الكاين: المنصوري أمام اختبار الأغلبية.. والتعيين يكرس المنطق الدستوري
اعتبر المحلل السياسي عبد الوهاب الكاين أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة يعكس التزاما دقيقا باحترام المنطق الدستوري لسنة 2011، وتحديدا الفصل 47 الذي يقضي بتعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج انتخابات مجلس النواب، على أن يتم تشكيل باقي الوزراء باقتراح من رئيس الحكومة المعين.
وأكد المتحدث في تصريح لجريدة “العمق”ذاته أن استمرار العمل بقاعدة الحزب المتصدر يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الاختيار الملكي مقيد بنتائج صناديق الاقتراع، مبرزا أن رئاسة الحكومة تنبثق بذلك من الإرادة الانتخابية وليس من التقدير المحض للسلطة المعينة، وهو ما يرسخ الطابع الدستوري للتجربة السياسية المغربية بعد حراك 2011، جاعلا من الاقتراع المصدر الحقيقي لتحديد قيادة الجهاز التنفيذي.
وأوضح الكاين أن هذا التعيين لا يشكل سوى مرحلة أولى في مسار بناء الشرعية الحكومية باعتباره تكليفا بالتشكيل قبل منح الثقة، مبينا أن هذه الشرعية لن تكتمل إلا بتكوين أغلبية نيابية ونيل ثقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي وفقا لمقتضيات الفصل 88 من الدستور، لتظل قدرة رئيسة الحكومة المعينة على نسج تحالفات متماسكة تضمن لها أغلبية مستقرة التحدي الأكبر سياسيا ودستوريا.
وأضاف الخبير السياسي أن دلالة هذا التعيين تتجاوز على مستوى النوع الرمزية الظاهرة، موضحا أن حضور النساء في المجال العمومي ظل مرتبطا بآليات “الكوطا” واللوائح الجهوية والوطنية، غير أن بلوغ امرأة أعلى منصب تنفيذي عبر مسار حزبي وانتخابي كامل يمثل تحولا نوعيا من التمثيلية المضمونة إلى القيادة المنتزعة، تماشيا مع روح ديباجة الدستور والفصل 19 المتعلق بالمساواة والمناصفة.
وأشار المصدر عينه إلى أن أثر هذا الحدث يمتد لتعزيز الصورة الخارجية الإصلاحية للمملكة إقليميا ودوليا، مستدركا أن هذه الرمزية لا تكفي وحدها لإحداث التغيير، بل سيقاس الأثر الفعلي بمدى ترجمته إلى سياسات ملموسة في مجالات الحماية الاجتماعية وإصلاح مدونة الأسرة والتمكين الاقتصادي للنساء، مما يمس حياة المجتمع بشكل عام.
ونبه المحلل السياسي إلى ضرورة الإنصاف عبر الإقرار بأن قيادة امرأة للحكومة لا تعني بالضرورة حتمية انحياز سياساتها للمساواة، معتبرا أن المعيار الحاسم يكمن في طبيعة البرنامج الحكومي وهوية الأغلبية، وداعيا إلى إرجاء الحكم على هذه التجربة إلى حين اختبارها في الممارسة لتجنب الخلط بين الاحتفاء بالرمز وتقييم الحصيلة الفعلية.
وسجل المتحدث أن الحكومة القادمة ستكون ائتلافية بالضرورة نظرا لعدم تجاوز الحزب المتصدر لربع المقاعد، مما سيفرض على رئيسة الحكومة صياغة ميثاق أغلبية واضح يوزع الحقائب ويحدد الأولويات بدقة، مؤكدا أن قوة التشكيلة ستتحدد بتوازنات التحالف وانسجامه، لا سيما أن مرحلة المشاورات تحدد غالبا مصير الولاية بأكملها.
ولفت الكاين الانتباه إلى التقاطع الفريد في مسار المنصوري بين المهنة القانونية والتدبير المحلي والمسؤولية الوزارية والقيادة الحزبية، بوصفها ثاني أصغر شخصية تقود الجهاز التنفيذي في تاريخ المغرب المستقل، مبرزا أن هذا المزيج يمنحها تكوينا تعاقديا ملائما لإدارة التفاوض، رغم أن الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية الحالية أوسع بكثير من حصيلتها الوزارية السابقة.
وبخصوص ملف الصحراء المغربية وعلاقته بالتعيين الجديد أكد المتحدث أنه لن يشهد أي مساس بالثوابت مع هذا التغيير، منحصرا دور الحكومة في الحفاظ على وحدة الخطاب الوطني ودعم الدبلوماسية الرسمية، مبرزا أهمية خبرة المنصوري القانونية والترابية إذا ما انتقل التفاوض في المرحلة المقبلة إلى مسألة الصلاحيات والجهوية المتقدمة والمالية المحلية.
وشدد المصدر على ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة في تنفيذ الشق التنموي بالأقاليم الجنوبية والذي تربطه الدبلوماسية بمسار التفاوض، إلى جانب حتمية تعزيز حضور الأغلبية الجديدة في مختلف المحافل البرلمانية والحزبية على المستوى الدولي.
ودعا الكاين عند تقدير فرص النجاح إلى تجنب ربط الفشل أو النجاح بجنس رئيسة الحكومة، محددا عناصر القوة في التصدر الانتخابي ودستورية التعيين وخبرة التدبير والزخم الدبلوماسي لقرار مجلس الأمن 2797، وذلك في مقابل تحديات غياب الأغلبية المطلقة، وضرورة استعادة الثقة بعد ملاحظات الاقتراع، واتساع الانتظارات، واستمرار تعقيدات التفاوض الإقليمي.
وخلص المحلل السياسي إلى أن تعيين المنصوري يشكل لحظة مفصلية رمزيا ومؤسساتيا ووظيفيا، مسجلا أن الكثير من التقييمات المتداولة حاليا يغلب عليها طابع الاحتفاء الصادر عن جهات رسمية وحزبية، بينما يبقى الحكم الموضوعي رهينا بحصيلة الأداء الفعلي في الأشهر المقبلة وبجودة الميثاق الحكومي في التوفيق بين الملف الوطني الأول والأولويات التنموية.
اترك تعليقاً