيوية
غير أن هذه الهندسة الدبلوماسية، مهما بلغت من الإتقان، تصطدم بمعضلات لا تحل بالتقنية وحدها.
أولى هذه المعضلات تتعلق بالجزائر، التي أسست شرعية نظامها، في جزء غير يسير منها، على عداء بنيوي مع المغرب، تحول عبر العقود إلى أحد المرتكزات الأيديولوجية للدولة ذاتها. ومن ثم، فإن أي تراجع عن دعم البوليساريو يستوجب إعادة تعريف لشرعية النظام الداخلي، وهي عملية باهظة الكلفة سياسيا قد يعجز النظام عن تحملها دون حصول اضطرابات.
ولعل المفارقة التاريخية أن هذا “العداء البنيوي” لم يكن قدرا محتوما. ففي شتنبر 1970، اجتمع الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه في نواذيبو، وتوافقوا على التنسيق المغاربي بشأن مستقبل الصحراء. حيث كانت الجزائر آنذاك تنظر إلى الملف بوصفه قضية تصفية استعمار تخص المنطقة كلها، لا ساحة مواجهة مع جار شقيق.
وما جرى بعد 1975 لم يكن انكشافا لعداء كامن، بل بناء سياسيا واعيا أعاد تشكيل العقيدة الجزائرية حول المغرب، وحول الخلاف الظرفي إلى ثابت هوياتي. وهنا تكمن صعوبة التفكيك، فما بني عبر نصف قرن من التعبئة الإعلامية والمؤسساتية والدبلوماسية لا يفكك بقرار تفاوضي في فندق بمدريد أو واشنطن.
ولهذا السبب تحضر الجزائر إلى الطاولة لأول مرة منذ انتهاء مباحثات جنيف سنة 2019، لكنها ترفض الصورة الجماعية وتغادر القاعة من الباب الخلفي. مما يوحي أن حضورها ليس انخراطا فعليا في منطق التسوية، بل استجابة موضوعية مقيدة بحسابات الداخل، خشية من عقوبات محتملة أو من تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية.
أما المعضلة الثانية فتمس البوليساريو ذاتها، إذ ترتبط شرعيتها داخليا وأمام مخيمات تندوف بشعار الاستقلال. ومن ثم، فإن قبول الحكم الذاتي، حتى بصيغته الموسعة، يعني عمليا نقض المبرر الوجودي لخمسة عقود من النزاع. ولا تختصر المسألة في موقف تفاوضي، بل تتعداه إلى أزمة شرعية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المقذوفات التي استهدفت مدينة السمارة في الخامس من ماي الماضي انحرافا عن المسار، بل عرضا كاشفا لهذا التناقض. فنحن أمام قيادة تتفاوض على ما يجردها من سبب وجودها، فتحاول رفع كلفتها التفاوضية بعمليات ميدانية عدائية.
قد يبدو القبول بحكم ذاتي موسع هزيمة سياسية بالنسبة لجبهة البوليساريو، لكن رفضه قد يفضي إلى تهميش كامل. فوثيقة المغرب الجديدة – أربعون صفحة بدل ثلاث – تبدو مصممة لتقديم مخرج كرامة يصعب رفضه دون تكلفة.
ثالث المعضلات تخص المغرب نفسه، وهي معضلة قد تبدو غير بديهية. فالانتصار الكامل ينطوي على مخاطر واردة، باعتبار أن كل تسوية تملى على الأطراف الأخرى من موقع قوة قد تكون قانونيا نهائية، لكنها هشة سياسيا. ذلك أن التسويات المستدامة تاريخيا تستوجب أن يجد كل طرف فيها ما يحفظ ماء وجهه ويمكنه من تبرير تنازلاته أمام جمهوره. والتحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية المغربية ليس فرض الحد الأقصى، بل تصميم اتفاق يستطيع الخصم تسويقه داخليا بوصفه إنجازا، لا هزيمة.
أما المعضلة الرابعة فتتعلق بالأمم المتحدة. فالقرار 2797 يكرس الإطار الأممي شكلا، بيد أن القيادة الفعلية للعملية انتقلت إلى واشنطن عبر المستشار مسعد بولس والمندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز. كما أن الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب ترى في الملف فرصة لإضافة إنجاز دبلوماسي إلى رصيدها، وهو ما يفسر الإيقاع المتسارع.
وإن كان هذا الزخم المتزايد يسرع الوتيرة لإيجاد حل للنزاع، فإنه يطرح سؤال الاستدامة: ماذا لو تغيرت الإدارة الأمريكية قبل اكتمال عملية حل النزاع؟ وهل تصمد تسوية مهندَسة أمريكيا أمام تحولات السياسة الداخلية في واشنطن؟
سيناريوهات مفتوحة
إن استشراف المسار يستلزم بالضرورة تجاوز ثنائية التفاؤل والتشاؤم نحو رسم سيناريوهات بدلالاتها العملية.
فأكثر السيناريوهات احتمالا في المدى المنظور هو التوصل إلى اتفاق إطاري على أساس مقترح الحكم الذاتي، ثم الانتقال إلى تطبيق تدريجي. اتفاق يبرم في حدود الصيف القادم يقر المبادئ ويضبط الآجال، تتبعه لجان فنية تشتغل على التفاصيل لأشهر، وربما لسنوات. ميزته أنه يتفادى الانهيار ويحفظ ماء وجه جميع الأطراف. وعيبه أنه قد يحول التسوية إلى عملية مفتوحة تُستهلك في التفاصيل.
ويتمثل السيناريو الثاني في تسوية شكلية دون تطبيق فعلي، أي اتفاق يوقع لاعتبارات دبلوماسية، لكن تطبيقه يتعثر أمام تعقيدات الميدان.
أما السيناريو الثالث فيفضي إلى تعثر وعودة إلى الجمود، خاصة إذا فشلت الأطراف في صياغة اتفاق إطاري متوافق عليه أمام تصلب موقف البوليساريو، خاصة أن الفجوة الجوهرية – استفتاء بخيار الاستقلال أم حكم ذاتي حصري – لم تُجسَّر بعد. غير أن خريطة 2026 حسب اعتقادنا لن تماثل ما قبلها، خاصة أمام تكريس المغرب لمكتسباته، عزلة متعمقة للبوليساريو، وتحول نوعي في موقع الجزائر. وحتى الجمود الجديد، إن وقع، لن يكون استنساخا للقديم.
ويبقى السيناريو الرابع، عودة التوتر العسكري على غرار ما حدث في الكركرات سنة 2020، وهو الأقل ترجيحا نظرا لكلفته الدولية الباهظة، وفي مقدمتها تصنيف إرهابي وشيك. لكنه يظل قائما، إذ قد تختار البوليساريو، أمام مأزقها الوجودي، إعادة الملف إلى مربع إدارة الأزمة بدلا من هندسة التسوية. وهو الخيار الذي لمحت له الجبهة في ردها على القرار 2797، وجسدته المقذوفات التي استهدفت مدينة السمارة.
التحدي المنسي: ما بعد التسوية
ينحصر النقاش العام في كيفية الوصول إلى الاتفاق، فيما يكمن التحدي الأعمق فيما يليه. فحتى لو نجحت التسوية، فإنها ستفتح ملفات لم تطرح بعد بالجدية الكافية. وحتى لو طويت الصفحة السياسية، هل تطوى معها الصفحة المجتمعية؟ لأن نصف قرن من النزاع أنتج هويات متباينة داخل الفضاء الصحراوي ذاته، بين الصحراوين المندمجين في النسيج المغربي، وصحراويي المخيمات المُشكَّلين على ثقافة الممانعة.
كيف سيعاد بناء العلاقات المغربية-الجزائرية بعد عقود من العداء البنيوي؟ ما مصير سكان مخيمات تندوف الذين توارثوا أجيالا من العداوة واللااستقرار؟ ما الشكل الفعلي للحكم الذاتي؟ هل سيكون ترجمة دستورية وتنظيمية حقيقية، أم اكتفاء بالحد الأدنى المرضي للمجتمع الدولي؟ كيف ستدار التوترات الاقتصادية والاجتماعية في أقاليم شهدت تحولات ديمغرافية متسارعة منذ سنة 1975؟ كيف سيعاد تأطير الموقع الجيواستراتيجي للمغرب بعد طي هذا الملف، خاصة في إفريقيا والساحل؟
هذه ليست تفاصيل تقنية، بل أسئلة جوهرية تحدد ما إذا كانت التسوية ستفضي إلى سلام مستدام أم مجرد وقف للنزاع.
في طبيعة اللحظة
كلا الاحتفال بنهاية تاريخية للقضية، والتشاؤم القياسي على فشل خرائط الطريق السابقة كمخطط بيكر، اتفاق هيوستن، وخارطة كولر، يجانب الدقة. فاللحظة الراهنة تختلف بنيويا، ليس لأن الإرادة الدولية أقوى، بل لأن تركيبة العوامل الموضوعية مغايرة جذريا. ومع ذلك، تظل “هندسة التسوية”، مهما بلغت من الإتقان، عاجزة عن إلغاء التناقضات البنيوية بقرار.
ما يرجح أن ما ستشهده الأشهر القادمة ليس نهاية، بل بداية نهاية تشمل عملية تسوية متدرجة، تتقدم وتتعثر، تنجح في محاور وتتأخر في أخرى، قد تفضي إلى اتفاق غير مكتمل لكنه ينقل الملف من خانة “النزاع المفتوح” إلى خانة “التسوية قيد التطبيق”. وهذا، إن تحقق، تحول تاريخي في حد ذاته.
غير أن تحويل هذا الإطار إلى تسوية مستدامة يتطلب ما هو أبعد من توازن القوى اللحظي، ليمتد لاعتراف متبادل بشرعية مخاوف الطرف الآخر، وهو ما لم يحدث بعد.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم لم يعد هو هل سيحل النزاع؟ بل أي شكل من أشكال الحل نحن بصدد بنائه، وبأي ثمن، ولأي مدى من الاستدامة؟ والإجابة عن هذا السؤال تستلزم متابعة دقيقة لما يجري بعيدا عن الأضواء، خاصة في كواليس اللجنة الفنية الدائمة، وفي المحادثات الجانبية بين الرباط وواشنطن، وفي الديناميات الداخلية للنظام الجزائري، وفي مخيمات تندوف التي تنام على تحولات نفسية وسياسية لا تظهر في النشرات الإخبارية.
نصف قرن من الجمود لا ينتهي بقرار، بل بعملية. وهذه العملية قد بدأت بالفعل.
اترك تعليقاً