وجهة نظر

تطهير اللغة… حين يصبح الوضوح شرطًا للصحة العامة

تنبيه: هذه مجرد خواطر من قبيل «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»؛ ليست بناءً برهانيًا ولا دراسةً محكمة، بل إشارات سريعة إلى ما يعيشه كل من اعتاد لغة المواربة أو وجد نفسه يشتري السلم بالمجاملة، أو تشرّب خطابًا ملتوياً حتى صار جزءًا من وجدانه. لذلك تُترك كما هي: مباشرة، بلا تزويق، وبلا ادّعاء اكتمال.

في زمن تتكاثر فيه الأقنعة أكثر مما تتكاثر الحقائق، تبدو الدعوة إلى تطهير اللغة أقرب إلى ضرورة صحية منها إلى ترف فكري. فالكلمات التي نستعملها ليست مجرد أصوات نطلقها في الهواء، بل هي البنية التي يتشكّل داخلها وعينا، وتُبنى بها علاقاتنا، وتُدار بها شؤوننا العامة. وحين تتلوّث اللغة، يتلوّث معها كل شيء: الوعي، العلاقات، السياسة، وحتى الصحة النفسية.

لقد أصبح النفاق اليوم ممارسة يومية، لا باعتباره كذبًا مباشرًا، بل باعتباره أسلوبًا لغويًا: كلمات لا تقول ما تعنيه، وابتسامات لا تعبّر عمّا في الداخل، ودبلوماسية زائدة تُستعمل لشراء السلم بدل بناء الثقة. هذا الانفصال بين اللفظ والمعنى لا يمرّ دون ثمن؛ إنه ينتج توترًا نفسيًا، سوء فهم، هشاشة في العلاقات، وقلقًا يتراكم في النفوس كما يتراكم الغبار في زوايا بيت مهجور.

تطهير اللغة، بهذا المعنى، ليس دعوة إلى الفظاظة أو القسوة، بل دعوة إلى إعادة اللغة إلى وظيفتها الأصلية: أن تكون أداة للفهم، لا وسيلة للتهرّب؛ أن تكون جسرًا بين الناس، لا جدارًا من سوء الظن؛ أن تكون مرآة للواقع، لا ستارًا يحجبه. فالمجتمع الذي يتحدّث بوضوح، يفكّر بوضوح، ويعيش بوضوح.

التاريخ نفسه يقدّم شواهد على أن فساد اللغة كان دائمًا مقدّمة لفساد أكبر. أفلاطون رأى في السوفسطائيين ملوّثين للغة، يزيّنون الكلام حتى يفقد معناه، فتنحرف المدينة عن الحقيقة. الجاحظ اعتبر البيان أساس العقل، وأن غموض اللغة يفسد العلاقات قبل أن يفسد المعاني. ابن خلدون لاحظ أن اضطراب اللسان يرافق دائمًا اضطراب العمران، وأن المجتمعات التي تكثر فيها المجاملات تنهار أسرع من غيرها. أما فتغنشتاين فذهب إلى الجذر حين قال إن حدود لغتنا هي حدود عالمنا؛ فإذا ضاقت اللغة، ضاق العالم.

هذه الرؤية التاريخية ليست مجرد تأملات فلسفية، بل هي مفتاح لفهم ما يحدث اليوم. فالكثير من الأمراض النفسية التي نراها ليست نتيجة صدمات كبرى، بل نتيجة تراكم يومي للغموض: كلمة غير واضحة، موقف غير صريح، مجاملة تُقال بدل حقيقة، صمت يُستعمل بدل مواجهة. النفس البشرية لا تتحمّل العيش في منطقة رمادية طويلة؛ إنها تحتاج إلى وضوح كي تستقر، وإلى لغة صادقة كي تتوازن.

وحين نتحدث عن تطهير اللغة، فنحن نتحدث عن مشروع اجتماعي كامل: لغة واضحة تُنتج علاقات واضحة، وعلاقات واضحة تُنتج ثقة، والثقة تُنتج مجتمعًا سويًا. أما اللغة الملتوية، فتُنتج علاقات مريضة، والعلاقات المريضة تُنتج خوفًا، والخوف يُنتج مجتمعًا هشًا، مهما بدا متماسكًا من الخارج.

إن تطهير اللغة ليس دعوة إلى الكلام المباشر فحسب، بل هو دعوة إلى تحمّل مسؤولية الكلمة: أن نقول ما نعنيه، وأن نعني ما نقوله، وأن نترك مسافة أقل بين الداخل والخارج. فالمجتمع الذي يطهّر لغته، يطهّر وعيه، والمجتمع الذي يطهّر وعيه، يطهّر علاقاته، والمجتمع الذي يطهّر علاقاته، يطهّر سياسته. ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: من الكلمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *