الإرادة ووهم الاختيار.. السلوك الانتخابي بين الاستقلالية والوصاية وسؤال الحرية
استهلال
ليس كل اختيار دليلا على الحرية، كما أن كل إرادة لا تعني بالضرورة أن الإنسان مالك لها، بحيث فقد يختار الشخص وهو يظن أنه يختار، وقد يريد ما لم يتعلم أن يريده إلا لأن الآخرين أرادوه له، وقد يدافع عن قناعة لم تتح له الفرصة في مساءلتها، غير أنه بين ما يعتقد الإنسان أنه اختياره وما يكون قد تشكل في داخله بفعل الآخرين، تمتد منطقة خفية يصعب فيها التمييز بين الإرادة التي تنبع من الذات، والإرادة التي تتسلل إلى الذات ثم تعود إليها في صورة اختيار شخصي. بناء على ذلك، تبدأ المفارقة الفلسفية التي مفادها أن الإنسان قد يتحرر من الإكراه المباشر، لكنه لا يتحرر بالضرورة من كل ما يمكن أن يوجه إرادته، لأن السلطة الأكثر نفاذا ليست دائما تلك التي تأمر وتمنع، وإنما تلك التي تجعل الإنسان يرغب فيما يراد له أن يرغب فيه، ويختار ما جرى إعداده لكي يختاره، ثم يشعر مع ذلك أنه لم يخضع لأحد، وفي هذا الصدد، لا يعود السؤال عن الحرية هو: هل ترك لنا الآخرون مجالا للاختيار؟ بل يصبح السؤال أعمق وهو: هل ما اخترناه هو حقا ما أردناه، أم أننا أردنا ما تم إعدادنا لكي نريده؟
إن هذا السؤال لا ينتمي إلى الفلسفة وحدها، ولا يمكن فصله عن الحياة السياسية، لأن الانتخابات تكشف بصورة واضحة عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الإنسان وإرادته، بحيث إن الصوت الانتخابي يبدو في ظاهره مجرد ورقة توضع داخل صندوق الاقتراع، لكنه في معناه العميق هو إعلان عن موقف، وتعبير عن قناعة، وتفويض لمسؤولية سياسية، لذلك لا تكمن قيمة الصوت الانتخابي إذن في وجوده داخل هذا الصندوق أو ذاك، وإنما في الإرادة التي تقف خلفه. فماذا يبقى من حرية الاختيار إذا بلغ المواطن إلى صندوق الاقتراع وقد اختير عنه قبل أن يختار؟ وماذا يبقى من معنى المواطنة إذا ظل الصوت ملكا قانونيا وأخلاقيا لصاحبه، بينما أصبحت إرادته رهينة للجماعة أو القرابة أو الحاجة أو الخوف أو نفوذ الآخرين؟
إن الانتقال من حرية الاختيار إلى امتلاك الإرادة يصبح انتقالا من سؤال سياسي حول ممارسة حق الانتخاب إلى سؤال فلسفي حول الإنسان نفسه، فهل يكفي أن تكون لنا إرادة حتى نكون أحرارا، أم أن الحرية الحقيقية لا تبدأ إلا عندما يصبح الإنسان قادرا على أن ينظر إلى إرادته نفسها، وأن يسأل من أين جاءت، وكيف تشكلت، ولمن تعود؟
بين حرية الاختيار وامتلاك الإرادة
ليس كل ما يفعله الإنسان يصدر عنه بالضرورة، فقد يتحرك أحيانا داخل مسارات لم يختر بداياتها، ويتبنى قناعات لم يمتحنها، ويدافع عن اختيارات لم تكن له فيها الكلمة الأولى، بحيث إنه بين الإنسان وما يعتقد أنه اختياره، تتسلل قوى كثيرة لا تظهر دائما في صورة الإكراه، بعضها يأتي في هيئة عادة، وبعضها في صورة انتماء، وبعضها يتخفى خلف الحاجة أو الخوف أو الرغبة في القبول، بيد أن أكثر أشكال الهيمنة التباسا تلك التي لا يشعر معها الإنسان بأنه خاضع لأحد. فحين تنجح السلطة في أن تجعل الفرد يرى اختياراته المفروضة بوصفها اختياراته الخاصة، لا تعود السيطرة بحاجة إلى الأوامر، بحيث يكفي أن تتشكل الرغبة من الخارج، ثم تعود إلى صاحبها في شكل إرادة شخصية، ليصير السؤال عن الحرية أكثر تعقيدا من مجرد السؤال عن غياب الإكراه، فهل نحن نختار دائما ما نريد، أم أننا نريد أحيانا ما جرت برمجتنا لكي نريده؟ وهذه هي المسافة الدقيقة بين أن يمتلك الإنسان إرادة، وأن يكون بالفعل مالكا لإرادته.
ثمة أشياء لا تباع في الأسواق، ومع ذلك يمكن أن تتحول إلى سلعة حين يفقد الإنسان إحساسه بقيمتها، إذ أن من بين أكثر الأشياء هشاشة أمام هذا التحول إرادة الإنسان نفسها، وهي تلك المساحة الداخلية التي يفترض أن تظل عصية على المساومة، لأنها هي التي تمنح أفعاله معناها، واختياراته قيمتها، ووجوده السياسي صفته كمواطن لا كرقم، لكن في هذا الإطار، فإن الانتخابات هي أكثر اللحظات التي تنكشف فيها حقيقة هذه العلاقة بين الإنسان وإرادته، على اعتبار أنه في الظاهر لا يعدو الأمر ورقة يضعها المواطن في صندوق، غير أن هذه الورقة تختزن سؤالا أعمق بكثير وهو: هل اختار الإنسان فعلا، أم أنه وصل إلى صندوق الاقتراع محملا باختيار صاغه الآخرون قبله؟
من هذا المنطلق، تبدأ المسألة في تجاوز السياسة إلى الفلسفة لأن الحرية ليست مجرد امتلاك الحق في الاختيار، وإنما امتلاك القدرة على أن يكون الاختيار نابعا من الذات، بحيث قد يمتلك الإنسان حقا قانونيا لا يستطيع أن يمارسه بحرية كاملة إذا كانت إرادته محاصرة بالخوف أو الحاجة أو ضغط الجماعة أو سلطة العائلة أو نفوذ الأشخاص الذين اعتاد المجتمع أن يمنحهم حق الكلام باسمه.
وهم الإجماع: من مصادرة الاختلاف إلى سلب الإرادة
لا يعيش الفرد خارج الجماعة، لكنه قد يفقد شيئا من ذاته حين تصبح الجماعة بديلا عن ضميره، إذ أنه في كل مجتمع، توجد دائما تلك الرغبة الخفية في الانتماء، في ألا يكون الفرد مختلفا، وفي ألا يقف وحده في الجهة المقابلة، ذلك أن هذه الرغبة، على الرغم من ضرورتها لبناء الروابط الاجتماعية، يمكن أن تتحول إلى أداة ناعمة للسيطرة حين يصبح الانسجام أهم من الحقيقة، ويصبح القبول الاجتماعي أثمن من الاستقلال في التفكير، لذلك يمكن فهم جانب مهم من السلوك الانتخابي، لأن الشخص لا يسأل دائما عما يقتنع به، بل قد يسأل، دون أن يشعر، عما يقتنع به الآخرون، لكن مع تكرار الإشارات إلى أن الجماعة قد حسمت موقفها، يبدأ الفرد في النظر إلى اختياره الخاص باعتباره خروجا عن النسق، وقد يفضل مسايرة الجماعة على الاحتفاظ بقناعته.
هذه إحدى المفارقات العميقة في النفس البشرية لأنه قد يتخلى الإنسان عن حريته لا لأن أحدا ألزمه، وإنما لأنه يخشى أن يكون حرا وحده، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بوهم الإجماع لأن الناس غير متفقين في الحقيقة، لكن كل فرد يتصور أن الآخرين متفقون، فيصمت أو يساير، ثم يصبح هذا الصمت دليلا ظاهريا على وجود اتفاق لم يكن موجودا أصلا. وهكذا يمكن أن تولد إرادة جماعية من مجموعة إرادات فردية لم تتح لها فرصة التعبير عن نفسها، لأنه حين يحدث ذلك في السياسة، تصبح الانتخابات معرضة لأن تتحول من مساحة للاختيار إلى مساحة للخضوع، بدليل أن الفرق بين المواطن الحر والمواطن التابع لا يكمن دائما في مقدار ما يملكه من حقوق، وإنما في قدرته على استعمال تلك الحقوق دون خوف من الجماعة أو الأشخاص الذين يملكون سلطة رمزية عليه.
