سياسة، مجتمع

التكوين والدفاع عن آلاف الحرفيين وإبعاد السياسة .. الزمزمي يستعرض تحول الغرفة لفاعل تنموي (فيديو)

أكد عبد الرحيم الزمزمي، رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط سلا القنيطرة، أن الغرفة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مجرد مؤسسة ذات دور استشاري محدود إلى فاعل تنموي يساهم بشكل مباشر في تأطير الصناع التقليديين وتطوير قدراتهم وفتح آفاق جديدة أمام منتجاتهم، كاشفا عن مجموعة من المشاريع والبرامج التي أطلقتها الغرفة في مجالات التكوين والتأهيل والتسويق والتعاون الدولي وحماية التراث.

وأوضح الزمزمي، خلال لقاء خاص مع جريدة “العمق المغربي”، أن توليه مسؤولية الغرفة سنة 2015 تزامن مع مرحلة تنزيل الجهوية المتقدمة، التي فرضت جمع أربع غرف للصناعة التقليدية بكل من الخميسات والقنيطرة والرباط وسلا في مؤسسة واحدة تضم 90 عضوا، معتبرا أن تدبير هذه المرحلة شكل تحديا كبيرا.

وقال إن الفترة الممتدة بين 2015 و2021 خصصت أساسا لإعادة تنظيم الإدارة وبناء أسلوب جديد في الاشتغال، بعدما كانت الغرف، حسب وصفه، تشتغل في إطار محدود يقتصر في كثير من الأحيان على عقد الاجتماعات وتقديم بعض الإعانات وتنظيم معرض سنوي، مضيفا أن الغرفة اختارت تغيير هذه الصورة من خلال الاعتماد على إمكانياتها الذاتية في التكوين والتأطير، حيث جرى جمع الأعضاء وأصحاب الاختصاصات ووضع برامج تستهدف الارتقاء بعمل المؤسسة وإخراجها من الدور التقليدي إلى العمل التنموي.

وأشار الزمزمي إلى أن هذه المقاربة أسفرت، بحسب المعطيات التي قدمها، عن تكوين نحو 7000 متدرج حصلوا على دبلومات، إلى جانب تطوير المشاركة في المعارض والانتقال من المعارض الوطنية إلى الدولية، فضلا عن تطوير بطاقة الصانع التقليدي والتأكيد على أهمية التكوين المستمر. وبحسب رئيس الغرفة، فإن الولاية الثانية التي بدأت سنة 2021 عرفت بدورها تحولا في طريقة الاشتغال والميزانية، ما جعل الغرفة، وفق تعبيره، “حلقة مهمة” وسط المؤسسات التي تدبر عددا من العمليات والبرامج على مستوى الجهة.

ومن بين البرامج التي ركز عليها الزمزمي، برنامج المصادقة على التجربة المهنية للصناع التقليديين، الذي انطلق قبل نحو ست سنوات بـ67 صانعا تقليديا في ثلاث أو أربع حرف، بهدف الاعتراف بمؤهلات مهنيين لم تتح لهم فرصة الدراسة أو الحصول على دبلوم، موضحا أن البرنامج يعتمد على تشخيص وضعية الصانع وتوعيته ومساعدته على إعداد ملفه، قبل اجتياز امتحان أمام لجنة تضم مختصين وأعضاء من الغرفة والتكوين المهني، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين الذين حصلوا على هذه الدبلومات بلغ نحو 1000 صانع خلال خمس سنوات.

وأكد أن الغرفة تعمل كذلك على إنشاء قاعدة بيانات للصناع الحاصلين على هذه الدبلومات، بما يسمح بالتعرف على المهنيين المؤهلين في مختلف الحرف عند الحاجة إليهم. وفي الجانب المرتبط بالتكوين المستمر، أقر الزمزمي بوجود تحديات في عدد من سلاسل الإنتاج، خصوصا الخياطة والزربية والطرز والقفطان، مشيرا إلى أن بعض الصناع يواجهون صعوبات في تسويق منتجاتهم.

وفي المقابل، أكد أن الغرفة عملت على تعزيز التكوين المستمر ومواكبة الصناع، وأحيانا توفير المواد والمعدات الضرورية للعمل، معتبرا أن التكوين المستمر ضروري حتى لا يتراجع مستوى المهنيين أمام تطورات القطاع وتحولات الأسواق.

وفي إطار توسيع آفاق الصناع التقليديين، كشف الزمزمي عن توسيع الغرفة لأنشطتها الدولية عبر المشاركة في معارض بعدد من الدول، وتنظيم برامج لتكوين الصناع التقليديين الأفارقة، إلى جانب مشاريع تستهدف ربط التكوين بفرص جديدة في سوق الشغل الدولية.

وأوضح أن الغرفة شاركت خلال السنوات الماضية في معارض بعدد من الدول الإفريقية، من بينها إثيوبيا وكينيا والكاميرون والكونغو ومالي ونيجيريا، إلى جانب فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والسعودية والولايات المتحدة والمكسيك.

وأكد أن الغرفة تحاول، عند اختيار المشاركين في المعارض الدولية، منح الفرصة أيضا للصناع القادمين من المناطق الهامشية، حتى يتعرفوا على الأسواق الخارجية ويبنون علاقات مهنية جديدة، مشيرا إلى أن بعض الصناع بدأوا بالفعل في تصدير كميات صغيرة من منتجاتهم، خصوصا في عدد من الأسواق الإفريقية.

وأضاف أن الغرفة تعمل على إعداد الصناع المشاركين في المعارض، بما في ذلك تكوين عدد منهم في اللغة الإنجليزية، حتى يتمكنوا من التواصل مباشرة مع الزبائن والشركاء دون الحاجة دائما إلى مترجمين.

