في ما وراء الانتخابات الأخيرة.. المسكوت عنه والمبارك فيه
ما كنت أرغب في كتابة شيء عن الاستحقاقات السياسية الجارية، لولا أن ألح علي بعض الأصدقاء بذلك. وما كنت لأجيبهم عن طلبهم، فينالوا مني ما أرادوا، لولا ما شاهدته في حلقة “مباشرة معكم” ليوم الأربعاء 30 شتنبر 2026، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها جاءت مخيبة للانتظارات، ولا تستجيب لشروط الخطاب التحليلي وتطلعات النخبة المثقفة؛ إذ إن التحليل في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا تقوم له قائمة من دون الاستناد إلى مفاهيم وتسخيرها لتعميق الفهم.
ليس لي، بأي حال، أن أطلب ذلك ممن مثل، في الحلقة المذكورة، صوت الإعلاميين، فقد كان حضوره موفقا، ولا حتى ممن مثل صوت رجال ونساء القانون، لكن لا يمكن أن أتجاهل الضعف الكبير والشرود الواضح الذي بدا عليه الأستاذ الطوزي في تعليقاته البسيطة والسطحية عن الحدث المطروح للنقاش، وهو الذي يمثل، في الحلقة، علوم الاجتماع والسياسة؛ فلا أخفيكم أن الإحباط قد بلغ مني مبلغا كدت معه أن أتنكر لانتمائي إلى علوم الاجتماع والسياسة.
يعتبر السوسيولوجي بمثابة مترجم ينقل اللغة اليومية العامية إلى لغة علمية مفهومية تستجيب لشروط العلمية كما هي متعارف عليها من قبل الطائفة العلمية. لذلك لا يمكن أن تخلو لغته من المفاهيم دون أن تغادر فلك العلم، وتسقط في مطب اللغة العامية؛ ولقد كان ذلك حال الأستاذ الطوزي في حلقة “مباشرة معكم”؛ إذ استنكف عن استخدام المفهوم، فابتعد بذلك عن التحليل.
لنعمل الآن على إعادة بناء الموضوع نظريا من خلال وضع وقائع وأحداث الاستحقاقات السياسية الجارية في أطر ومقولات عقلانية قبلية: نحن بإزاء تجل من تجليات الديمقراطية التمثيلية، ولعله التجلي والمظهر الأكثر تعبيرا عنها؛ ذلك أنه اللحظة التي تتركز فيها الانتظارات والرهانات والتحديات، وتعبر عن نفسها في سلوكات قابلة للملاحظة والقياس. على أنه لا ينبغي أن ننسى أن الإطار العام الذي يحتوي الديمقراطية في بلادنا، ويسمح بتطورها هو نظام حكم ملكي تنفيذي؛ حيث يتمتع ملك البلاد بالسيادة ويمارس الحكم.
في هذا السياق، تعد كل مناسبة لإجراء الانتخابات التشريعية فرصة لمناقشة العملية الديمقراطية في بلادنا، والوقوف على تطور المشهد الديمقراطي وتحسنه؛ وذلك من خلال تقييم السلوك الانتخابي، والمناخ العام الذي تشكل خلال الحملة الانتخابية. والسؤال الأساسي الذي يتعين علينا أن نبحث عن إجابة له هو: هل تعبر الاستحقاقات الجارية على أننا نمضي بثبات في اتجاه تعميق الديمقراطية، أم أنها تعكس تراجع الآلية الديمقراطية في القدرة على ضبط الإيقاعين السياسي والاجتماعي؟
قبل ملامسة الإجابة عن هذا السؤال، أود في البداية أن أثير الانتباه إلى أن الجميع -إعلاميين ومحللين وأساتذة-قد ابتلعوا الطعم؛ حيث انصرف الجميع إلى الاحتفاء بتعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري السيدة الأولى على رأس الجهاز التنفيذي، معتبرين إياه (أي التعيين) عمدة الأحداث الإيجابية التي زخرت بها الاستحقاقات الجارية؛ متغافلين بذلك عن السؤال الذي طرحناه أعلاه.
إن إبراز تعيين امرأة على رأس الحكومة واعتباره الحدث الأبرز في الاستحقاقات الجارية، بل وإضفاء مسحة دينية عليه، يغير وجهة النقاش حول العملية الديمقراطية من الإحباطات التي يمكن أن تنال من همم البعض ممن يثيرون جدل الصلاحيات وتصادم السلط، إلى الانتصارات التي يعلنها البعض ممن يثمنون تراجع التفسيرات الدوغمائية للنصوص الدينية، واضطلاع إمارة المؤمنين بترسيخ دين الوسطية والاعتدال. فدعونا إذن من السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وهلم إلى ملامسة إجابة عن السؤال المطروح أعلاه.
إن ما يثير الانتباه حقا، خلال هذه الاستحقاقات الانتخابية، ليس هو اكتنافها لأحداث تشوب العملية الديمقراطية وتشكك في مصداقيتها فحسب، بل ممارستها عنوة، وكأن أصحابها يمعنون في تبليغ رسالة مفادها أننا مستعدون لفعل أي شيء، مهما كان مغرضا أو بغيضا، من أجل إنقاذ البلد من خطر محذق. وإذن، فإن إشهار المواقف والإمعان في الممارسة، سواء من قبل الطرف الذي يمارسها أو من قبل الطرف الذي يدينها، جزء لا يتجزأ من اللعبة، وليس خروجا عن قواعدها كما يمكن أن يظهر للبعض.
لكن ما هو هذا الخطر الذي يمكن أن يهدد مصلحة البلد، ويحد من إرادته وطموحه لتغيير المعادلات الإقليمية، بل العالمية، مع شركائه الجدد-القدامى؟
إنه زواج السياسة بالشعبوية (le populisme)، والذي يدفع إلى الانقلاب على المنهجية الديمقراطية. لقد أصبحت تترسخ قناعة قوية لدى أصحاب القرار في المغرب بعدم نجاعة الآلية الديمقراطية في مواجهة الشعبوية السياسية، بل بتحول قواعد اللعبة الديمقراطية إلى مطية مناسبة لانتعاش خطابات شعبوية هي على جهل تام بمصير البلد وأهدافه الاستراتيجية. فمن المحتمل، لو تركت الآلية الديمقراطية تعمل بعيدا عن أي شائبة يمكن أن تشوبها، لفاز الإسلاميون بمقاعد إضافية، وقد تكون كثيرة، لاسيما وأنهم أثبتوا قوتهم في الحواضر، التي تسلط عليها الأضواء من طرف الملاحظين والمهتمين بالشأن الانتخابي، في مقابل ضعف التغطية الإعلامية والمراقبة لهذا الشأن بالقرى والمداشر. فعلى ما يبدو، إن العملية الانتخابية، على علاتها، قد مرت بمباركة الجميع، بدون استثناء، وحتى المتظلمين مما شابها من فساد، كما لو أن الجميع قد اكتشف فجأة أن في أساس الديمقراطية، بوصفها نظاما للحكم، قوة غير راشدة اسمها الشعب.
إن صعود الشعبوية التي عززتها الثورة المعلوماتية، وتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، دفع الرأسمالية عموما إلى الانقلاب على الديمقراطية، لعبتها المفضلة لتثبيت هيمنتها. وهو الأمر الذي يطرح أزمة الديمقراطية على الطاولة حتى في البلدان الديمقراطية العريقة. لذلك، وقياسا عليه، فإن صدح الجماهير داخل ملعب رياضي بشعار: “الشعب يريد العدالة والتنمية”، وخروج جماهير قروية غفيرة مناهضة للتزوير الذي طال نتائج الانتخابات لا تمس مصداقية العملية الانتخابية، بقدر ما تقدم صورة أولية عن الخطر القادم: الشعبوية السياسية التي يمثلها الإسلاميون أحسن تمثيل، ويمثل اليساريون صيغتها الكاريكاتورية المبهمة.
ليس فقط الاحتجاجات الجماهيرية ضد تزوير الانتخابات في بعض مكاتب التصويت ما يعبر عن الخطر القادم، بل عدد المقاعد التي فازت بها العدالة والتنمية في الاستحقاقات الجارية؛ فأربعة وخمسين مقعدا يجعل من العملية السياسية تعمل تحت تهديد “شعبنة” المجتمع (populisation de la société).
وصفتُ شعبويةَ اليساريين بالكاريكاتورية المبهمة لأنهم خارج الحسابات التي ستدور حول محور “عالم/شعبي” (le savant et le populaire) لأن ليس لديهم أي شيء يقدمونه لتهذيب هذا التعارض والتفاوض باسمه. فقد سمح وجود الأصالة والمعاصرة للدولة بأن تضفي طابعا عصريا على التراث بعيدا عن أي استعانة باليساريين (دعاة القطيعة). فلو كان الإسلاميون يخوضون معركتهم، في إعادة الاعتبار للتراث وتثمينه، ضد اليساريين، لاحتكروا تمثيل التراث احتكارا، مستفيدين من الأخطاء القاتلة التي يقترفها اليساريون في حق التراث باسم القطيعة مع التخلف. لكن الاسلاميين، وقد وجدوا أنفسهم يخوضون نفس المعركة ضد الأصالة والمعاصرة، لم يتبق لهم سوى أن يمثلوا “شعبوية التراث” في مواجهة النجاح الذي يمكن أن يحالف الأصالة والمعاصرة في تمثيل تراث عقلاني عالم. (Un patrimoine savant). وعلى نحو مثير للاستغراب، ستكون العدالة والتنمية خادمة أمينة للدولة مساهمة في تثبيت مشروعها حينما تصدح بعدم توافقها مع الاختيارات الأساسية للدولة، وزجها “للشعب” في معارك تفتقد للرشد، وتجازف بشكل سافر بمصالح “البيت الصغير” الذي يستند إلى دعامات قوية لفائدة “بيت كبير” بدون دعامات.
باختصار، إن شعبوية الأغلبية، وعلى نحو مثير للاستغراب، هي نفسها التي تمنح “مشروعية” للانقلاب على المنهجية الديمقراطية. فقد مرت الانتخابات بمباركة الجميع بالرغم من وجود قناعة بأن جزءا مهما منها كان معدا سلفا؛ ذلك لأن الانحراف عن المنهجية الديمقراطية كان، وسيضل في المستقبل القريب، السبيل الوحيد للاحتماء من خطر الشعبوية. بعدما كان، في السابق، سبيلا لحماية ديمقراطية وصفت بالفتية من خطر القومة الإسلامية.
اترك تعليقاً