وجهة نظر

بعد مائة يوم من الإضراب بين رفض الأسلوب وضرورة حماية رسالة المحاماة

بعد مائة يوم من الإضراب بين رفض الأسلوب وضرورة حماية رسالة المحاماة

كنت، ولا أزال، أعتقد أن الإضراب ليس الأسلوب الذي يليق بهيئات المحامين في المغرب؛ فالمحاماة، بحكم طبيعتها ورسالتها ومكانتها داخل منظومة العدالة و الدولة، يفترض أن تظل قادرة على الدفاع عن حقوقها ومصالحها بأدوات الحوار والحجة والمؤسسات، وأن تكون آخر من يلجأ إلى تعطيل المرفق القضائي الذي ترتبط به مصالح المواطنين وحقوق المتقاضين.

لكن المواقف لا تُقاس دائماً بمعزل عن سياقاتها، والقرار المهني لا يمكن أن يظل أسير موقف مبدئي مجرد عندما تتغير المعطيات من حوله.
لقد أخذ مسار الإضراب، منذ الإعلان عنه إلى اليوم، أكثر من مائة يوم. وهي مدة ليست بالقصيرة. وكان من المفترض، خلال هذه الفترة، أن تتحرك مختلف المؤسسات والجهات المعنية من أجل احتواء الأزمة، وفتح قنوات جدية للحوار، وتصحيح ما يمكن تصحيحه، وإيجاد مخرج يحفظ للمحاماة مكانتها وللعدالة انتظامها.

لكن، في نهاية المطاف، تبين أن لا أحد تحرك بالقدر الكافي لإعادة الأمور إلى نصابها ، وهنا تصبح المسألة مختلفة.
فإذا كان المرء يستطيع، من موقعه المبدئي، أن يعارض فكرة الإضراب في بدايته، فإنه يصبح مطالباً اليوم بأن يسأل نفسه سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا سيترتب على التراجع الآن، بعد كل هذه المدة، وبعد أن استُنفدت فرص المعالجة دون أن يظهر حل جدي؟

إن العدول عن الإضراب في هذه المرحلة، من دون تحقيق الحد الأدنى من المطالب أو الحصول على ضمانات واضحة بشأن معالجة أسباب الأزمة، قد لا يُقرأ باعتباره انتصاراً للحكمة أو انتصاراً للحوار، بل قد يُفهم باعتباره تراجعاً يضر بمصالح المحامين ويضعف قدرتهم التفاوضية.

فالزميل الذي تحمل، طوال أسابيع، تبعات موقف مهني جماعي، وأوقف عمله دفاعاً عن قضايا يعتبرها جوهرية لمستقبل المهنة، لا يمكن أن يُطلب منه في اللحظة التي أصبحت فيها كلفة التراجع مرتفعة أن يعود ببساطة إلى نقطة الصفر، وكأن شيئاً لم يكن.

والأمر لا يتعلق برأيي فقط بالمطالب المهنية أو بنتائج التفاوض، وإنما يتعلق كذلك بشيء أكثر أهمية: وحدة الصف المهني.
وحدة المحامين الان و أكثر من أي وقت مضى ، ليست ترفاً، وليست مجرد توافق ظرفي حول قرار إضراب. إنها عنصر أساسي من عناصر قوة المهنة واستقلالها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وعن رسالتها.

ومن هنا، فإن الزملاء المحترمين الذين اختاروا عدم الاستجابة لقرار الاستمرار في الإضراب مدعوون، بكل احترام، إلى إعادة النظر في الآثار التي يمكن أن تترتب على موقفهم.

فالاختلاف في الرأي حق لا خلاف عليه، وحرية المحامي في اتخاذ موقفه المهني والسياسي والنقابي يجب أن تظل مصونة. لكن الحرية الفردية لا تعني بالضرورة أن آثار الموقف الفردي تظل فردية عندما يتعلق الأمر بقرار جماعي اتخذته الهيئات المهنية وفق آلياتها.
إن الانقسام في مثل هذه اللحظة قد يضعف الجميع، حتى أولئك الذين اختاروا عدم المشاركة.

كما أن هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله.
المحامي لا يعمل في فراغ؛ فهو يبني مهنته على الثقة. موكله يأتمنه على حقوقه وأمواله وأسراره ومستقبله، ويحتاج إلى أن يشعر بأن المحامي الذي اختاره يتمتع بالثبات والوضوح والقدرة على الدفاع عن مواقفه.

ومن هنا، فإن الزميل الذي يختار مخالفة موقف مهني جماعي لا ينبغي أن يستهين بالرسالة التي قد تصل إلى موكليه. و ليس المقصود، بطبيعة الحال، القول إن كل من خالف قراراً جماعياً هو بالضرورة محامٍ غير جدير بالثقة؛ فهذا تعميم غير منصف، ولا يصح مهنياً ولا أخلاقياً.
لكن السؤال المشروع هو: كيف يمكن للمحامي أن يقنع موكله بأنه سيظل ثابتاً في الدفاع عن مصالحه، إذا ظهر أمام زملائه متردداً في الالتزام بموقف مهني جماعي اتخذته مؤسساته؟

إن الثقة المهنية تقوم، قبل كل شيء، على الثبات والوفاء بالالتزامات والقدرة على تحمل تبعات المواقف.
وإذا كان المحامي يطلب من موكله أن يثق به عندما يخوض نزاعاً قضائياً، وأن يطمئن إلى أنه لن يتراجع أمام أول ضغط من أي جهة كانت ، فمن الطبيعي أن يكون هو نفسه واعياً بأن السلوك المهني لا ينفصل عن قيمة الالتزام.

ومع ذلك، يجب أن ننتبه إلى أمر أساسي: هذه ليست معركة بين محامين مؤيدين للإضراب ومحامين معارضين له. فالخلاف الحقيقي يجب أن يبقى حول مستقبل مهنة المحاماة، وضمان استقلالها، وحماية مكانتها، وصيانة حقوق المحامين والمتقاضين في آن واحد.

ولذلك، فإن المطلوب ليس تخوين المخالفين، ولا التشهير بهم، ولا تحويل الاختلاف النقابي إلى خصومة شخصية ، فالمطلوب هو أن يفهم الجميع أن قوة المحاماة لا تتجسد في عدد من يرفعون شعاراتها فقط، وإنما في قدرتها على التضامن عندما تصبح مصالحها الأساسية مهددة.

قد نختلف حول الوسيلة، وقد نختلف حول التوقيت، وقد يختلف تقديرنا لجدوى الإضراب، لكن عندما يصل الأمر إلى مرحلة استمر فيها النزاع لأكثر من مائة يوم دون معالجة حقيقية، فإن السؤال يصبح: هل يستطيع الجسم المهني أن يتحمل تراجعاً جماعياً في هذه اللحظة؟
والجواب، في تقديري، هو أن أي عدول غير مشروط وغير مصحوب بحل جدي قد تكون كلفته أكبر بكثير من كلفة الاستمرار.

لقد كان رفض الإضراب بالنسبة إليّ، ولا يزال، موقفاً مبدئياً نابعاً من قناعتي بأن المحاماة أرفع من أن تجعل من تعطيل العمل القضائي وسيلة أولى للتعبير عن مطالبها.

لكن المبدأ لا يعني تجاهل الواقع.
وعندما لا تتحرك المؤسسات لمعالجة الأزمة، وعندما تمتد الأزمة لشهور، وعندما تصبح العودة عن القرار الجماعي دون مقابل حقيقي سبباً في إضعاف المهنة، فإن الاستمرار يصبح، بالنسبة إلى كثير من الزملاء، ليس اختياراً مريحاً، وإنما دفاعاً عن مصداقية الموقف المهني الجماعي.

لهذا، فإنني، رغم قناعتي القديمة بأن الإضراب ليس الوسيلة المثلى التي تليق بهيئات المحامين، أرى أن العدول عنه الآن، من دون معالجة حقيقية لأسباب الأزمة، قد يكون أخطر على مصالح المحامين من الاستمرار فيه.

والاختلاف في هذه المسألة يجب أن يبقى اختلافاً محترماً.

أما وحدة الصف، فهي مسؤولية الجميع.

لأن المحاماة التي لا تستطيع أن تتوحد عندما يتعلق الأمر بمستقبلها، ستجد صعوبة في إقناع الآخرين بأن عليها أن تكون شريكاً مستقلاً وقوياً في صناعة العدالة.

قد نختلف في الوسيلة، لكن لا ينبغي أن نختلف في الدفاع عن كرامة المهنة واستقلالها ومصالح أهلها.

الأستاذ إبراهيم أموسي
المحامي بهيئة الدارالبيضاء
باحث في القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *