تجليات تمغربيت في زمن كأس العالم 2026: الهوية الوطنية والانتماء العابر للحدود
في زمن العولمة وتسارع حركة البشر والأفكار، لم تعد الهوية الوطنية مفهومًا مرتبطًا فقط بالحدود الجغرافية أو الإقامة داخل الوطن، بل أصبحت تُقاس بقدرة الأفراد والجماعات على الحفاظ على روابطهم الثقافية والوجدانية والرمزية مع وطنهم الأم، أينما وجدوا. ومن هذا المنطلق، يشكل مغاربة العالم نموذجًا بارزًا للهوية العابرة للحدود، تلك الهوية التي لا تنتهي بمغادرة الوطن، ولا تذوب بالضرورة في مجتمعات الإقامة، بل تستمر في التشكل والتجدد عبر الذاكرة، والأسرة، واللغة، والرموز الوطنية، والمناسبات الجماعية الكبرى.
وتعد بطولة كأس العالم من أكثر اللحظات كثافة في التعبير عن هذا الانتماء، لأنها لا تمثل مجرد منافسة رياضية عابرة، بل تتحول إلى فضاء عالمي تتقاطع فيه مشاعر الفخر الوطني، والذاكرة الجماعية، والتمثيل الرمزي للوطن. وفي مونديال 2026، الذي تحتضنه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، لا يخوض المنتخب المغربي منافسة كروية فحسب، بل يخوض أيضًا لحظة رمزية كبرى، تكشف مدى حضور المغرب في وجدان أبنائه المنتشرين عبر العالم، وخاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث الذين ولدوا ونشؤوا خارج أرض الوطن، لكنهم ما زالوا يحملون المغرب في قلوبهم وذاكرتهم وسلوكهم اليومي.
إن الحديث عن هذه الظاهرة يقودنا إلى مفهوم “التمغربيت”، باعتباره مفهومًا جامعًا يتجاوز المعنى القانوني للجنسية، ليحيل على منظومة من القيم والرموز والممارسات التي تعبر عن الشخصية المغربية في بعدها التاريخي والثقافي والوجداني. فالتمغربيت ليست مجرد انتماء إداري أو وثيقة هوية، بل هي شعور عميق بالانتماء إلى وطن يمتلك تاريخًا عريقًا، وحضارة متنوعة، ورصيدًا غنيًا من القيم الإنسانية. إنها تتجسد في الاعتزاز بالمغرب، والتشبث باللغة والثقافة، واحترام الأسرة، والتضامن، والتسامح، والارتباط بالمؤسسات الوطنية، والمحافظة على روابط قوية مع الوطن الأم.
ولدى مغاربة العالم، تكتسب التمغربيت بعدًا خاصًا، لأنهم يعيشون في فضاءات ثقافية متعددة، ويتفاعلون يوميًا مع مجتمعات مختلفة في اللغة والقيم وأنماط العيش. غير أن هذا التعدد لا يؤدي بالضرورة إلى فقدان الهوية الأصلية، بل قد يتحول إلى مصدر غنى، إذا استطاع الفرد أن يوفق بين الاندماج الإيجابي في بلد الإقامة والوفاء لجذوره الثقافية والوطنية. ومن هنا، فإن مغاربة العالم لا يعيشون انتماءً منغلقًا، بل يمارسون هوية مركبة، تجمع بين المواطنة الفاعلة في بلدان الإقامة والانتماء العاطفي والثقافي للمغرب.
وتتجلى هذه الهوية العابرة للحدود بأوضح صورها خلال كأس العالم 2026. فبسبب احتضان البطولة في أمريكا وكندا والمكسيك، يجد مغاربة أوروبا أنفسهم أمام تحدي فارق التوقيت، حيث تقام بعض مباريات المنتخب الوطني في ساعات متأخرة من الليل أو في حدود الثانية أو الثالثة صباحًا. ومع ذلك، يحرص آلاف المغاربة، من مختلف الأعمار، على السهر أو الاستيقاظ خصيصًا لمتابعة مباريات المنتخب المغربي، رغم ارتباطهم في اليوم التالي بالعمل أو الدراسة أو الامتحانات. وهذا السلوك لا يمكن تفسيره فقط بحب كرة القدم، بل يعكس عمق الانتماء الوطني وقوة الرابط الوجداني الذي يجمعهم بالمغرب.
وتكشف بعض الشهادات عن عمق هذا المعنى. فقد روى أحد الآباء أنه سأل ابنه، وهو مقبل على الامتحانات، عن سبب استيقاظه في هذا الوقت المتأخر لمتابعة مباراة المنتخب المغربي، فأجابه الابن بكل تلقائية: “هذا واجب تجاه وطني، وإذا أديت واجبي فإن الله لن يخيّب ظني ومستقبلي”. ورغم بساطة هذه العبارة، فإنها تختزل دلالات عميقة؛ فهي تكشف أن الانتماء الوطني لم يعد حكرًا على الجيل الأول من المهاجرين، بل أصبح حاضرًا بقوة في وعي الأبناء الذين ولدوا في أوروبا، وتربوا في مدارسها، ويتحدثون لغاتها، لكنهم يشعرون في الوقت نفسه بأن المغرب وطنهم، وأن دعمه والفرح له واجب وجداني وأخلاقي.
وفي شهادة أخرى، يقول أحد المغاربة المقيمين في ألمانيا عن ابنه البالغ من العمر اثني عشر عامًا: “لا أعرف كيف تشبع بهذه الهوية، انه يحب المغرب حبًا كبيرًا. منذ بداية كأس العالم لا يرتدي إلا قميص أشرف حكيمي أو إبراهيم دياز، ويحرص على مشاهدة جميع مباريات المنتخب مهما كان توقيتها، وعلم المغرب يرفرف في بيتنا طوال أيام البطولة”. إن هذه الصورة البسيطة لطفل يعيش في ألمانيا، يرتدي قميص المنتخب المغربي، ويحفظ أسماء لاعبيه، ويتفاعل مع كل هجمة وكل هدف وكأنه داخل الملعب، تعكس حجم القوة الرمزية التي أصبح المنتخب الوطني يحملها لدى أبناء مغاربة العالم.
ولا تقتصر هذه المظاهر على البيوت والأسر، بل تمتد إلى الفضاءات العامة والمؤسسات الاجتماعية. ففي أيام مباريات المغرب، تتحول الجمعيات المغربية، والمساجد، والمراكز الثقافية، ودور السينما، والمقاهي، إلى فضاءات جماعية يلتقي فيها مغاربة العالم لمتابعة المنتخب الوطني. هناك لا تكون المباراة مجرد تسعين دقيقة من اللعب، بل تصبح مناسبة لاستحضار الوطن، وتجديد الروابط بين الأسر، وتعريف الأطفال بالرموز الوطنية، وتعزيز الشعور بالوحدة بين أفراد ينحدرون من مناطق ولهجات مختلفة، لكنهم يلتقون جميعًا تحت علم واحد ونشيد واحد وحلم واحد.
وبعد كل انتصار، تخرج الجماهير المغربية إلى الشوارع رافعة العلم المغربي، وتنطلق مواكب السيارات، وتتردد الأغاني الوطنية والأهازيج الشعبية بالأمازيغية والعربية، في مشهد يعكس غنى الهوية المغربية وتعدد روافدها الثقافية. فالمغرب هنا لا يظهر كهوية أحادية مغلقة، بل كهوية جامعة تتسع للعربية والأمازيغية والحسانية، وللثقافة الشعبية والحضرية، وللأجيال القديمة والجديدة. وهذا التنوع لا يضعف التمغربيت، بل يمنحها قوة خاصة، لأنها تقوم على وحدة الانتماء مع احترام التعدد.
ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن فهم هذه الظاهرة في إطار ما يسمى بالهوية العابرة للحدود، أي تلك الهوية التي تسمح للأفراد بالحفاظ على ارتباط فعلي ورمزي بوطنهم الأصلي، رغم إقامتهم في بلدان أخرى. كما يمكن قراءتها في ضوء ما يسميه بعض الباحثين بالقومية عن بُعد، حيث يستمر الشعور الوطني في الوجود حتى عندما يكون المواطن بعيدًا عن وطنه جغرافيًا. غير أن حالة مغاربة العالم تتميز بخصوصية واضحة، لأنها لا تقوم فقط على الحنين إلى الماضي، بل على علاقة مستمرة ومتجددة مع المغرب من خلال الزيارات، والأسرة، والإعلام، واللغة، والدين، والرياضة، والمناسبات الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح المنتخب المغربي حاملًا لرأس مال رمزي كبير. فقميص المنتخب، والعلم المغربي، والنشيد الوطني، وصور اللاعبين، كلها رموز تتحول خلال كأس العالم إلى أدوات لإنتاج الانتماء وتقويته. فالطفل الذي يرتدي قميص حكيمي أو إبراهيم دياز لا يرتدي مجرد لباس رياضي، بل يرتدي رمزًا للانتماء والفخر والتمثيل. والأسرة التي تضع العلم المغربي في البيت لا تقوم بزينة عابرة، بل تعلن حضور الوطن داخل فضاء الهجرة. والجماهير التي تردد الأغاني المغربية في شوارع المدن الأوروبية لا تحتفل فقط بفوز رياضي، بل تعبر عن وجود ثقافي ووجداني للمغرب خارج حدوده.
كما أن كأس العالم يبرز دور مغاربة العالم في تعزيز القوة الناعمة للمغرب. فالدول لا تُعرف فقط بسياساتها الرسمية أو اقتصادها أو مؤسساتها، بل تُعرف أيضًا بصورتها لدى الشعوب، وبما يقدمه أبناؤها من نماذج في السلوك والاحتفال والتفاعل مع الآخرين. ومن خلال الاحتفال الحضاري، واحترام قوانين بلدان الإقامة، والتعامل الراقي مع الجماهير الأخرى، يقدم مغاربة العالم صورة إيجابية عن المغرب، ويصبحون سفراء غير رسميين لوطنهم. إنهم يعبرون بسلوكهم عن مغرب منفتح، متنوع، معتز بهويته، وقادر في الوقت نفسه على احترام الآخر والعيش المشترك.
غير أن هذا الدور الرمزي يفرض أيضًا مسؤولية أخلاقية كبيرة. فالتمغربيت الحقيقية لا تظهر فقط في رفع العلم أو ارتداء قميص المنتخب، وإنما تظهر قبل ذلك وبعده في احترام القوانين، والحفاظ على النظام العام، ونظافة الأماكن، واحترام الجيران والمارة، وتجنب العنف والعنصرية والاستفزاز. فكل مغربي في الخارج، خاصة في لحظات التتبع الإعلامي الواسع، يحمل جزءًا من صورة وطنه. ولذلك فإن الاحتفال الحضاري ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جزء أساسي من معنى الانتماء؛ لأن حب الوطن لا يكون فقط بالعاطفة، بل أيضًا بحسن تمثيله.
ومن أهم ما يكشفه مونديال 2026 أن التمغربيت ليست إرثًا بيولوجيًا ينتقل بالدم فقط، بل منظومة قيم تُنقل بالتربية والقدوة والذاكرة الأسرية والجماعية. فالطفل الذي يستيقظ في الثانية أو الثالثة صباحًا لمشاهدة منتخب المغرب لم يفعل ذلك من فراغ، بل لأنه نشأ في بيت يسمع فيه عن المغرب، ويرى فيه العلم المغربي، ويزور فيه وطن الآباء والأجداد، ويتعلم فيه أن الانتماء ليس مجرد كلام، بل ممارسة يومية. وهنا تبرز أهمية الأسرة المغربية في المهجر، لأنها تمثل المؤسسة الأولى التي تنقل الذاكرة الوطنية إلى الأبناء، وتربطهم بالمغرب ربطًا وجدانيًا وثقافيًا.
كما تلعب الجمعيات والمساجد والمراكز الثقافية دورًا مهمًا في ترسيخ هذا الانتماء، لأنها توفر فضاءات جماعية يعيش فيها الأطفال والشباب تجربة الانتماء المشترك. فعندما يجتمع أبناء مغاربة العالم لمتابعة مباراة المنتخب، فإنهم لا يتعلمون فقط أسماء اللاعبين أو قواعد اللعبة، بل يتعلمون معنى الجماعة، ومعنى الوطن، ومعنى الفرح المشترك. ولذلك يمكن القول إن كأس العالم يتحول إلى مدرسة رمزية للهوية، يتعلم فيها الجيل الجديد أن المغرب ليس مجرد بلد يزوره في العطلة، بل وطن ينتمي إليه وجدانيًا وثقافيًا.
لقد أثبتت تجربة مونديال قطر 2022، وما يتكرر في مونديال 2026، أن المنتخب المغربي أصبح عاملًا قويًا في توحيد المغاربة داخل الوطن وخارجه. فالانتصارات الرياضية تحولت إلى لحظات وطنية كبرى، يشعر فيها المغربي في الدار البيضاء، والرباط، والناظور، والعيون، ووجدة، وطنجة، كما يشعر المغربي في برلين، وبروكسيل، وباريس، ومدريد، وأمستردام، ومونتريال، بأنهم ينتمون إلى جسد وطني واحد. وفي هذه اللحظات، تتراجع المسافات، وتضعف الفوارق، ويصبح الوطن حاضرًا بقوة في المشاعر والرموز والصور والهتافات.
ومن هنا، فإن مونديال 2026 لا يمثل اختبارًا لقدرات المنتخب المغربي داخل الملعب فحسب، بل يشكل أيضًا اختبارًا لقوة التمغربيت خارج الحدود. وقد أظهرت هذه الأيام أن مغاربة العالم، وخاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث، ما زالوا يحملون المغرب في قلوبهم، ويعبرون عن هذا الانتماء بطرق متعددة، من متابعة المباريات رغم صعوبة التوقيت، إلى ارتداء قميص المنتخب، ورفع العلم، والاحتفال الجماعي، ونقل هذه المشاعر إلى الأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل في بلدان الإقامة.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الوطن لا يُقاس فقط بالمكان، بل بالذاكرة والوجدان والقيم. فقد يولد الإنسان بعيدًا عن أرض آبائه، ويتكلم لغة أخرى في المدرسة والعمل، ويحمل ثقافة بلد الإقامة في تفاصيل حياته اليومية، لكنه يظل قادرًا على الاحتفاظ برابط عميق مع وطنه الأصلي. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مغاربة العالم في كأس العالم؛ فهم ليسوا خارج المغرب بالمعنى الوجداني، بل هم امتداد له في العالم، وجسر حضاري وإنساني بين المغرب وبلدان الإقامة.
وفي الختام، يمكن القول إن كأس العالم 2026 كشف مرة أخرى أن التمغربيت ليست شعارًا عابرًا ولا عاطفة موسمية ترتبط بنتائج المباريات، بل هي هوية حية ومتجددة، تتجلى في السلوك والرمز والذاكرة والاحتفال والمسؤولية. إنها تظهر في طفل يستيقظ فجرًا لمشاهدة منتخب بلده، وفي أب يندهش من قوة ارتباط ابنه بالمغرب، وفي أسرة ترفع العلم المغربي داخل بيتها، وفي جمعية تفتح أبوابها لمتابعة المباراة، وفي شارع أوروبي تهتز أجواؤه بالأهازيج المغربية بعد كل انتصار.
وهكذا يتأكد يوم عن يوم أن المغرب لا يعيش فقط داخل حدوده الجغرافية، بل يعيش أيضًا في وجدان أبنائه المنتشرين عبر العالم، وتبقى التمغربيت ذلك الرابط العميق الذي يوحد مغاربة العالم، ويجعل من كأس العالم مناسبة لتجديد العهد مع الوطن، وإبراز أجمل صور الاعتزاز بالهوية، والوحدة، والتضامن، واحترام الآخر، والوفاء الدائم للمغرب بقيمه الحضارية الراسخة.
*د. محمد العبدوني باحث في حقوق الأقليات مقيم في ألمانيا.
اترك تعليقاً