وفي السياق نفسه، تحدث الزمزمي عن تجربة الغرفة في التعاون مع دول إفريقية، مشيرا إلى أن 23 دولة إفريقية استفادت من برامج التكوين التي نظمتها الغرفة، وأن عدد المستفيدين بلغ نحو 900 صانع وصانعة، فضلا عن تنظيم دورات تكوينية في دول إفريقية، من بينها البنين ومالي، وتوفير معدات لفائدة المستفيدين.

ووصف رئيس الغرفة هذه المبادرات بأنها تندرج ضمن ما سماه “الدبلوماسية الاقتصادية الثقافية”، مبرزا أن تبادل الخبرات في الصناعة التقليدية يتيح أيضا تلاقحا بين الألوان والزخارف المغربية والإفريقية.

وفي امتداد لهذا الانفتاح على الشراكات الدولية، كشف الزمزمي عن مشروع شراكة مع ألمانيا لبناء مركز للتكوين تابع للغرفة، موضحا أن الجانب الألماني سيساهم بنحو 90 في المائة من تمويل المشروع.

وأشار إلى أن المركز سيستهدف فئة من الأشخاص الذين لم يتمكنوا من متابعة الدراسة أو الحصول على دبلومات، على أن يستفيد كل عام 105 أشخاص من تكوين في مجالات التبريد والتكييف، والطاقة الفولطوضوئية، وميكانيك السيارات، إضافة إلى اللغة الألمانية.

وأوضح أن الغرفة تسعى، في إطار المشروع، إلى إبرام اتفاقيات مع شركات في ألمانيا لاستقبال المستفيدين بعد تخرجهم، مشيرا إلى أن المستفيد سيحصل، وفق التصور المعلن للمشروع، على منحة وإقامة لمدة ستة أشهر، قبل الانتقال إلى عقد عمل في حال استيفائه الشروط المطلوبة.

وكشف الزمزمي أن الميزانية الإجمالية للمشروع تقدر بنحو 120 مليون درهم، مضيفا أن المشروع يتضمن أيضا “قرية نموذجية” أطلق عليها اسم “قرية الفخار”، تمتد على مساحة 10 هكتارات وتضم 140 مستفيدا، سيحصلون على وسائل الاشتغال مجانا، بحسب ما أورده، معتبرا المشروع “ملكا” وفق تعبيره.

وفي حديثه عن حماية التراث المغربي، قال الزمزمي إن الغرفة نظمت ندوات حول القفطان والزليج، كما نظمت فعاليات مرتبطة بالقفطان في مقر اليونسكو، مؤكدا أن الغرفة تعمل بالتعاون مع الوزارة من أجل دعم تسجيل المنتجات الوطنية في المنظمة الدولية.

وبالتوازي مع هذه المشاريع، شدد الزمزمي على ضرورة إبعاد العمل السياسي والحزبي عن تدبير الغرف المهنية، معتبرا أن الصانع التقليدي يحتاج إلى من يمثله ويدافع عن مصالحه المهنية، وليس إلى من ينقل إليه التجاذبات السياسية.

وقال الزمزمي، ردا على سؤال حول التجاذبات السياسية والصراعات داخل الغرفة، إن المؤسسة تضم أعضاء ينتمون إلى نحو خمسة أو ستة أحزاب، لكن هذا الانتماء، حسب قوله، لا ينعكس على طريقة اشتغال الغرفة.

وأضاف: “وكلنا الله على هذا لي دخل الغرف للسياسة”، مشددا على أن الصانع التقليدي “خاصو لي يمثلو ما خصوش لي يدير ليه السياسة”، ومؤكدا أن النقاش داخل الغرفة يتم بعيدا عن الانتماءات الحزبية.

وأوضح رئيس الغرفة أن الأعضاء، رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية، يتفاهمون ويتناقشون حول قضايا القطاع دون أن يكون لأي طرف تأثير خارجي على عمل المؤسسة، مشيرا إلى أن التجربة التي امتدت لنحو عشر سنوات، حسب قوله، لم تعرف تجاذبات أو انشقاقات من شأنها عرقلة العمل.

وفي سياق حديثه عن استقلالية الغرف المهنية، اعتبر الزمزمي أن حجم الاستقلالية يرتبط أيضا بقدرة الرئيس على معرفة اختصاصاته والدفاع عنها، موضحا أن الوزارة، وفق تعبيره، لا تملك سلطة على المنتخب، وإنما يمكنها أن تقدم الدعم والمساندة.

وقال إن الرئيس الذي يعرف اختصاصاته ويتوفر على فريق جيد تكون لديه قوة اقتراحية، ويستطيع الدفاع عن مقترحاته، مضيفا أن المسؤول الذي يريد الاشتغال “كياخد بعين الاعتبار داكشي الاقتراحات ديالو”.

وتقدم المشاريع التي كشف عنها الزمزمي صورة عن مسار الغرفة خلال السنوات الأخيرة، من التكوين والتأهيل والمصادقة على التجربة المهنية، إلى دعم المشاركة في المعارض والأسواق الدولية، وتكوين الصناع الأفارقة، وحماية المنتجات والتراث، وصولا إلى مشاريع تربط التكوين بفرص العمل والشراكات الدولية.

وبحسب رئيس الغرفة، فإن هذا المسار يعكس محاولة للانتقال بالمؤسسة من الدور التقليدي إلى مواكبة الصانع التقليدي في مختلف مراحل مساره المهني، سواء عبر اكتساب المهارات، أو الاعتراف بالتجربة المهنية، أو توفير وسائل الاشتغال، أو فتح قنوات للتسويق والتعاون الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *