وجهة نظر

ميثاق “مغاربة العالم المدنية المستقلة”… خطاب استقلالية بواجهة مدنية ومسار يعيد إنتاج التدجين السياسي

في الوقت الذي تتصاعد فيه مطالب مغاربة العالم بتمثيل سياسي مستقل ينطلق من بلدان الإقامة، ظهر “ميثاق شرف مبادرة مغاربة العالم المدنية المستقلة” كوثيقة تقدّم نفسها باعتبارها أرضية وحدوية وشفافة. غير أن قراءة متأنية لهذا الميثاق تكشف أنه لا ينسجم مع المسار التاريخي لنضالات الجالية، بل يشكّل منعطفاً يعيد توجيه البوصلة نحو المشاركة من الداخل، في خطوة تُفرغ مطلب التمثيل الخارجي من محتواه وتعيد إنتاج منطق التدجين السياسي في صيغة جديدة.

شعارات وحدوية… ومسار واحد مغلق

الافتتاحية التي تتحدث عن “فعاليات مدنية وكفاءات ومواطنات ومواطنين عبر العالم” تبدو دعوة مفتوحة، لكنها تخفي توجيهاً واضحاً نحو خيار واحد: الانخراط في مبادرة تُحدّد مسبقاً شكل المشاركة، وتغلق الباب أمام أي تصور آخر للمواطنة الكاملة. إنها لغة وحدوية جذّابة، لكنها ليست حيادية؛ بل تُهيّئ القارئ لتقبّل خيار وحيد باعتباره الطريق “المدني المستقل”.

استقلالية لفظية لا فعلية

الميثاق يكرر أنه “مستقل عن أي أجندة حزبية”، لكن الاستقلالية الحقيقية تُقاس بالنتائج لا بالشعارات. والنتيجة التي يدفع إليها الميثاق هي التخلي العملي عن مطلب التمثيل السياسي من الخارج، مقابل مشاركة داخلية لا تغيّر شيئاً في بنية التهميش. إنها إعادة تموقع داخل هندسة سياسية قائمة، لا استقلالاً عنها.

جوهر المناورة: تفكيك الكتلة الحرجة للجالية

الفقرة الأكثر خطورة هي تلك التي تقول إن “المشاركة في الانتخابات من الداخل لا تلغي ولا تعوض مطلب المواطنة الكاملة”. جملة تبدو مطمئنة، لكنها في العمق جوهر المناورة. فالمشاركة الداخلية تلغي عملياً المواطنة الكاملة، لأنها تفكّك القوة السياسية للجالية ككتلة حرجة في الخارج، وتحولها إلى أصوات متناثرة داخل دوائر محلية لا تمثل واقعها ولا مصالحها. إنها صياغة ناعمة لقرار صلب: إجهاض التمثيل المستقل تحت غطاء “النضال”.

ويزداد الالتباس حين يقدّم الميثاق هذه المشاركة كـ”خطوة نضالية واعية”. في الواقع، المشاركة من الداخل ليست نضالاً بل تدجيناً؛ لأنها تُضعف القوة التفاوضية للجالية، وتعيد إنتاج التهميش في شكل مشاركة رمزية، وتحوّل الجالية من فاعل مستقل إلى تابع داخل منظومة انتخابية مُصممة سلفاً. إنها مشاركة بلا أثر، وضغط بلا مخالب.

تحصين المبادرة… لا تحصين الحقوق

الميثاق يطالب المنخرطين بـ”الوقوف سداً منيعاً ضد محاولات ضرب المبادرة”. المفارقة أن المبادرة نفسها هي التي تضرب المشروع التاريخي للجالية. إنه تحصين للمبادرة ضد النقد، لا تحصين للمطلب الدستوري والحقوق المشروعة.

المشاركة الداخلية ليست بديلاً… بل نقيضاً للمواطنة الكاملة

وفي هذا السياق تحديداً، تتضح الخلفية العميقة للمشروع: فهو في العمق مشروعٌ لإعادة الجالية إلى بيت الطاعة السياسي، وإلغاء قوّتها كجهة مستقلّة ذات امتداد خارجي. فالمشاركة من الداخل ليست بديلاً عن المواطنة الكاملة التي ينصّ عليها الدستور المغربي في الفصل 17، الذي يؤكّد:

“يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية. ويحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي، كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت والترشيح انطلاقاً من بلدان الإقامة.”

حينما تترشّح في الداخل، فهذه حرّيتك، ولكنّك لا تعود ممثّلاً للجالية؛ أنت ممثّلٌ لدائرتك التي صوّت مواطنوها عليك، وهم مواطنون داخل التراب الوطني، لا ساكنة تمنح أصواتها لمرشّح يمثّل دائرة من دوائر مغاربة العالم، بل نقيض ذلك تماماً.

والتمثيل من الخارج ليس مطلباً رمزياً، بل هو شرطٌ لبناء قوّة سياسية حقيقية للجالية؛ قوّة تجعل تجاهلها مكلفاً، وتجعل حضورها جزءاً من القرار الوطني، لا مجرّد ديكور انتخابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *