يحياوي: تحولات اجتماعية تفرز سلوكا انتخابيا جديدا وتعمق أزمة الوساطة بالمغرب
قال أستاذ الجغرافيا السياسية مصطفى يحياوي، إن قراءة الخريطة الانتخابية والاجتماعية بالمغرب لا يمكن فصلها عن المسار الديمقراطي وتطور البنية الدستورية والسياسية خلال نحو 25 سنة، معتبرا أن نهاية حكم الملك الراحل الحسن الثاني دشنت مرحلة جديدة ارتبطت بالمفهوم الجديد للسلطة والتناوب التوافقي، وأسست لتحول في تصور السياسة ودور المواطن داخل الدينامية العامة.
وأوضح يحياوي أن هذا المسار يمكن تقسيمه إلى ثلاث عشريات، انطلقت أولها سنة 1999، مرورا بتجربة التناوب التي قادها الراحل عبد الرحمن اليوسفي، والتي جاءت بعد عقود من الصراع حول السلطة، قبل الانتقال إلى إصلاحات مسطرية همت الانتخابات والمؤسسات، وبرزت بشكل خاص في استحقاقات 2002 من خلال نظام العتبة واللائحة.
وأضاف خلال تدخله في ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني أن الإصلاحات المسطرية تزامنت مع إطلاق أوراش كبرى ودينامية اقتصادية جديدة، أفرزت نخبا سياسية واقتصادية وصفها بـ”المقاول السياسي”، معتبرا أن هذا الفاعل بات يفاوض على موقعه داخل الخريطة السياسية بهدف حماية مصالحه المرتبطة بالاستثمار العمومي، وهو ما ساهم، بحسبه، في بروز طموحات فردية وتنافسية لا تستند بالضرورة إلى تصور جماعي أو التزام سياسي مشترك.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن العشرية الثانية شهدت انتقالا سلسا للحكم، بالتوازي مع بروز مؤشرات على تغير سلوك الشباب، مستحضرا بحثا ميدانيا أنجز سنة 2010 أظهر، وفق قراءته، ملامح سلوك مواطن شبابي مختلف عن الأنماط السياسية التقليدية، وهو التحول الذي تزامن مع حراك 20 فبراير ودستور 2011، وما حمله من توسيع للنقاش حول الحقوق والعدالة الاجتماعية والكرامة والمشاركة السياسية.
وسجل يحياوي أن مرحلة ما بعد دستور 2011 شهدت تنافسا بين أطروحات سياسية مختلفة، من بينها محاربة الفساد وتطهير المؤسسات من مظاهر الريع، وأطروحات أخرى مرتبطة بإعادة ضبط التوازنات السياسية، خاصة خلال انتخابات 2016، قبل بروز مفاهيم الدولة الاجتماعية والحق في التنمية وتقييم السياسات العمومية.
وتابع أن معطيات التسجيل في اللوائح الانتخابية تكشف، حسب قراءته، تحولا لافتا في علاقة الشباب بالمشاركة السياسية، موضحا أن نحو عشرة ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة، بينما لم يتجاوز عدد المسجلين منهم نحو ثلاثة ملايين، مضيفا أن هذا الوضع قد يعكس ما وصفه بـ”السلوك العقابي” تجاه الفاعلين السياسيين، من خلال أشكال احتجاجية مرتبطة بالتصويت أو العزوف عنه.
وأردف الأكاديمي أن التحولات الاجتماعية أفرزت أشكالا جديدة للمشاركة تتجاوز صناديق الاقتراع، مستحضرا احتجاجات الريف وجرادة وزاكورة، إلى جانب احتجاجات الداخلة سنة 2015، وحراكات الأساتذة وإضرابات طلبة الطب، معتبرا أن المواطن أصبح أكثر ميلا إلى تقييم المؤسسات ومساءلتها والدفاع عن مطالبه المباشرة، في مقابل تراجع أدوار بعض وسائط التأطير التقليدية.
وخلص يحياوي إلى أن الخريطة الانتخابية باتت تتأثر بتحولات ديموغرافية واجتماعية وبشبكات النفوذ الترابي، إلى جانب الانتماءات السياسية، محذرا، وفق تعبيره، من هيمنة نخب الأعيان والتحالفات العائلية والقبلية على القرار المحلي، ومؤكدا أن السياسة تبدأ من المساءلة، وأن استمرار الفاعلين في إطالة الزمن السياسي بعيدا عن انتظارات الناخبين قد يفاقم أزمة الثقة ويوسع فجوة التوتر بين المركز والهوامش.
اترك تعليقاً