منتدى العمق

ذكريات بشير

ذكريات بشير

بين أمجاد الماضي وأثقال الحاضر وأحلام المستقبل

ماضٍ جميل وتجارب لا تُنسى

حين يسترجع بشير شريط حياته، يجد في ماضيه محطات مشرقة وذكريات جميلة لا تزال تحتفظ بمكانتها في أعماقه، رغم ما اعترض طريقه من محن وأزمات، وما خلّفته بعض التجارب من جراح وآثار نفسية عميقة. لقد كان شابًّا متقد الحماس، بشوش الوجه، خفيف الظل، محبًّا للحياة، حريصًا على التواصل مع الآخرين، ومؤمنًا بأن الإنسان يستطيع أن يرتقي بنفسه ومحيطه متى امتلك الإرادة الصادقة، وتمسك بالقيم النبيلة، وأحسن التوكل على الله.

وكانت علاقته بالله من أهم المرتكزات التي استند إليها في حياته؛ فقد حافظ على الصلوات الخمس جماعة في المسجد، ووجد في العبادة سكينة للنفس، وقوة لمواجهة الصعاب، وأملًا يتجدد كلما ضاقت به السبل. ولم تكن تلك المرحلة مجرد سنوات مضت وانقضت، بل كانت مدرسة حقيقية تعلم فيها معاني الصبر والمثابرة، واكتسب من خلالها تجارب وخبرات أسهمت في تشكيل شخصيته ونظرته إلى الحياة.

ومع مرور الزمن، أدرك بشير أن جمال الماضي لا يعود إلى خلوه من المشكلات، وإنما إلى ما كان يملؤه من حيوية وأمل، وما كان يختزنه من طموحات كبيرة، وما كان يمنحه من شعور بالقدرة على التغيير وصناعة المستقبل .

حين تصبح المبادئ امتحانًا للحياة

لم يكن طريق بشير مفروشًا بالورود؛ فقد وجد نفسه، في محطات متعددة، أمام مآزق ومواقف معقدة، شعر خلالها بأن تمسكه بمبادئه وقيمه وأخلاقه جعله عرضة لسوء الفهم والمواجهة والتضييق من بعض الأشخاص. وكان يعتقد أن النزاهة والاستقامة والوفاء والعمل الجاد ينبغي أن تكون عوامل تساعد الإنسان على التقدم، لكنه اكتشف، من خلال تجاربه، أن بعض البيئات لا تكافئ بالضرورة أصحاب المبادئ، وأن المصالح الشخصية قد تتقدم أحيانًا على الاعتبارات الأخلاقية.

وقد مرّ بتجارب اعتقد فيها أن بعض الأشخاص تعمدوا الإضرار به أو عرقلة مساره دون وجه حق. ومع ذلك، حاول أن يواجه ما تعرض له بالصبر وضبط النفس، وألا يسمح للخصومات بأن تنتزع منه احترامه لذاته أو تدفعه إلى التخلي عن قيمه.

وكانت الكتابة إحدى الوسائل التي لجأ إليها للتعبير عن أفكاره، وتوثيق بعض تجاربه، وكشف الاختلالات التي يراها في المجتمع. فبدل أن يحصر اهتمامه في الردود الشخصية، سعى إلى تحويل جانب من معاناته إلى مقالات وتأملات تتناول السلوك الإنساني والتناقض بين الشعارات والممارسات، مؤمنًا بأن الكلمة المسؤولة قد تؤدي دورًا في إظهار الحقائق وتصحيح بعض المفاهيم.

وقد خرج من مآزق عديدة بفضل الله، وبما تمتلكه من صبر وقدرة على إعادة ترتيب أوراقه، لكنه وجد نفسه أحيانًا أمام تعقيدات جديدة، وكأن الحياة تنقله من اختبار إلى آخر، وتطالبه في كل مرة بمزيد من الحكمة والوعي وحسن التدبير.

الصداقة بين نبل الوفاء و مرارة الخذلان

كان بشير اجتماعيًّا بطبعه، يحب أصدقاءه، ويفرح لنجاحهم، ويحرص على تشجيعهم ورفع هممهم، بل كان يبالغ أحيانًا في تحفيزهم على التعلم والاجتهاد وتحقيق الطموحات الكبيرة. وكان يعتقد أن الصداقة الحقيقية ليست مجرد تبادل التحيات والمجاملات، وإنما علاقة إنسانية تقوم على الصدق والوفاء والتعاون والاهتمام المتبادل.

غير أن تجاربه مع بعض الأصدقاء جعلته يعيد النظر في كثير من تصوراته. فقد شعر، في مراحل مختلفة، بأن كثرة نصائحه وتشجيعاته لم تعد تجد الاستجابة التي كان ينتظرها، وأن بعض العلاقات التي ظنها متينة لم تكن بالقوة التي تخيلها. ومع مرور الوقت، ابتعد عنه أشخاص كان يعتقد أنهم أقرب إليه، وانقطعت علاقات كان يتمنى استمرارها.

وكان أكثر ما يؤلمه في هذه التجارب شعوره بأن الوفاء الذي قدمه لم يكن دائمًا متبادلًا، وأنه منح بعض العلاقات من وقته واهتمامه أكثر مما منحته هي. لكنه بدأ يدرك تدريجيًّا أن الناس يختلفون في طبائعهم وأولوياتهم وقدرتهم على الالتزام، وأن ما يراه شخص دليلًا على المحبة والاهتمام قد يراه آخر تدخّلًا أو كثرة في النصيحة.

ومن هنا، أخذ يتعلم أن الصداقة لا تُقاس بطول سنوات المعرفة، ولا بكثرة الكلمات الجميلة، وإنما بمواقف الصدق وقت الحاجة، وبالاحترام المتبادل، والقدرة على استمرار العلاقة دون استنزاف أحد الطرفين.

ومع ذلك، لم يعد بشير يرى أن عليه ملاحقة كل من ابتعد عنه، أو استنزاف طاقته في محاولة استعادة علاقات فقدت توازنها. لقد أصبح أكثر ميلًا إلى ترك مساحة للآخرين، واحترام اختياراتهم، والاحتفاظ بمودته لمن يستحقها، دون أن يجعل قيمته الذاتية رهينة باهتمام الناس به.

رجل المعرفة والعمل والطموحات المؤجلة

ظل العلم أحد أهم المسارات التي رافقت بشير منذ شبابه. فمنذ سنة 1990، اتخذ من القراءة وسيلة لاكتشاف العالم وتوسيع مداركه، وقرأ مئات الكتب في تخصصات معرفية متعددة، شملت مجالات مختلفة من العلوم الإنسانية والفكر والتربية وتطوير الذات وغيرها.

ولم تكن قراءاته مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل كانت محاولة مستمرة لفهم الإنسان والمجتمع، واستيعاب التحولات التي يعرفها العالم، والبحث عن أجوبة لأسئلة شغلت ذهنه طويلًا. وقد ساعده هذا المسار المعرفي على تطوير اهتماماته، وتعميق نظرته إلى القضايا الاجتماعية والإنسانية، وتعزيز رغبته في الكتابة والإنتاج الفكري.

وعلى المستوى الدراسي، حصل بشير على دبلوم التقني في المحاسبة سنة 2001، ثم اجتاز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر سنة 2014، قبل أن يواصل مساره الجامعي ويتوج جهوده بالحصول على الإجازة في الجغرافيا البشرية سنة 2017.

وكانت هذه المحطات ثمرة إرادة في استئناف التعلم رغم مسؤوليات الحياة والتزاماتها، ودليلًا على أن الرغبة في المعرفة لا ينبغي أن تتوقف عند سن معينة أو عند حدود الشهادة الأولى.

كما عمل على إعداد مشروع كتاب يبلغ نحو 172 صفحة، في خطوة تعكس رغبته في تحويل جزء من أفكاره وتجربته القرائية والكتابية إلى عمل أكثر تكاملًا. وهو لا يزال يتطلع إلى متابعة دراسته العليا والالتحاق بسلك الماستر، حتى يعمق تكوينه العلمي ويوسع آفاقه البحثية، ولا سيما في المجالات التي يجد فيها امتدادًا اهتماماته وتجربته.

ومع ذلك، يساوره أحيانًا شعور بأن ما حققه لا يرقى إلى مستوى طموحاته، وأن سنوات طويلة من العمل والتعلم والعطاء كان يمكن أن تثمر نتائج أكبر. إنه يرى في نفسه إنسانًا جادًّا، محبًّا للتميز، حريصًا على إتقان الأعمال التي يضطلع بها، لكنه لا يستطيع تجاهل المسافة التي لا تزال تفصله عن عدد من الأهداف التي وضعها لنفسه.

ولعل مصدر هذا الشعور أنه يقيس واقعه أحيانًا بما كان يأمل بلوغه، لا بما أنجزه بالفعل. فالإنسان الطموح قد ينشغل بما لم يحققه إلى درجة تجعله يقلل من قيمة ما أنجزه، وينسى أن بعض النجاحات لا تظهر في صورة مناصب أو مكاسب مادية، بل تتجلى في المعرفة المتراكمة، والخبرات المكتسبة، والقدرة على الاستمرار رغم الصعوبات.

بين العطاء والإجهاد: الحاجة إلى استعادة التوازن

بشير رجل يميل إلى خدمة الآخرين، ويجد متعة في إنجاز الأعمال التي يعتقد أنها مفيدة، سواء تعلق الأمر بعمله أو بمبادرته الفكرية والاجتماعية. غير أن العطاء المستمر، حين لا تصاحبه فترات كافية للراحة، قد يتحول إلى عبء يرهق صاحبه ويستنزف قدرته على الاستمرار.

وقد عانى بشير، في مناسبات متعددة، من الأرق والإجهاد والضغوط النفسية، خصوصًا عندما تتراكم عليه المسؤوليات و تتزاحم في ذهنه المشكلات والطموحات والالتزامات. وكان يجد نفسه أحيانًا بحاجة إلى الانسحاب المؤقت من صخب الحياة، والابتعاد عن كثرة المطالب، والخلود إلى الراحة لاستعادة توازنه.

وتزداد أهمية هذه الحاجة اليوم، بعدما تجاوز الخمسين من عمره، وأصبح يستحضر بوضوح ما استنزفت منه بعض التجارب السابقة من جهد نفسي وذهني. فهو يشعر بأن طاقته لم تعد كما كانت في سنوات شبابه، وأن قدرته على تحمل الضغوط المتراكمة تحتاج إلى تدبير أكثر حكمة.

ولم يعد مقتنعًا بأن النجاح يعني الاستمرار في العمل بلا توقف، أو أن خدمة الناس تقتضي التضحية الدائمة بالراحة والصحة. بل بدأ يدرك أن من حق الإنسان أن يتوقف قليلًا، وأن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يمنح نفسه نصيبًا من السكينة والاستجمام.

إن الراحة، في نظره، ليست استسلامًا للحياة، وإنما ضرورة لاستعادة القدرة على مواصلتها. كما أن الاعتناء بالنفس ليس أنانية، ما دام لا يتحول إلى إهمال للواجبات أو تنكر لحقوق الآخرين.

من الانفتاح الاجتماعي إلى البحث عن السلام الداخلي

لم يفقد بشير طبيعته الاجتماعية تمامًا، لكنه أصبح أكثر حذرًا في علاقاته بالناس. فقد علمته بعض التجارب أن حسن النية وحده لا يكفي لضمان نجاح العلاقات، وأن التعامل مع الآخرين يحتاج إلى توازن بين الثقة والحذر، وبين العطاء وحفظ الحقوق، وبين التسامح ووضع الحدود.

ومع تكرار ما شعر به من إساءة أو خذلان، بدأ يميل أحيانًا إلى الابتعاد عن التجمعات والعلاقات التي تستنزف طاقته، والبحث عن قدر أكبر من الاستقلال النفسي، والتركيز على مسؤولياته تجاه نفسه وأفراد أسرته.

إنه لا يريد أن يقضي ما تبقى من عمره في مطاردة رضا الآخرين، أو الدخول في خصومات لا تنتهي، أو محاولة إصلاح كل شخص وكل محيط. فقد أدرك أن مسؤولية الإنسان عن نفسه وأسرته تظل أولوية أساسية، وأن طاقته المحدودة لا تسمح له بحمل أعباء العالم كله.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن العزلة هي الحل الأمثل، أو أن جميع الناس يستحقون الابتعاد عنهم. (فبشير)، رغم خيباته، لا يزال بحاجة إلى علاقات إنسانية صادقة تمنحه الأنس والتعاون والشعور بالانتماء. والفرق الذي يحاول تعلمه هو التمييز بين العزلة التي تمنح النفس فرصة للهدوء والمراجعة، والعزلة التي قد تحرمها من المودة والدعم وتزيد شعورها بالوحدة.

إنه يبحث عن حياة اجتماعية أكثر انتقاءً واتزانًا، تكون فيها العلاقات مصدرًا للراحة والنفع المتبادل، لا ساحة دائمة للانتظار وخيبة الأمل.

تحولات القيم في زمن المصالح الفردية

من خلال ملاحظاته وتجربته الطويلة، أصبح بشير يشعر بأن العلاقات الإنسانية شهدت تراجعًا في بعض مظاهر الوفاء والتضامن والتكافل، وأن نزعة الاهتمام بالمصلحة الشخصية باتت أكثر حضورًا في عدد من الأوساط التي يعرفها.

وقد تركت هذه الملاحظات في نفسه شيئًا من الحزن، لأنه كان يتمنى أن يجد في محيطه الاجتماعي قدرًا أكبر من التراحم والتعاون والاهتمام المتبادل، وأن تكون القيم الأخلاقية حاضرة في المواقف العملية، لا في الخطابات وحدها.

ويرى أن من المؤلم أن ينشغل الإنسان بمصالحه الخاصة إلى درجة تجعله ينسى حاجات الآخرين، أو يتجاهل من وقفوا إلى جانبه في أوقات الشدة. ومع ذلك، يحاول ألا يجعل تجاربه الفردية حكمًا نهائيًّا على المجتمع كله؛ فهو يعلم أن في الناس، إلى جانب من خيبوا آماله، أشخاصًا أوفياء وأصحاب مروءة وإحسان، وإن لم تتح له الظروف دائمًا فرصة التعرف إليهم عن قرب.

إن ما يحتاج إليه المجتمع، في نظره، ليس كثرة الشعارات عن الأخلاق والصداقة والتضامن، بل ترجمة هذه القيم إلى سلوك يومي يتجلى في احترام الآخرين، والوفاء بالوعود، ومساعدة المحتاج، والاعتراف بالجميل، وتجنب الإضرار بالناس.

ويظل بشير مؤمنًا بأن إصلاح العلاقات يبدأ من الفرد نفسه، وأن على الإنسان أن يراجع سلوكه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير. لكنه أدرك أيضًا أن الإصلاح لا يتحقق بمجرد الرغبة فيه، وأن تغيير النفس والمحيط يحتاج إلى الصبر والتدرج والحكمة، وأن النتائج لا تأتي دائمًا وفق ما نتمناه.

محاولات متواصلة لتغيير النفس والمحيط

لم يكن بشير مجرد متفرج على ما يجري حوله؛ فقد بذل جهودًا متعددة لتحسين نفسه، وسعى إلى التأثير الإيجابي في بعض المحيطين به، وشجع على التعلم والاجتهاد وتطوير القدرات، وحاول أن يجعل من أفكاره وتجربته وسيلة للمساهمة في الإصلاح.

وقد نجح في بعض المحاولات، ولم يحقق ما أراده في محاولات أخرى. وكانت إخفاقاته تثير لديه أسئلة كثيرة عن جدوى الجهد، وحدود تأثير الفرد في محيطه، والكيفية التي يمكن بها تحويل الأفكار الجيدة إلى نتائج ملموسة.

ومع مرور الوقت، بدأ يقترب من قناعة أكثر واقعية: يستطيع الإنسان أن يعمل من أجل التغيير، لكنه لا يستطيع التحكم في استجابات الآخرين، ولا ضمان نجاح كل مبادرة، ولا فرض قناعاته على من لا يرغب في مراجعتها.

ومن ثم، فإن الحكمة تقتضي أن يواصل المرء عمله فيما يستطيع التأثير فيه، وأن يتقبل حدود قدرته فيما يخرج عن إرادته. فليس كل إخفاق دليلًا على فشل صاحبه، وليس كل جهد لا تظهر نتائجه سريعًا جهدًا بلا قيمة.

ولعل ما يحتاج إليه بشير في هذه المرحلة هو أن يوجه جزءًا أكبر من طاقته نحو المشروعات التي يستطيع إنجازها، وأن يحدد أهدافًا واقعية، وأن يترك مساحة لاحتمال الخطأ والتعلم، دون أن يحمل نفسه مسؤولية إصلاح كل ما يراه مختلًّا في الحياة.

بين الإيمان بالتحدي والرضا بما قسم الله

على الرغم من المآزق التي واجهها، لا يزال بشير يحب التحدي، ويعتز بقدرته على الخروج من مواقف معقدة لم يكن يتصور تجاوزها. وهو ينظر إلى ما مر به باعتباره سلسلة من الاختبارات التي علمته الكثير عن نفسه وعن الناس وعن طبيعة الحياة.

ومع ذلك، لا يخفي شعوره أحيانًا بعدم الرضا عن مساره، ولا ينكر أن بعض الأفكار والمخاوف تستهلك قدرًا من طاقته، وأنه قد يجد نفسه منشغلًا بما يراه من صراعات أو بما يعتقد أنه تعرض له من ظلم أو تدبير سيئ.

ويحاول أن يستعيد توازنه بالرجوع إلى إيمانه بالله، و بالتذكير بأن الإنسان مهما بلغ من الذكاء والاجتهاد تظل قدرته محدودة، وأن الحياة لا تسير دائمًا وفق الخطط التي يرسمها لنفسه.

وهو لا يحرص على الدنيا حرصًا مفرطًا، ولا يجعل المال والمظاهر المادية المعيار الوحيد للنجاح، بل يشعر بالامتنان لما رزقه الله من إمكانات وما أتاحها له من فرص للتعلم والعمل. لكنه، في الوقت نفسه، لا يريد أن تتحول القناعة إلى تخلٍّ عن الطموح، أو أن يصبح الرضا بالواقع مبررًا للتوقف عن السعي.

إنه يحاول أن يجمع بين أمرين: أن يعمل من أجل مستقبل أفضل، وأن يتقبل ما لا يستطيع تغييره؛ أن يطمح إلى المزيد، وأن يشكر على الموجود؛ أن يراجع أخطاءه، دون أن يحول المراجعة إلى جلد دائم للذات.

وهذه الموازنة ليست سهلة، لكنها من أهم الدروس التي يمكن أن يتعلمها الإنسان في مرحلة متقدمة من عمره.

الإنترنت: بين استهلاك الوقت وإنتاج الأفكار

يرى بشير أن الحياة يمكن أن تكون جميلة وبسيطة دون اتصال دائم بالإنترنت، وأن الإنسان يستطيع أن يجد كثيرًا من مصادر المتعة والراحة في القراءة والعبادة والمشي والتأمل والجلوس مع الأسرة والأصدقاء.

ومع ذلك، أصبح الإنترنت يحتل حيزًا كبيرًا من وقته، حتى بات يشعر أحيانًا بأن الساعات تتسرب منه دون أن يحقق خلالها ما كان يخطط له. فهو يدرك أن الاستخدام المتواصل للشبكات الاجتماعية قد يشتت الانتباه، ويضعف التركيز، ويزاحم أنشطة أكثر فائدة وهدوءًا.

لكن علاقته بالإنترنت لا تقتصر على الاستهلاك والمتابعة؛ فهو يحاول أن يكون منتجًا أيضًا، من خلال مشاركة أفكاره وتأملاته ومقالاته عبر فيسبوك وواتساب، والتواصل مع الآخرين، والاستفادة من الوسائل الرقمية في توسيع معارفه ونشر ما يكتبه.

وهكذا يجد نفسه أمام مفارقة واضحة: الوسيلة التي تفتح أمامه أبواب المعرفة والتواصل قد تصبح، إذا أساء تدبير الوقت، سببًا في استنزاف جزء من يومه.

ولذلك، فإن التحدي الحقيقي بالنسبة إليه ليس الانقطاع التام عن التكنولوجيا، وإنما امتلاك القدرة على استخدامها بوعي، وتحديد أوقات مناسبة لها، وتجنب التصفح الذي لا يحقق فائدة حقيقية، مع الحفاظ على مساحة كافية للقراءة الورقية والكتابة والراحة والعبادة والتواصل المباشر مع الأسرة والأصدقاء.

التكنولوجيا ينبغي أن تكون أداة في خدمة الإنسان، لا قوة تستحوذ على انتباهه وتتحكم في إيقاع حياته.

أحلام لم تنطفئ بعد

اليوم، وبعد أن تجاوز بشير الخمسين من عمره، يجد نفسه أمام مرحلة مختلفة من حياته. لم يعد ذلك الشاب الذي يعتقد أن الوقت واسع، وأن الفرص ستظل متاحة إلى ما لا نهاية؛ فقد أصبح أكثر وعيًا بقيمة الزمن، بحدود الطاقة البشرية، وبضرورة الاختيار بين الأهداف وفق أهميتها وإمكانات تحقيقها.

ومع ذلك، لم تنطفئ أحلامه. فلا يزال يتطلع إلى استكمال دراسته العليا، وتطوير مشروع كتابة، وإنتاج المزيد من المقالات والأفكار، وتعميق معرفته بالجغرافيا البشرية وغيرها من المجالات التي يهتم بها. كما لا يزال يتمنى أن يكون أكثر قدرة على خدمة أسرته، وتحقيق الاستقرار، وترك أثر طيب من خلال علمه وعمله وكتاباته.

وهو يحب أن يعمل خلف الأضواء، بعيدًا عن الاستعراض والمبالغة في طلب الاعتراف، لكنه يتمنى في الوقت نفسه أن يجد عمله الجاد ما يستحقه من تقدير، وأن تتحول بعض جهوده إلى نتائج ملموسة.

ولعل من أهم ما يحتاج إليه اليوم أن يتصالح مع تجربته الماضية، وأن يعترف بما حققه دون مبالغة، وأن يواجه ما أخفق فيه دون يأس، وأن يتوقف عن استنزاف نفسه في مقارنة حياته بصورة مثالية لم تتحقق.

فليس المطلوب أن يحقق الإنسان كل أحلامه دفعة واحدة، ولا أن يعوض في سنوات قليلة كل ما يعتقد أنه فاته، وإنما أن يختار ما يستحق ما تبقى من جهده، وأن يمضي فيه بثبات واعتدال.

إن بشير لا يبحث عن حياة خالية من المشكلات، بقدر ما يبحث عن حياة أكثر هدوءًا ومعنى، تتوازن فيها مسؤولياته مع حاجته إلى الراحة، وطموحاته مع إمكاناته، وعلاقاته مع حقوقه النفسية والإنسانية.

خاتمة: أن نواصل الطريق بحكمة أكبر

ليست حياة بشير قصة نجاح مكتمل، كما أنها ليست حكاية إخفاق مستمر؛ إنها تجربة إنسانية تجمع بين الاجتهاد والتعثر، والأمل وخيبة الرجاء، والعطاء والحاجة إلى الراحة، والرغبة في القرب من الناس والخوف من تكرار الخذلان.

لقد تعلم من ماضيه أن المبادئ تستحق التمسك بها، لكن الدفاع عنها يحتاج إلى حكمة؛ وأن الصداقة قيمة نبيلة، لكنها لا تستقيم دون تبادل للوفاء والاهتمام؛ وأن العلم طريق طويل لا تنتهي الرحلة فيه بالحصول على شهادة؛ وأن خدمة الآخرين عمل محمود، ما لم تتحول إلى استنزاف دائم للنفس.

كما أدرك أن العمر، مهما امتد، يظل محدودًا، وأن الطاقة التي يمتلكها الإنسان ليست بلا نهاية، وأن من الحكمة أن يختار معاركه، وينظم وقته، ويحفظ صحته، ويمنح أسرته ونفسه حقهما من الاهتمام.

أما خيباته، فيحاول ألا يجعلها سببًا في كراهية الناس جميعًا، بل دروسًا تساعده على حسن الاختيار ووضع الحدود. وأما أحلامه التي لم تتحقق بعد، فيريد أن ينظر إليها باعتبارها أهدافًا قابلة للمراجعة والعمل، لا أدلة دائمة على التقصير والفشل.

سيظل بشير، رغم كل ما مر به، مؤمنًا بأن باب التغيير لا يُغلق ما دام الإنسان قادرًا على التعلم والمراجعة والعمل. وقد لا يستطيع تغيير العالم كما يتمنى، لكنه يستطيع أن يحسن تدبير حياته، وأن يواصل الكتابة، وأن يتعلم المزيد، وأن يكون أكثر رفقًا بنفسه وبالآخرين.

ولعله اليوم بحاجة إلى أن يتذكر حقيقة بسيطة وعميقة: ليس النجاح أن تبلغ كل ما حلمت به، بل أن تواصل السعي فيما ينفعك، وتحفظ كرامتك وقيمك، وتتعلم من تجاربك، وتعيش ما بقي من عمرك بوعي وطمأنينة ورضا.

فالحياة، مهما أثقلتها المحن، تظل قادرة على منح الإنسان فرصًا جديدة، ما دام في قلبه أمل، وفي عقله رغبة في التعلم، وفي إرادته استعداد للنهوض من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *