مئوية مسجد باريس الكبير: تفكيك الذاكرة المنسية واستعادة الريادة المغربية
مقدمة:
يعتبر مسجد باريس الكبير أحد أهم وأبرز المعالم الدينية الإسلامية بأوروبا، والنواة المؤسساتية الأولى للإسلام في فرنسا. وإذ تحل هذه السنة الذكرى المئوية لتأسيسه (15يوليوز1926 – 15 يوليوز2026)، فإنها تطرح ضرورة علمية لإعادة قراءة الظروف التاريخية والسياقات الجيوسياسية التي واكبت فكرة إحداثه مطلع العقد الثاني من القرن الماضي. لكن يبرز إشكال معرفي وسوسيولوجي بالغ الأهمية، حيث نلاحظ نوعا من النسيان والتجاهل لجهود عدد من الفاعلين في إحداث هذا المشروع، وفي مقدمتهم المغرب. يربط الوعي الجمعي الفرنسي المعاصر والأجيال الجديدة من الشباب المسلم بفرنسا وحتى عدد من السياسيين، بين مسجد باريس والرعاية الجزائرية، في تجاهل تام للفاعلين الحقيقيين ولتعقيدات وسياق إحداثه مطلع القرن العشرين.
يتناول هذا المقال ظاهرة التعتيم التاريخي والنسيان المؤسساتي، ويهدف إلى تحليل كيف تحول مشروع ديني وثقافي صُمم هندسيًا وروحيًا وتمويليًا تحت الإشراف المباشر لـ “جمعية الأحباس والحرمين الشريفين” بالرباط وبتفويض من السلطان مولاي يوسف وبدعم ومباركة فرنسا وعدد من الدول الإسلامية، إلى ساحة صراع ونفوذ دولي في مرحلة ما بعد الاستعمار، ثم إلى فضاء خاضع حصريًا للوصاية الدبلوماسية والسياسية الجزائرية؟ يتعلق البحث باستعادة حقوق الذاكرة، وذلك من خلال بَحْثِ ديناميكيات الفاعلين وإعادة التشكيل القانوني الذي أسهم في إحداث وإدارة أحد أهم المساجد بفرنسا. لا يهدف هذا العمل إلى اتخاذ موقف أيديولوجي، بل يسعى بكل موضوعية علمية إلى استعادة حقوق الذاكرة عبر تقديم تحية إجلال وتقدير للمؤسسين والمانحين وكبار الحرفيين المغاربة الذين كانوا الفاعلين الحاسمين في بناء هذا الرمز لإسلام فرنسا. وسنعتمد على أرشيف محافظة مدينة نانت[1] وبعض التحاليل الأكاديمية[2] التي تبرز ديناميكيات التقليد المغاربي، مع تسليط الضوء على الآليات القانونية والقطائع التي واكبت تاريخ هذه المؤسسة، مع فتح باب النقاش حول الآفاق المستقبلية لإرث مشترك يخطو نحو عتبة قرنه الثاني.
- العمق التاريخي والاستراتيجي: من الفكرة الإمبراطورية إلى الالتزام المغربي
لم يكن إحداث مسجد باريس نتاج مطالب جماعية منبثقة عن الهجرة المغاربية لفرنسا، بل تأسس وفق منطق “السياسة الإسلامية” لفرنسا الاستعمارية التي كانت تهيمن وقتئذ على مناطق شاسعة من العالم الإسلامي. حاولت تقديم نفسها كـ “قوة إسلامية” راعية للأماكن المقدسة للمسلمين.
وتعود الجذور العميقة لفكره بناء مركز إسلامي بباريس إلى القرن الثامن عشر، وتحديداً إلى المعاهدة والاتفاقية التي أبرمها الملك لويس الخامس عشر مع سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله في 28 ماي 1767. وتجددت المحاولات في القرن التاسع عشر؛ ففي سنة 1847 تقدمت “جمعية الشرق بالجزائر الفرنسية” بطلب لإحداث مسجد ومعهد ومقبرة إسلامية بباريس واجهته وزارة الخارجية بالرفض آنذاك. ثم تلتها مقترحات في سنة 1895 مدعومة ماليًا من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ومجموعات ضاغطة في الجزائر وفرنسا، إلا أن المشروع تعطل وتجمد بفعل الصراعات السياسية العثمانية-الأرمنية، ثم دُفن تماماً بعد وقوف الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا عشية الحرب العالمية الأولى.
مثلت الحرب العالمية الأولى المنعطف الحاسم الذي أخرج المشروع إلى حيز الوجود. فقد زجت الحرب بالآلاف من المقاتلين المسلمين من منطقة المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء إلى الخنادق للدفاع عن التراب الفرنسي. وأدت التضحية الجسيمة لهؤلاء الجنود، وبخاصة بسالة “فيلق المشاة المغربي” في استعادة حصن “دومون” (Douaumont) عام 1916، إلى تحويل مشروع مسجد باريس من فكرة ديبلوماسية إلى “واجب اعتراف وطني” فرنسي. وهو ما صاغه بدقة النائب البرلماني إدوارد إريو (Edouard Herriot) في تقريره الشهير أمام الجمعية العامة الفرنسية قائلاً:
“إذا كانت الحرب قد ربطت بين الأخوة الفرنسية والإسلامية في ساحة المعركة حيث مات أكثر من 100 ألف من رعايانا ومحميينا في خدمة وطن مشترك الآن، فيجب أن يتشرف هذا الوطن بالاحتفال في أسرع وقت ممكن، وبالأفعال، ويعبر عن امتنانه وتذكره لكل هؤلاء المسلمين… فستقدم باريس الترحيب بالمعهد الإسلامي والظل الورع لمسجده”[3].
- احداث مسجد باريس التفاف على “اللائكية” الفرنسية.
شكل تشييد مسجد باريس استثناءً تاريخياً ومفصلاً قانونياً حرجاً في علاقة الدولة الفرنسية بالأديان؛ فالقانون الفرنسي الصادر في 9 ديسمبر 1905 المعني بفصل الكنيسة عن الدولة (اللائكية) لا يسمح بتمويل الأديان وينص صراحة في مادته الثانية على أن <<الجمهورية لا تعترف ولا تمنح رواتب ولا تمول نفقات أي عبادة>>.
ولتجاوز هذه الموانع القانونية، صادق البرلمان الفرنسي بالإجماع في 29 يونيو 1920 على دعم مالي استثنائي قدره 500 ألف فرنك لتمويل وبناء مؤسسة إسلامية تضم قاعة للصلاة، ومكتبة، ومرافق ثقافية واجتماعية (حمام، مطعم، حدائق أندلسية)، كما أسهمت بلدية باريس بقيمة 1,620,000 فرنك خصصت لشراء الأرض التي سيقام عليها المشروع. وارتبط الإنجاز العملي ومتابعة تقدم الأشغال أساسا بـ “جمعية الأحباس والحرمين الشريفين ” التي أحدثت بالرباط بموجب ظهير سلطاني عام 1917، مما جعل الجامع عقارًا موقوفًا (وقفًا بحكم الشريعة الإسلامية) غير قابل للتفويت، ومربوطًا بالسيادة والشرعية الروحية لسلطان المغرب. وقد دعم المقيم العام المارشال ليوطي هذا الاحداث وسانده في مختلف مراحله [4].
- الريادة المالية والعبقرية المعمارية للمغرب
تكشف الوثائق والأرشيفات الدبلوماسية (لا سيما أرشيف محافظة نانت والخارجية الفرنسية) أن التمويل الأساسي للمسجد قام على تبرعات واكتتابات العالم الإسلامي، وتبوأ فيه المغرب الصدارة المطلقة. فحتى يناير 1922، بلغت الاكتتابات والتبرعات القادمة من المغرب الأقصى 3,838,000 فرنك، وهو ما يمثل أزيد من 45% من الميزانية الإجمالية التأسيسية للمعهد المسلم بجامع باريس، إلى جانب تمويلات مقدرة من باي تونس سيدي محمد الحبيب باشا ودول إسلامية أخرى. ولم يقتصر الإسهام المغربي على التدفقات المالية، بل صاغ الهوية البصرية والمعمارية للمبنى؛ إذ استلهم المهندس الفرنسي “موريس مانتو” الصرح تصميماً وهندسةً من القواعد الهندسية الفاسية لجامع القرويين والمدارس المرينية. ولأجل ذلك، جُنّدت صفوة من المعلمين والحرفيين التقليديين “المعالمية” من حواضر فاس ومكناس، الذين سافروا إلى باريس وأشرفوا على صناعة الزليج، والنقش على الجبس، وتثبيت الخشب المنقوش (التوريق) وغيرها.
- الدعم السياسي المخزني للمشروع
لا يمكن الحديث عن تأسيس مسجد باريس وبداياته الأولى دون الإشارة إلى أول مدير له: سي قدور بنغبريط (1873-1954). هذا الدبلوماسي الحاذق، المنحدر من تلمسان والمتعلم في جامع القرويين بفاس، جسّد بامتياز نمط “الموظف المزدوج”؛ فقد كان وزيرًا مفوضًا للمخزن الشريفي وفي الوقت ذاته مستشارًا ومترجمًا معتمدًا لدى وزارة الخارجية الفرنسية. وبصفته رئيساً لجمعية الأحباس بالرباط، أدار بنغبريط المسجد طيلة ثلاثة عقود بروح المخزن وبطابعه اللوجيستي والديني، واضعاً المسجد تحت وصاية وزارة الخارجية الفرنسية التي جعلت منه مبعوثها الخاص لدى البلدان الإسلامية لتلميع صورة فرنسا الاستعمارية بالخارج. وتجلى الحضور المخزني بوضوح في حفل الافتتاح الأسطوري بتاريخ 15 يوليو 1926، الذي دشنه الرئيس الفرنسي غاستون دوميرغ والسلطان المغربي مولاي يوسف، رفقة وفد رسمي رفيع المستوى يمثل الأعيان والباشوات والعلماء؛ أمثال باشا الجديدة علال القاسمي، والقائد القبلي القوي الطيب الكندافي، والقائد حمو العزيزي، والقائد محمد بن الشريف السايسي الأمغاري، والأديب سيدي الفاطمي بن سليمان.
ومثّل اعتلاء العلامة والشاعر الصوفي المغربي، الشيخ أحمد بن العياشي سكيرج التيجاني، منبر الجامع لإلقاء أول خطبة جمعة وإمامة المصلين، التتويج الروحي والشرعي للبصمة امغربية في التأسيس. وما تزال أشعاره منقوشة على جبسيات المداخل والجداريات شاهدة على ذلك. ولم يقتصر التأطير المغربي على الافتتاح، بل تواصل بتعيين الشيخ محمد بن اللحسن الدباغ عام 1930 إمامًا رسميًا للمسجد بدعم ورعاية مباشرين من باشا مراكش التهامي الڭلاوي، مكرسًا المجالس العلمية على الطريقة الفاسية والسمت المغربي.
- المنعطف الجزائري خلال الخمسينيات والثمانينيات: كواليس الانتقال القانوني والسياسي للوصاية
بدأت التصدعات التأسيسية مع تصاعد وتيرة حركات التحرر الوطني في المغارب. وتوجست الإدارة الفرنسية من مسجد باريس بعد نفي السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) عام 1953، نظرًا لتحوله إلى منبر للدعاء للسلطان الشرعي ومشتل لبث الحماس الوطني والسياسي للمغاربة. ومن أجل كبح الهيمنة الروحية للمخزن، شجعت وزارة الداخلية الفرنسية والحاكم العام للجزائر (التي كانت تعتبر آنذاك مقاطعات فرنسية) على خلق توازن بديل. في عام 1957، وعقب وفاة قدور بنغبريط، فرضت السلطات الفرنسية الأكاديمي والنائب في الجمعية الوطنية حمزة بوبكر رئيسًا وعميدًا للمسجد، في خرق واضح للشرعية القانونية لجمعية الأحباس، مما استدعى احتجاجًا دبلوماسيًا رسميًا من وزارة الخارجية المغربية بالرباط في أغسطس 1957.
وبعد استقلال الجزائر عام 1962، تم استغلال الفراغ القانوني وغياب التحيين القانوني (Statutaire) لأعضاء جمعية الأحباس السبعة المؤسسين. وقام العميد الجديد بـ “هندسة تعديلية” للمادة الثامنة من القانون الأساسي للجمعية، مسجلاً إياها في عمالة الجزائر، لتنص صراحة على تحويل ممتلكات وأصول جامع باريس في حال تصفية الجمعية إلى هيئات خيرية جزائرية. وقد شكك السوسيولوجي الفرنسي “غيل كيبيل” في نزاهة هذا الانتقال، واصفًا الجمع العام الاستثنائي لعام 1958 بأنه تشكّل مريب من أقارب العميد وحراسه الشخصيين لتثبيت “الأمر الواقع الدبلوماسي”[5].
وصل هذا المسار التاريخي محطته الحاسمة في سنة 1982، حيث عُهد بشكل رسمي وحصري إلى السلطات الجزائرية بتسيير وتمويل مسجد باريس الكبير. وهي المهمة الدبلوماسية والمالية التي ما تزال تقوم بها إلى اليوم، حيث يشرف المسجد حالياً على إدارة وتأطير أزيد من 150 مسجداً في كبريات المدن الفرنسية تحت لواء ما يسمى بـ “فيدرالية مسجد باريس الكبير”.
خاتمة
إن التاريخ المغربي لمسجد باريس الكبير ليس مجرد نستالجيا لذكريات خلت أو دعوى للمفاخرة، بل هو حقيقة تاريخية وسوسيولوجية معتمدة بالوثائق الدبلوماسية، والآثار المادية المعمارية: الزليج الفاسي، والنصوص الإبيغرافية المنقوشة على جدرانه… وإذا كان التحول الجيوسياسي لمرحلة ما بعد الاستعمار قد حوّل المسجد إلى فصيل يدور في فلك الدبلوماسية الدينية الجزائرية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن الصرح يقف اليوم في مستهل قرنه الثاني أمام مفترق طرق هوياتي صلب. وتكمن المفارقة في كيفية التوفيق بين هويته المادية والمعمارية والروحية (المغربية الأندلسية) وإدارته السياسية والمالية (الجزائرية السائدة)، في ظل سياق فرنسي محلي متحول يطالب بنموذج “إسلام فرنسا” المستقل عن تأثيرات وتمويلات الدول الأصلية. إن إعادة قراءة الأرشيف ونبشه تمثل ضرورة علمية وتاريخية حتمية لترميم الذاكرة الجمعية للإسلام بفرنسا، وإعادة الحقوق التاريخية لأصحابها بعيداً عن الاستقطاب السياسي الضيق.
[1] Note de Kaddour Ben Ghabrit adressée au ministre des Affaires étrangères, 16 décembre 1938, Archives du Quai d’Orsay (AQO), Série Afrique (1918-1940), sous-série : Affaires musulmanes, carton K-102-I, dossier 14.
[2] Elkbir Atouf, « La Mosquée et l’Institut musulman de Paris : Origines, enjeux, controverses », Les Cahiers de la sécurité, n° 62, 3e trimestre 2006, p. 209.
Jillali El Adnani, La Mosquée de Paris, œuvre marocaine et patrimoine mondial, Casablanca, Éditions La Croisée des Chemins / CCME, 2017.
[3] صفحة في موقع مسجد باريس الكبير (Grande Mosquée de Paris) التي تستعرض نص تقرير إدوارد إريو كاملاً وعملية التصويت البرلماني عليه L’institut Musulman – Historique – Mosquée de Paris.
[4] Lettre du maréchal Hubert Lyautey au président du Conseil, ministre des Affaires étrangères, 24 mai 1922, Archives du Quai d’Orsay (AQO), Série Afrique (1918-1940), sous-série : Affaires musulmanes, carton K-102-I, dossier 11.
[5] Gilles Kepel, Les Banlieues de l’Islam : Naissance d’une religion en France, Paris, Éditions du Seuil, 1991, p. 81.
* باحث في حوار الأديان وقضايا الإسلام بأوروبا، دكتور في علم الاجتماع من جامعة PAUL VALERY، عضو البعثة الثقافية المغربية بمونبوليي سابقا
اترك تعليقاً