بقدر ما تترسخ هذه السلطة، تمتد آثارها إلى الإرادة الانتخابية ذاتها، فتتجاوز توجيه السلوك من الخارج إلى التأثير في الكيفية التي تتشكل بها الإرادة قبل أن تظهر في صورة اختيار سياسي، فهي لا تتدخل بالضرورة في الاختيار من خارجه، بل قد تتسلل إلى تكوين الإرادة نفسها قبل أن تتحول إلى صوت داخل صندوق الاقتراع. فحين يعتقد الفرد أن الجماعة قد حسمت موقفها، لا يعود يسأل فقط عما يريد، وإنما عما ينبغي أن يريد، حتى يظل منسجما مع محيطه، فيصبح ما يبدو له اختيارا شخصيا امتدادا لما أنتجته الجماعة من تصورات ومعايير وانتظارات لا تكون معها السلطة الرمزية قد سلبت الإرادة بصورة مباشرة، وإنما أعادت تشكيل شروط ممارستها، حتى يغدو الخضوع شبيها بالاختيار، ويغدو صوت الفرد تعبيرا عن إرادة تبدو له ذاتية بينما تكون قد تشكلت جزئيا تحت تأثير الجماعة، ومن ثم فإن الدفاع عن استقلال الإرادة الانتخابية لا يقتصر على حماية الناخب من الإكراه الظاهر، بل يقتضي أيضا وعيا نقديا بعمل السلطة الرمزية التي تسبق لحظة التصويت وتشارك في صناعة ما نسميه اختيارا، غير أن السؤال الكبير ليس هو: لمن أعطى المواطن صوته؟ وإنما هو: كيف تشكلت الإرادة التي أعطت هذا الصوت؟
أخطر من شراء الصوت أو حين تُشترى الإرادة
إن خطورة الذين يتحدثون باسم المواطنين دون تفويض منهم تكمن في أن المشكلة ليست في أن يكون للإنسان تأثير اجتماعي أو قدرة على الإقناع، وإنما في أن يتحول تأثيره إلى ادعاء بامتلاك إرادات الآخرين.، بحيث يحدث أن يكون الإنسان وسيطا، وقد يكون وجيها، وقد يكون صاحب مكانة، لكنه لا يصبح مالكا لأصوات الناس لمجرد أنهم يعرفونه أو يحترمونه، لذلك فإن الإرادة ليست إرثا، كما أن الصوت ليس ملكية تنتقل من شخص إلى آخر، لاسيما إذا وضعنا في الاعتبار أن العلامة الفارقة بين الإقناع والوصاية بالغة الدقة، مادام الإقناع يعترف بوجود الآخر ويفتح أمام كل فرد طريقا، ثم يترك له حرية السير فيه أو العدول عنه، أما الوصاية فتختار الطريق ثم تطلب من الإنسان أن يسير فيه، ثم تفترض أن الآخر لا يحتاج إلى أن يقرر.
على هذا الأساس، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الانتخابات ليس فقط شراء الصوت بالمال، وإنما شراء الإرادة بأشكال أكثر خفاء، بحيث إنه قد تشترى الحاجة بوعد، ويشترى الولاء بخدمة، ويشترى الصمت بعلاقة، ويشترى الاختيار بشعور بالدين، بل إن الشخص قد لا يشعر أنه باع صوته، لأنه لم يتلق ثمنا مباشرا، لكنه يجد نفسه في النهاية يصوت تحت تأثير علاقة جعلت اختياره مدينا لشيء آخر، مما يجعل الانتخابات تفقد معناها شيئا فشيئا، كما أنه حين يصبح الصوت مقابلا لمنفعة، يتحول المواطن من صاحب مصلحة عامة إلى طرف في صفقة خاصة، بل إنه حين يصبح الانتماء بديلا عن الكفاءة، تتحول السياسة إلى امتداد للعلاقات الاجتماعية، أما حين تصبح القرابة معيارا للثقة، يصبح السؤال عن البرنامج الانتخابي والحصيلة والقدرة على الإنجاز سؤالا ثانويا، غير أن الممارسة السياسية التي تبنى على القرابة وحدها لا تنتج بالضرورة تمثيلية انتخابية منبثقة عن الاقتراع وإرادة الناخبين، كما أن الانتماء لا يصنع الكفاءة، لذلك فأن يكون المرشح قريبا من الناس لا يعني بالضرورة أنه قادر على تمثيلهم، وأن يحمل انتماءهم لا يعني أنه يحمل بالضرورة مشروعا لمستقبلهم.
إن الانتخابات اليوم تحتاج إلى مواطن لا يكتفي بالسؤال عن هوية المرشح، وإنما يسأل عن أثره، وعن رؤيته، وعن قدرته على تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وعن مدى استعداده لأن يكون مسؤولا أمام من منحه ثقته، مما يعني أن المواطن الذي يسأل لا يصعب إقناعه، بل يصعب اختزاله، لأن السؤال يحمي إرادته من أن تُختزل في إجابة جاهزة، أما المواطن الذي يفكّر فنه لا يتحول بسهولة إلى رقم في حسابات الآخرين، لأن التفكير يستعيد للذات قدرتها على الاختيار. أما المواطن الذي يدرك قيمة صوته، فلا يسمح بأن يتحول هذا الصوت إلى موضوع للتفاوض في غيابه، ولا إلى أداة في إرادة لم يصنعها بنفسه.
من المواطن التابع إلى المواطن الفاعل
تتجلى أهمية الإحساس بالفاعلية، باعتبارها ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يرى نفسه قادرا على التأثير في واقعه، لأنه حين يقتنع المواطن بأن القرار يتخذ دائما بعيدا عنه، وأن دوره لا يتجاوز المصادقة على ما تقرر مسبقا، فإنه يفقد تدريجيا إحساسه بقدرته على التغيير، أما عندما يصبح العجز عادة، تصبح الوصاية طبيعية، ويصبح الاعتماد على الوسطاء جزءا من الثقافة السياسية، لكن حين يستعيد المواطن إحساسه بأنه فاعل، فإن الانتخابات تستعيد معناها. يصبح الصوت موقفا، ويصبح الاختيار مسؤولية، وتصبح الثقة عقدا لا مجاملة، وتصبح المحاسبة امتدادا طبيعيا للتصويت.
إن الديمقراطية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، تبدأ في العقل الذي يفكر، وفي الضمير الذي يرفض أن يملى عليه، وفي المواطن الذي يملك الشجاعة الكافية ليكون مختلفا عندما يرى أن الاختلاف هو الصواب، لذلك فإن الحرية ليست أن يجد الشخص مكانه داخل الصف، وإنما أن يكون قادرا على الخروج منه عندما يقتضي ضميره ذلك، وهذا يدل على أن المجتمع الديمقراطي لا ينبغي أن يخاف من المواطن الذي يسأل، ولا من المواطن الذي يختلف، ولا من المواطن الذي يغير موقفه، بل ينبغي أن يخاف من المواطن الذي فقد القدرة على السؤال، والذي أصبح يرى أن الآخرين أعرف منه بمصلحته، وأن القرار لا بد أن يأتيه من خارج ذاته. فما الذي يبقى من حرية الإنسان إذا كان الآخرون يختارون عنه ثم يطلبون منه فقط أن يعلن موافقته؟ وما الذي يبقى من الديمقراطية إذا كان المواطن يدخل إلى صندوق الاقتراع وقد اتخذ القرار باسمه قبل أن يصل إليه؟
حين يصبح الصوت الانتخابي امتحانا لحرية الإرادة
إن السؤال الحقيقي ليس من يملك العدد الأكبر من الأصوات، وإنما من يملك القدرة على حماية استقلال تلك الأصوات. وليس التحدي الحقيقي هو الوصول إلى الصندوق، وإنما الوصول إليه بإرادة لم ترهن، وقناعة لم تشتر، وقرار لم يستعر، وقد يستطيع البعض أن يحسب الأصوات، وأن يعقد التحالفات، وأن ينسج التوافقات، وأن يتنبأ بالنتائج قبل ظهورها، لكن هناك شيئا واحدا لا ينبغي أن يدخل في الحسابات: حرية المواطن، بحيث إن الصوت الانتخابي الذي يمكن التفاوض عليه بسهولة ليس مجرد صوت ضعيف، وإنما علامة على أن صاحبه فقد جزءا من علاقته بإرادته، لكن حين يصبح الاختيار سلعة، لا تباع ورقة انتخابية فقط، الذي يعرض للبيع هو المعنى العميق للمواطنة، لذلك يكون السؤال الأكثر إلحاحا في كل انتخابات ليس لمن سيذهب الصوت، وإنما لمن تعود الإرادة؟
إذا عادت الإرادة إلى صاحبها، أصبح التصويت فعلا من أفعال الحرية، أما إذا بقيت الإرادة في يد الآخرين، فإن الصندوق، مهما امتلأ بالأوراق، لن يكون إلا شاهدا على اختيار لم يكن حرا تماما، فليست المسألة في أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع، وإنما في أن يصل إليه وهو لا يزال مالكا لإرادته، خاصة أن الصوت الانتخابي لا يكتسب قيمته من كونه ورقة تلقى في صندوق، وإنما من كونه تعبيرا عن إرادة حرة، أما حين تفقد هذه الإرادة، قد يبقى التصويت قائما من الناحية القانونية، لكن معناه السياسي والأخلاقي يبدأ في التآكل، لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس أن يشترى الصوت، بل أن ينسى صاحبه أنه كان له صوت مستقل أصلا، ليس أن يلزم المواطن على الاختيار، بل أن يصبح عاجزا عن التمييز بين ما اختاره هو وما اختير له.
وعموما، فإن الديمقراطية لاتقاس فقط بعدد الأصوات، وإنما بدرجة استقلاله، فضلا على أنها لا تحمى فقط بالقوانين التي تضمن سرية الاقتراع، بل أيضا بثقافة تجعل المواطن واعيا بأن إرادته ليست ملكا للعائلة، ولا للجماعة، ولا للوسيط، ولا للزعيم، ولا لأي سلطة رمزية تدعي أنها تعرف مصلحته أكثر منه، لأن استعادة المعنى الحقيقي للمواطنة تبدأ من استعادة الإنسان لإرادته، وحينها فقط يصبح الصوت موقفا، والاختيار مسؤولية، والثقة تفويضا قابلا للمساءلة، والديمقراطية أكثر من مجرد طقس انتخابي، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل انتخابات ليس فقط: من سيفوز؟ بل هل ما زال المواطن هو صاحب إرادته؟
في أفق السؤال
يتضح أن المسألة لا تتعلق بالاختيار في حد ذاته، وإنما بمصدر الاختيار وبالقدرة على امتلاكه، حيث إن الإنسان لا يفقد حريته فقط عندما يلزمه أحد على فعل ما لا يريد، وإنما قد يفقد جزءا منها حين يصبح عاجزا عن التمييز بين ما يريده هو وما تعوّدت إرادته أن تريده تحت تأثير الجماعة أو الحاجة أو الخوف أو الولاء أو السلطة الرمزية، لذلك فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمنع الإنسان من الاختيار، بل تلك التي تجعله يختار دون أن يسأل نفسه عن سبب اختياره.
من هذا المنظور، لا تكون الديمقراطية مجرد لحظة يصل فيها المواطن إلى صندوق الاقتراع، ولا مجرد نظام قانوني يضمن له الإدلاء بصوته، وإنما تصبح ثقافة للحرية تبدأ قبل الصندوق بكثير. تبدأ حين يتعلم الإنسان أن اختلافه ليس خيانة للجماعة، وأن السؤال ليس تمردا، وأن مراجعة الموقف ليست ضعفا، وأن الانتماء لا يلغي حقه في التفكير المستقل. فالمواطن الذي يفكر لا يفقد انتماءه إلى الجماعة، وإنما يمنح هذا الانتماء معنى أكثر حرية، لأنه لا يتحول إلى تابع لها، بل يظل قادرا على الحوار معها ومراجعتها والاختلاف معها.
إن استقلال الصوت لا ينفصل عن استقلال الإرادة. فسرية الاقتراع تحمي القرار من انكشافه أمام الآخرين، فالقانون يضمن حق المواطن في الاختيار، لكن الثقافة الديمقراطية هي التي تمنحه القدرة على ممارسة هذا الحق بوعي ومسؤولية، لذلك لا تكفي حماية الورقة الانتخابية إذا لم تكن الإرادة التي تقف خلفها قادرة على مقاومة كل ما يحاول أن يحولها إلى ملكية للآخرين، غير أن السؤال الذي يبقى في نهاية المطاف ليس: لمن سيذهب الصوت؟ ولا: من سيحصل على العدد الأكبر من الأصوات؟ وإنما سؤال أكثر عمقا هو: لمن تعود الإرادة التي تقف خلف هذا الصوت؟ فحين يكون الإنسان مالكا لإرادته، يصبح التصويت فعلا من أفعال الحرية، وتصبح الثقة تفويضا قابلا للمساءلة، وتصبح المواطنة مشاركة لا تبعية، أما حين يفقد الإنسان المسافة التي تفصل بين ما يختاره وما يختار له، فقد يبقى صندوق الاقتراع ممتلئا بالأصوات، وعليه فإن الحرية، في نهاية الأمر، ليست أن يجد الإنسان مكانه داخل الصف، وإنما أن يظل قادرا على أن يسأل لماذا يقف فيه، وأن يخرج منه حين يقتضي ضميره ذلك، على اعتبار أن أعمق صور المواطنة ليست أن يقول الإنسان ما تقوله الجماعة، وإنما أن يظل قادرا على أن يقول أن هذا ما اخترته، لأنني أريده، وهذه إرادتي، لا أن يفقد الاختيار استقلاليته، ولا أن يختار الآخرون رغباتنا، ولا أن تتخفى الهيمنة في الاختيار أو أن تُصاغ الإرادة من الخارج.
اترك تعليقاً